جمعية الإمام الصادق Q

لإحياء التراث العلمائي

الاصلاح والتجديد

في فكر العلامتين

مغنية والعلايلي

ABES25.jpg

الكتاب:

الاصلاح والتجديد في فكر العلامتين مغنية والعلايلي

إصدار:

جمعية الإمام الصادق Q لإحياء التراث العلمائي

تاريخ الإصدار:

2016م - 1437 هـ

الاصلاح والتجديد

في فكر العلامتين

مغنية والعلايلي

w alayli 2.psd

جمعية الإمام الصادق Q

لإحياء التراث العلمائي

2016م - 1437 هـ

الفهرس

المقدمة

.. لعله من دواعي التوفيق الإطلالة على عمالقة في العلم والمعرفة، أمثال: العلامة الكبير الشيخ محمد جواد مغنية والعالم الفاضل اللغوي الشيخ عبد الله العلايلي، والخوض في غمار ما أنتجه هذان العالمان، وما تركاه في العلوم المختلفة من الفقه والتاريخ واللغة..

ولعل أبرز ما لفتني في هاتين الشخصيتين: قدرتهما على مخاطبة جيليهما والأجيال الصاعدة بأسلوب عصري وجذاب، وخصوصاً في ظلّ غياب وسائل إعلامية تُعنى بالشأن الديني والثقافي في تلك المرحلة، فقد كان الكتاب الوسيلة الوحيدة لنقل الحقائق العلمية والأفكار المفيدة، وهذا التطور بالأسلوب كان منسجماً مع روح النص وجوهر المسائل العلمية.

والشيء الآخر، القواسم المشتركة التي اجتمعت في هاتين الشخصيتين في مختلف الميادين، من الأسلوب العصري إلى نمط التفكير ومعالجة المسائل الشائكة، وصولاً إلى السلوك الشخصي، وما هو مرتبط بالتأثر النفسي بالغضب والرضا، وإعلان الغضب على الواقع المرير، سواء ما هو مرتبط بالتربية والتعليم والطريقة المتخلّفة المتبعة لدى المربين في تلك المراحل، حتى كان الأهل يأتون بالطفل إلى المعلم ويقولون له: لك اللحم ولنا العظم، وهناك يبدأ التفنن بتعذيب هذا الطفل من قبل هذا المعلم المتوحش والمعقّد نفسيا. أو الغضب على المسائل المرتبطة بسياسة الغرب الداعمة بالمطلق للإحتلال الإسرائيلي وعدم احترامهم مشاعر المسلمين، وبالخصوص ماهو متعلق بنهب ثرواتهم، من خلال الحكومات العميلة التي زُرعت في بلاد المسلمين لتضليل الشعوب وكي يكونوا ساتراً للجرائم التي يقوم بها الإستعمار. ومع الأسف، فإنّ قدرة اختباء هذه الأنظمة خلف الإسلام والمذهبية يجعلها أكثر تأثيراً وحضوراً من الإحتلال المباشر الذي يُشكل وجودُه توحيداً للجهود ولوحدة الكلمة ضده، على عكس الأنظمة الرخيصة التي تستخدم الطائفية عندما تشعر بالقلق على وجودها أو حتى عند الإعتراض على سياستها، وهنا نجد العلامتين مغنية والعلايلي يتحدثان بوضوح وبقلق بالغ عما يجري في المنطقة، كما لا يترددان بتحميل الشعوب والمظلومين مسؤولية هذا الظلم الذي يقع عليهم، فهم سكتوا ولم يردعوا الظالم ولهذا يقول الشيخ مغنية: «إنّ المظلوم شريك الظالم عندما يسكت ويخاف» وقال أيضاً (رض): «أقول الحق وأفعله».

هذا الموقف من الشيخ مغنية يُعبّر عن مصداقية العالم الملتزم، فالتطابق بين الأقوال والأفعال ميزة علماء الدين، فهم يحرصون أن لا يقولوا نصيحة للناس قبل أن يطبقوها على أنفسهم، ويضعون نصب أعينهم قوله تعالى:
ﭽﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﭼ[1].

