الشيعي الوحيد الذي خطب في المسجد الأموي بعد الإمام زين العابدين (ع)

منذ 6 أيام

الشيعي الوحيد الذي خطب في المسجد الأموي بعد الإمام زين العابدين (ع)

ذلك الموقف الذي حدث لأول مرة في تاريخ دمشق من بعد سنة 61للهجرة، عندما قدِم إلى سوريا ذلك العالمُ الجليل الفقيه والفيلسوف الشيخ عبد الكريم الزنجاني، الذي كان مُضافاً لمرجعيته في النجف الأشرف، كان متصدياً لمشروع الوحدة بين المسلمين والتقريب بين المذاهب الإسلامية، فسافر إلى العديد من البلاد العربية والأقطار الإسلامية، كفلسطين ومصر وسوريا ولبنان والهند وباكستان وغيرها.. وعندما ألقى خطابه الشهير في (الأزهر الشريف) بحضور كبار العلماء والمفكرين ومنهم الدكتور طه حسين، فما أن أنهى الشيخ الزنجاني خطابه، حتى وقف طه حسين وتوجّه نحوه وأخذ يده وقبّلها وقال تلك الكلمة المشهورة: "أول يد أقبّلها وآخر يد".

ولمّا زار دمشق سنة 1936م، ألقى خطابين: الأول في الجامع الأموي، والثاني في الجامعة السورية، وسُمّي يومها بـ "رسول الوحدة الإسلامية"،حيث أعدّوا له منبراً تحت قبة الجامع، وتزاحم الناس بالآلاف، وبحضور العلماء والمفكرين، وألقى كلمةً بليغة - وهو المعروف بالخطيب المفوّه - حول توحيد كلمة المسلمين وتوثيق عُرى الأخوة، واحتشد حوله العلماء والأعيان لمصافحته وشكره، وخرج كثيرون في تشييعه إلى حيّ الأمين، حيث كان نازلاً فيه.

هنا السيد محسن الأمين لم يُزعجه حضور الشيخ الزنجاني ولا احتشاد الناس والعلماء والأعيان من حوله، بل اعتبر هذا منّة من الله تعالى، أن قيّض عالماً بهذا الحجم، ويأتي إلى سوريا ويخطب في (الجامع الاموي) الذي لم يرتقِ أعواده أيّ خطيبٍ شيعي من بعد الإمام زين العابدين (ع) عندما جاؤوا به أسيراً إلى الشام، بعد واقعة كربلاء، لكن الفارق أنّ السياسة الأموية قطعت كلام الإمام زين العابدين، ولم يصعد المنبر منذ ذلك التاريخ أي خطيب شيعي، واليوم يمكن أن يُسجّل بمداد النور والفخر على صفحات التاريخ لزعيم الشيعة الإمامية المرجع الديني الشيخ عبد الكريم الزنجاني، أنه الشيعي الوحيد الذي ارتقى هذا المنبر في الجامع الأموي وتاريخ دمشق...

وهنا يمكن الوقوف عند هذه الحادثة:

أولاً: أهمية هذا العالم الجليل الشيخ عبد الكريم الزنجاني، وأنّ موقعه العلمي والفلسفي لم يبقَ داخل حدود النجف الأشرف، مدرّساً ومنظّراً، بل كان شجاعاً ومقداماً، يمتلك إمكانياتٍ هائلة، تفرض على الصديق والعدو والخصم الإستماع إليه، وبالتالي يفرض على الآخرين لغة الحوار والتعايش.

ومهما حاول أعداء الإسلام والمسلمين من نبذ الوحدة وزرع الفتنة، يبقى صوتُه ومنهجه وإبداعاته وقدرته على التأثير أقوى منهم.

الامر الثاني: يُسجل لعلماء دمشق ولفعالياتها الفكرية الإنسجام مع الروح الإسلامية وأنها حاضرة للإستماع وتبادل الأفكار، عندما تجد الطرف الآخر على مستوى المسؤولية، وقد تصالح مع نفسه وخرج من ذلّ العصبية المقيتة، والشيخ الزنجاني كان خير من استطاع أن يقود هذا الحوار، ويطرح الأفكار التي تنسجم مع الروح الإسلامية والوطنية.

الأمر الثالث: يعودُ الفضل في ذلك، إلى ذلك القائد المؤسّس لهذه الروحية في دمشق، وهو العلامة السيد محسن الأمين، الذي ترك أفضل الأثر الطيب في نفوس هؤلاء، من خلال ما زرعه فيهم من روح المحبّة والوحدة والتعايش ونكران الذات، وهذا الزرع للسيد الأمين ظهر بصورته الجلية مرتين: الأولى عند خطاب الشيخ الزنجاني وتفاعل العلماء والأعيان والناس

معه.

والثاني: عند تشييع السيد الأمين والصلاة عليه في الجامع الأموي وخروج دمشق حكومةً وعلماء وأعيان وجماهير لتشييع هذا السيد الجليل الراحل.

مقتطف من كتاب المنهجُ العلمي والإصلاحي في فكر العلامة المُجتهد السيّد مُحسن الأمين" (طاب ثراه)، الجزء الأول، تصنيف العلامة الشيخ حسن البغدادي العاملي

اخبار مرتبطة