وهنا لا بد من أن ألفت نظر الأعزاء إلى بعض حيثيات هاتين الشخصيتين من خلال التعرف على شيء من سيرتيهما الشخصية:

بدايةً مع الشيخ محمد جواد مغنية

ولد الشيخ مغنية سنة 1904م، قبل الحرب العالمية الأولى بعشر سنوات، في قرية (طيردبا) من جبل عامل، وهي من القرى المتنورة القريبة من مدينة (صور) والتي خرج منها عشرات العلماء الكبار المعروفين ومجاهدون وأدباء وفعاليات مختلفة.

عائلة مغنية: من العائلات العلمية القديمة في جبل عامل، ولها أيادي بيضاء ومساهمات جليلة في الحياة العلمية سواء ما هو متعلق بالنهضة العلمية الأولى التي أسّسها الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي الجزيني الذي استشهد في دمشق على أيدي المماليك سنة 786هـ، أو المشاركة في إعادة الحياة العلمية الثانية إلى جبل عامل التي انطلقت بعد نهاية النكبة التي أصابت جبل عامل على أيدي العثمانيين من خلال واليهم المجرم أحمد باشا الجزار، حيث أنهى العثمانيين الحضور العلمي بالكامل طيلة ربع قرن من الزمن، قبل أن تعود من بوابة مدرسة (كوثرية السياد) التي أسّسها المقدس الشيخ حسن قبيسي {.

وينقل الشيخ محمد جواد عن معجم قرى جبل عامل للشيخ سليمان ظاهر والذي قمنا بطباعته في سنة 2006م أنّ (آل مغنية) أصلهم من (الجزائر)، وقد هاجر الجد الأعلى إلى جبل عامل في القرن السادس هجري الموافق للثاني عشر ميلادي.

ويُقال: أنّ آل مغنية يعودون إلى جدة العائلة، التي كانت ثرية وغنية أغنت ورثتها، وهذا معروف عند الأسرة.

ويُعلق الشيخ مغنية على نسب العائلة فيقول: «فمن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه»، وقيل لأفلاطون إلى من تنتسب؟ فقال: «إليّ يُنسب الرجال».

والده هو الشيخ محمود مغنية، ولد سنة 1289هـ وتوفي سنة 1334هـ عن ثلاث وأربعين سنة، وكان عالماً فاضلاً وأديباً كريم الأخلاق حسن السجايا، هذا ما قاله عنه السيد الأمين في الأعيان ج 14 ص 445، وقال عنه د. علي الخاقاني: «الشيخ محمود مغنية، يسمعنا بشعره صوتاً من عالمٍ أسمى وبعيد برائع بلاغته وعذوبة تبيانه عصر أبي تمام والبحتري».

والدته من السادة آل شرف الدين، توفيت وللشيخ مغنية من العمر أربع سنوات، وتوفي والده وله من العمر عشر سنوات.

قُدِّر للشيخ مغنية أن يعيش يتيم الأبوين في أصعب الظروف، بداية الحرب العالمية الأولى والتي كابد فيها المجتمع الأمرّين، فانتقل الشيخ محمد جواد مغنية مع أخيه الأصغر الشيخ أحمد إلى منزل أخيهم الأكبر الشيخ عبد الكريم المتولِّد سنة 1311هـ والمتوفّى في جبل عامل سنة 1354هـ بعد عودته من النجف بسنتين وهو من كبار العلماء.

ترك الشيخ عبد الكريم جبل عامل وذهب إلى النجف الأشرف بعد سنتين من وفاة والده، وترك أخويه الشيخ محمد جواد وأحمد بلا مأوى.

وأنا لا أعرف ما الذي دفع الشيخ عبد الكريم أن يترك أخويه بالشارع لا وليّ لهما ولا مأوى، فعاشا المرارة التي لامست الجوع الحقيقي، ويقول الشيخ مغنية: «بقيت ثلاثة أيام لم أذق فيها شيئاً».

ويقف الشيخ مغنية حول تلك المحطة القاسية من حياته والتي حولته إلى ما يشبه (المتسوّل) في شوارع بيروت، فكان يبيع الحلوى والكعك والعلكة، مضافاً أنه عاش الآثار الإجتماعية المدمرة للحرب العالمية الأولى سنة 1914م.

كل هذا، لم يجعل الشيخ مغنية مستسلماً لهذا القدر، فالإرث العلمي والعقلي وتحمّل المسؤولية جعله يفكر بالخروج سريعاً من هذا الواقع المدمر والمرير، وراح يفكر جدياً بالذهاب نحو النجف الأشرف حيث الحوزة العلمية والمرقد الطاهر لأمير المؤمنين  Q، وهذا ما جعل عزيمته أقوى وإرادته أشدّ.

يتحدث الشيخ محمد جواد مغنية عن رحلته إلى النجف الأشرف سنة 1925م وعن مجازفته ومعاناته حيث لا مال ولا جواز سفر، وما لاقاه من مشقة يستحيل على شاب بهذا السن لا معين له إلّا الله أن يغادر وطنه، لكن الإرادة والعزيمة والإيمان أزاحت من طريقه كل الصِّعاب وتمثّل بقول الشاعر:

لأستسهلنّ الصعب أو أدرك المنى

فما انقادت الآمال إلّا لصابر

وعلى قاعدة إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وصل الشيخ مغنية إلى النجف الأشرف، فنزل في دار أخيه الشيخ عبد الكريم وشرع في الدرس عليه وعلى العلامة المقدس محمد سعيد فضل الله، الذي كان أستاذ الفقه والأصول، إلّا أنه احتضن الشيخ محمد جواد ودرّسه المقدمات ووجّهه، ولا ينسى الشيخ مغنية فضله عليه وكيف خصّه بعنايته.

طريقة الدرس والمطالعة عند الشيخ مغنية كانت تختلف عن كثير من الطلاب، حيث كان يرى ضرورة التدوين وعدم الإستعجال بكثرة الدروس، كان همّه فهم المطالب العلمية ولهذا كان يأخذ باليوم درساً واحداً، ويطالع إلى جنبه الكثير من الكتب كما يقول: «طالعت الآلاف من الكتب والمجلات والصحف»، فقرأ تاريخ إبن الأثير، والمسعودي، والأغاني، وإحياء العلوم للغزالي، وكتب طه حسين، والعقاد، وكتب جبران خليل جبران، وكتب ملوك العرب للريحاني، وأشعار المهاجرين اللبنانيين كأبي ماضي والقروي وفرحات، كما قرأ حاضر العالم الإسلامي لشكيب إرسلان، وعصر المأمون ومقدمة إبن خلدون، ومجلة العرفان و...

لم يُبدّل الشيخ مغنية من نمط حياته وسلوكه في كل المراحل التي مرّ بها عندما كان طالباً وأصبح أستاذاً، وعندما عاد إلى جبل عامل، أو عندما سكن قم المقدسة، في كلّ أحواله كان له طريقة خاصة من الزهد والتقوى وقلة الإختلاط والإنصراف الكامل للدرس والتصنيف، ولم يتوقف قلمه عن الكتابة حتى توقف قلبه عن الحياة.

كان إذا جاءه أحد من أصدقائه، لا يتردّد في إعطائه ثمن الشاي ليشربه بالمقهى، أو أجرة الفندق، فهو لا وقت لديه للجلوس طويلاً ولا للمسامرة، فالتصنيف أحب على قلبه من أي شيء آخر.

قبل التعرض لآثاره العلمية ومنهجيته الفقهية، لا بُدّ من التعرض إلى أمرين أساسيين اهتم بهما كثيراً الشيخ مغنية وهما: الإصلاح والوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب.

أمّا الإصلاح فهو على أنواع: الإصلاح الديني والإصلاح السياسي والإجتماعي.

الإصلاح الديني: بالتأكيد ليس المقصود به إصلاح الدين، فهو رسالة سماوية جاء بها نبينا محمد P وهو لا ينطق عن الهوى، وأخذ الله تعالى على نفسه حفظ الرسالة السماوية وتحصينها من الإنحراف، وإنّما المقصود بالإصلاح الديني هو إصلاح المؤسسة الدينية ، فيشمل الأفراد، والأفكار والمناهج العلمية، أو إدخال أمور هي بحاجة إليها.

عاش الشيخ مغنية الحسّ الإصلاحي لحظة وصوله إلى النجف الأشرف، وكم كانت صدمته كبيرة عندما شاهد في الحوزة العلمية عمالقة في عالم العلم والمعرفة، ووجد جامعة كبيرة لكنها تعيش عقلية خاصة تقليدية تراثية، همّها المحافظة على تراثها القديم وعلى عاداتها السابقة على قاعدة (القديم على قدمه)، وفي نفس الوقت هي تعتز بقدراتها العلمية وبعلمائها الكبار، فلا تولي أهميةً للحوزات العلمية الأخرى ولا لأي جامعة في العالم. كما لا تقيم وزناً لأي شهادة علمية، وفي نفس الوقت ترفض السيطرة السياسية عليها من أي جهة كانت ودائماً تنشد الإستقلال وتفتخر به.

الشيخ مغنية احترم هذه الحوزة وكان يعتز بانتمائه لها وبأدمغة علمائها، إلا أنه رفض هذا الإنطواء وهذه الذهنية التي تميل للعزلة وللتمسك بالقديم، وكأنها من كوكب خاص، ولهذا كان يقول M: «لو كنت المرجع الأعلى في النجف الأشرف لأنشأت محطة تلفزيونية لها وإذاعة ودور نشر ولاستقدمت ذوي اختصاص بالتربية والتعليم، ولانفتحنا على العالم الإسلامي وتعرّفنا على أوضاع المسلمين ولتحدثنا إليهم...».

هذه الذهنية تجدها عند الكثير من علماء جبل عامل، فهذه الأدمغة العلمية إن لم تفكر بمشروع ثقافي وتربوي وإصلاحي سياسي واجتماعي، ماذا سيستفيد الناس منها؟

وفي نفس الوقت، كان يرى { ضرورة انفتاح الحوزات العلمية على الجامعات وإيجاد إطار للتعاون في مجالات شتى من الثقافة والتربية إلى بعض العلوم كالفلسفة وعلم الكلام و...، وإذا ما ذهبنا بعيداً في بناء مجتمعنا الإسلامي، دولة إسلامية، حركة سياسية مقاومة، فهذا لا يمكن أن ينهض من دون اجتماع عناصر ثلاثة: الحوزة العلمية والجامعة والبازار، وهذا الثالوث هو أساس أي تغيير أو نهضة سياسية واجتماعية.

كما عالج { تعاطي رجل الدين مع مجتمعه، فكان يرفض الحواجز المصطنعة بينهم وبين جمهورهم، واعترض على طريقة التبليغ الديني ومهمة رجل الدين، فرفض الحالة الإنطوائية والتقيّد بقضايا تجعل حواجز نفسية بينه وبين الناس، لهذا نجد كيف أنّ الشيخ مغنية قد التزم اتجاهاً خاصاً بمخاطبة الأجيال الصاعدة بأسلوب عصري وطريقة معاصرة، وهذا ما شاهدناه في كتبه ومقالاته التي عالجت الكثير من المشاكل التي تعني المجتمع الإسلامي، من الفقه إلى الفلسفة وعلم الكلام والتاريخ والعقائد إلى التفسير ونهج البلاغة والأدعية، كما عالج الكثير من الأفكار كدور العقل في التشريع ومواجهة العلمنة ومعالجة التصوّف.

كما تصدّى (رض) للمسؤولية الملقاة على عاتق رجل الدين، فكان يكره أن يرى رجل الدين مجرّد زيّ وطقوس لا يغني ولا يسمن من جوع. وهناك المثل المعروف في أيام احتلال البريطانيين للعراق: كان أحد ضباطهم يشاهد جماعة كبيرة تقام بإمامة أحد العلماء، فخاف منها وسأل: «ماذا يفعل هؤلاء؟ فقالوا له: هؤلاء يُصلون جماعة ويذهبون إلى بيوتهم ولا يحرّكون ساكناً، فردّ الضابط عليهم (خليهم يصلوا تيشبعوا)».

وفي سنة 1962م، حكم القضاء في المملكة السعودية على أحد الشباب الفضلاء بالسجن ستة أشهر قابلة للزيادة، مع جلد ثمانين جلدة وإحراق كتابه أمام عينيه وتأليف كتاب مناقض له، وكتابه كان (إيمان أبو طالب) والد الإمام علي Q من 440 صفحة، يثبت بالأدلة عدم شرك أبي طالب على الإطلاق.

هنا تصدّى الشيخ محمد جواد مغنية مع ثلّة من العلماء لتحمّل هذه المسؤولية ومواجهة هذا الحكم القضائي الظالم، ولم يهملوا بحجة أنها بعيدة عنهم ولا تعنيهم، فاجتمع مضافاً للشيخ مغنية، الإمام السيد موسى الصدر والشيخ رضا فرحات والسيد هاشم معروف الحسني والشيخ عبد الكريم شمس الدين وآخرون. وبعد التداول قرروا إرسال برقية مستعجلة إلى الملك السعودي عبر السفارة في بيروت، ومما جاء فيها: حضرة صاحب الجلالة الملك السعودي المعظم.. إنّ علماء جبل عامل يرغبون إلى جلالتكم أن تنظروا بعين العناية والإهتمام لقضية الشاب الفاضل الشيخ فلان...، الذي اعتقل من أجل كتاب (أبو طالب)، في حين أنّه لم يتعرّض لشيء يمسّ نظام الحكم في البلاد ولا لأية جهة سياسية، أمّا مجرّد إبداء رأيه بإسلام أبي طالب عمّ الرسول الأعظم P فلا يستوجب المآخذة ولا العقاب، لذلك نناشدكم باسم العدالة الإنسانية إطلاق سراحه وتفضّلوا بقبول الإحترام).

أما الإصلاح السياسي عند الشيخ محمد جواد مغنية، فقد كان من الأصوات القليلة التي تحمّلت مسؤولية عامة، فعمل على مواجهة الفساد السياسي والإعلامي والفكري والإجتماعي وأيضاً الفساد القضائي المهترئ والذي لا زال.

الإصلاح السياسي عند الشيخ مغنية له علاقة بطبيعة فهم الشيخ { للإستعمار وطموحه في المنطقة، ولمواجهته للإسلام باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على وضع حدّ لغطرسته وطموحه وانحرافه، مضافاً لدراسة نقاط الضعف التي تشكل مدخلاً لأطماع العدو مثل :الطائفية البغيضة والحكام الظلمة والجهل وعدم وجود المؤسسات الرافعة. لقد فهم الشيخ مغنية أطماع الإحتلالات المختلفة، وهو الذي شاهد الآثار المدمرة للحرب العالمية وتداعيات نهاية الحكم العثماني والاحتلالين الفرنسي والاسرائيلي.

في مواجهة الفاسد السياسي يقول: «إنّ الثورة على الخائن والظالم فرض وإلا عمّ الفساد في الأرض، وأنّ جريمة المظلوم للقادر على دفع الظلم عن نفسه، لا تقل عن جريمة الظالم من حيث أنّ كُلاً منهما يمهّد لإشاعة الظلم والفساد».

وهنا نجد الشيخ مغنية، كما يحمّل المسؤولية للظالم سواء كان محتلاً أو محلّياً أو في أي منحى كان، فإنّ المظلوم القادر على وضع حدّ له إن لم يفعل فهو شريك للظالم وهو جزء من هذا الظلم، وبهذا يحرّض الشيخ مغنية المجتمع على رفض الظلم وعدم الإنصياع، وعلى المجتمع أن يدرك المخاطر الكبرى التي سيخلّفها هذا الإستعمار مع عملائه الصغار.

ويتحدث الشيخ مغنية عن وضع الناس في العهدين التركي والفرنسي، فيقول: «كان الناس أشبه بأنّ الرعيّة كانت في ذمة الراعي، فإذا كان الراعي للقطيع هو الذئب فكيف سيكون حالُها، وأنّ سبب معاداة الإستعمار للإسلام هو نتيجة تمسّك المسلمين بحقوقهم ومواجهة الظلم والفساد، فالإسلام دعا إلى الحرية والدفاع عنها حتى الإستشهاد. فقال: «لا تكن عبدَ غيرك وقد ولدتك أمك حراً»

كما اعتبر الشيخ مغنية أنّ الحكام الفاسدين غالباً ما يتستّروا خلف الطائفية البغيضة، في الوقت الذي لم يرفض الشيخ مغنية التنّوع المذهبي بل اعتبرها قوةً للمسلمين، معتبراً أنّ التعصب الأعمى هو القاتل لهذا التنوع الذي يحاول المصطادون بالماء العكر من أصحاب النفوس الضعيفة والخبيثة الإستفادة من هذه العصبية، إذ ستشكّل غطاءً لكل كيدهم ونفاقهم. ومن لطائف هذا الموضوع أنّ الذين يتحدثون بالطائفية من الحكام لا يعرفون الصلاة ولا الصوم وآخر اهتماماتهم هو الإسلام. ثم يقول الشيخ مغنية: «إنّ الفساد الإداري والمالي والسياسي والأخلاقي والإجتماعي هو أساس التترّس خلف الطائفية».

و لعلّ قوة الشيخ مغنية وامتلاكه جرأة المواجهة هو زهده وعدم طموحه عمّا في أيديهم، فلهذا كانت لهجته قاسية ولم يخش أحداًغير الله تعالى.

أما موقفه من السياسة الأمريكية، فقد وصفها بأنها أطغى دولة في الكرة الأرضية وأكثرها فساداً واعتداءً، وما من خائنٍ لأمته ووطنه إلا و يجد في أحضانها مقاماً كريماً وعرينا أميناً.

ويقول : «في سنة 1953 م زارني في المنزل في بيروت القائم بأعمال سفارة أمريكا ودعاني باسم السفير إلى لقاء على ظهر حاملات الطائرات الأمريكية الراسية في مياه بيروت، فطردته ورفضت طلبه، وقال لي مدير عام في الدولة آنذاك: سوف تدفع الثمن غالياً، فأجبته أعرف ذلك جيداً».

أمّا موقفه من إسرائيل ومن القضية الفلسطينية، يقول: «لقد عمد هذا الإستعمار إلى زرع إسرائيل وسط الأمة العربية، فاختار فلسطين بحكم موقعها الإستراتيجي الهام بين الدول العربية الأسيوية والدول العربية الأفريقية، ليأمن بذلك تباعد العرب وعدم إمكانية توحيد طاقاتهم وجمع صفوفهم، وراحت إسرائيل تمارس دورها العدائي وبمؤازرة القوى الإستعمارية فلم تتوقف أطماعها عند فلسطين، أو كضم أجزاء من مصر وسوريا ولبنان والأردن إلى مشروع إذلالي لجميع العرب، والعمل على تحقيق مشروعها الأطماعي، سواء في إطار مشروع النفط أو الإستيلاء على السوق العربية الإستهلاكية».

لهذا كانت القضية الفلسطينية في ضمير وعقل وقلب الشيخ مغنية، فكان يدافع عنها بكل قوة، حتى أنه انتقد أحد رجال الدين عندما انتقد العمل الفدائي قائلاً له:

«الفدائيون مخرّبون، أما أنت يا محترم (إسرائيل مصلحون)، ولماذا الفدائيون مخرّبون ومنهم متمسّكون بحقهم وفي سبيله يَقتلون ويُقتلون، وهل أنت في قولك هذا تكون مطيعاً لله ورسوله ومجاهداً تؤدي واجباً دينياً ووطنياً، وإسرائيل تقصف قرانا وشعبنا وتعمل على تفريغ المنطقة من العرب كما جاء في مؤتمر بال في سويسرا، حيث قرر الصهاينة في القرن التاسع عشر طرد العرب من فلسطين و إحلال اليهود محلّهم، وما قولك في مذبحة (دير ياسين) والمذابح التي قام بها اليهود ضدّ المدنيين من السكان».

من خلال هذا الرد الواضح على رجل الدين هذا، يكشف عن مدى وجود القضية الفلسطينية في قلب وعقل الشيخ مغنية واعتقاده وإيمانه بالعمل المسلّح وأنّه وحده القادر على وضع حدّ لكل هذا الطغيان والأطماع.

الأمر الثاني الذي عالجه الشيخ مغنية واهتم به كثيراً، الوحدة الإسلامية بين المسلمين، والتقريب بين المذاهب الإسلامية.

لم يطرح الشيخ مغنية مشروع الوحدة والتقريب على أساس المجاملات، وإنما ضمن منهجية علمية يصبح معها تعدّد المذاهب هو مشروع حلّ لمشاكل المسلمين، والإبتعاد عنها وخصوصاً عن مبادئها سوف يُنتج التكفير والكراهية ويسود المجتمعات الجهل ويتحكم برقابهم المشايخ الذين لا علم لهم ولا دين وهم مرتبطون بالأنظمة بشكل رخيص، وهذا حتماً لا يصبّ في صالح المسلمين.

هنا أيضاً نجد أن الشيخ مغنية والسيد جمال الدين الأفغاني وغيرهما من رجالات الإصلاح، لا يترددون في إرجاع الخلاف في أكثر الأحيان بين المذاهب أو بين المسلمين إلى افتعالٍ من رجال السياسة ومن التجار في بعض الأحيان. وهناك قصة يرويها السيد جمال الدين الأفغاني في كتابه (تتمة البيان في تاريخ الأفغان) يقول: يوجد في بلاد الأفغان قبيلة تدعى التركمان يعيشون من السلب والنهب، فيغيرون على بلاد إيران، يأسرون الرجال والنساء ويبيعونهم باسم العبيد والإماء وأنّ أسراهم هؤلاء من (الشيعة)، وكانوا كثيراً ما يأسرون من (السنة) ويجبروهم أن يعترفوا تحت الضرب أن يعترفوا أمام الناس بأنهم من الشيعة، كي يشتريهم أتقياء (بخارى)، واتفق أن أسروا في بعض الأيام عالماً سنياً فكبلوه بالسلاسل، ولكن كان إذا جاء وقت الصلاة يفكّون القيد من يديه ليصلي بهم جماعة، وعندما اعترض عليهم هذا العالم كيف تبيعوني وأنا عالم سني، فردوا عليه: أنت لست بأشرف من القرآن الكريم، فكما يجوز هبته، أنت أيضاً تجوز هبتك أما البيع فحاشا لله.

أما منهجيته الفقهية، فالشيخ مغنية يعتبر أن الإجتهاد يجب أن يأخذ بالإعتبار مصلحة الناس وتطور المجتمع، وهذا نلاحظه من خلال تعاطي المولى عز وجل مع المجتمع في مرحلة التشريع.

فلا يحق لأي إنسان أن يُشَرِّع قوانيناً وأحكاماً، ففي الأمور العبادية الله تعالى وحده الذي شرعها، ولا يحق لأحد مهما بلغْ من التدخل والتعديل أو التشريع في قبالها على الإطلاق، أما ما يخص المعاملات من بيع وإجازة وغيرهما، فما هو صحيح عند العرف صحيح عند الشرع، ما لم يخالف المبادئ العامة، فلا يحرم حلالاً ولا يحلّل حراماً. فقال المولى (الناس مسلطون على أموالهم)، لكن منعهم من الإحتكار لأنه يضر بمصلحة المسلمين، وحرّم إجارة المنزل للدعارة، لأنها محرمة لذاتها. إذاً، كل معاملة عند العرف صحيحة هي أيضاً صحيحة في الإسلام ما لم تتنافى مع المبادئ العامة من تحريم الحلال وتحليل الحرام.

إذاً، الفقه يقوم على أساس تطور المجتمع ومصلحة الناس، وأنّ الأنظمة الإقتصادية التي وضعت في صدر الإسلام لا يمكن اعتمادها اليوم بعد اكتشاف النفط وحدوث هذا التطور الهائل في البُنية الإجتماعية، ولو بقي نفس النظام لشكل حالة عدم انسجام بين الحكم الموضوع.

ويقول الشيخ النائيني في هذا الموضوع، المعاملات ثابتة عند عامة الناس قبل الشرع والشريعة، وعليها يدور نظامهم ومعاشهم، والشارع قد أمضاها كمثل: أحل الله البيع، وأوفوا بالعقود، فالملكية المنشأة بالبيع والزوجية المنشأة بالنكاح، والتسامح المنشأ بالصلح، هذه ليست من مخترعات الشرع، فهي متداولة عند الناس وعند من لم يلتزم بشرع ولا شريعة.

آثاره العلمية:

لقد ترك لنا الشيخ مغنية أكثر من ستين عنواناً، فكتب وصنّف:

1. في الفقه، ليس بالفقه الجعفري فقط وإنما كتب بالفقه المقارن أيضاً.

2. في التفسير، وكتابه الذي اشتهر (الكاشف في تفسير القرآن من سبع مجلّدات، وهذا التفسير خالٍ من التعقيد اللفظي وشامل للحيثيات المختلفة المشمولة بهذه الألفاظ الكريمة).

3. في العقائد، فكتب في الإمامة وعن الإمام علي Q.

4. في الفلسفة بأسلوب عصري غير معقّد.

5. في الأصول (كتابه علم أصول الفقه في ثوبه الجديد).

6. في علم الكلام.

7. في نهج البلاغة، حيث شرح نهج البلاغة في أربع مجلّدات.

8. في المجالس الحسينية.

9. شرح حول الصحيفة السجادية، وغيرها من الكتب الكثيرة والمتفرّقة يعالج فيها مواضيع مختلفة كالوهابية والعلمانية إلخ..

ولعلّ ميزة الشيخ مغنية في التصنيف والمقالات أو الخطاب المباشر، هو أنّه خالٍ من التعقيدات اللفظية، ومنسجم مع المرحلة التي يعيشها الناس وبالتالي هو إبن مرحلته، ولهذا وجد تجاوباً كبيراً من جيل الشباب في سبعينات القرن الماضي.

عاد إلى جبل عامل سنة 1936م، كي يكون إماماً لقرية (معركة) مكان أخيه المرحوم الشيخ عبد الكريم، لكن شاءت الألطاف الإلهية أن لا يغرق الشيخ محمد جواد مغنية في العمل التبليغي التقليدي، وإن كان من وجهة نظري لا يصلح الشيخ محمد جواد لمهمة إمامة البلدة، فطبعه وطريقة تعاطيه ونمط تفكيره لا يسمح له بالتعايش مع الناس بكل تفاصيل حياتهم، ولهذا نرى أنّ الشيخ مغنية لم ينجح بشكل كامل سوى بالتصنيف والتأليف، والإعتراضات على المنهجيات الخاصة سواء ما هو متعلق بالإصلاح الديني أو السياسي أو الإجتماعي.

أما المهام الأخرى التي مارسها في حياته، فكانت مرهقة له ولم ينسجم معها، فهو تصدى لكل الأمور والمهام وكان حريصاً على نجاحها، لكن المشكلة في طبعه وطريقة تعاطيه، ولهذا على صعيد التنظير وتقديم الأفكار، لا نقاش في قدرته وتمكّنه منها.

من هنا، نحن مدينون لأمثال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية، وله في أعناقنا دين، أقله أن نستفيد من أفكاره ونحيي تجاربه ونتذكره ونترحّم عليه.

وفاته:

في 11 كانون الأول من سنة 1979م الموافق لـ 22 محرم من سنة 1400هـ، إنطلق موكب التشييع المهيب من مطار بيروت إلى العراق ورافق النعش كبار علماء الطائفة الشيعية في لبنان، وبعد أن توقّف الموكب لزيارة الإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجوادQ إنطلق إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء الحسينQ، وكان الشيخ مغنية قبل وفاته بعشرة أيام يتمنى زيارة الإمام الحسين Q.

وفي اليوم التالي12 كانون الأول من سنة 1979م، عطّلت الحوزة العلمية دروسها وأقفلت النجف الأشرف حداداً واستعداداً للتشييع، وبالفعل سُجّي الجثمان الطاهر في المسجد وخلفه العلماء والطلبة، وانطلق موكب التشييع عند العاشرة صباحاً إلى مقام الإمام علي Q حيث تقدّم المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي وخلفه العلماء للصلاة عليه ثم دفن في إحدى الغرف في صحن الدار عند الإمام أمير المؤمنين علي Q، وفي الليلة الأولى بعد الدفن أقام السيد أبو القاسم الخوئي مجلس فاتحة للمغفور له وتوالت مجالس العزاء والفاتحة في العراق ولبنان.

وفي لبنان أقام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مهرجاناً تكريمياً في ذكرى الأربعين وذلك في 21/1/1980م في قصر الأونيسكو، حضر الإحتفال علماء الدين وممثل رئيس الجمهورية الوزير علي الخليل وعدد من الوزراء إضافة إلى حشد كبير من أصحاب الفكر والصحافة. تحدث في المهرجان مفتي الجمهورية المرحوم سماحة الشيخ حسن خالد، كما تحدث رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور بطرس ديب، كما تحدث نقيب الصحافة الأستاذ رياض طه، و ألقى الدكتور حسن عواضة كلمة أصدقاء الفقيه، كما تحدث الدكتور عمر فروخ عن دار الملايين وكلمة الختام كانت لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين. بطبيعة الحال أثنت الكلمات على فكر الشيخ مغنية وعلى مواقفه وصلابته.

أما العلامة الشيخ عبد الله العلايلي:

فهو من العلماء الذين كان لهم دورهم وحضورهم في القرن العشرين، وميزة هذا الدور أنه لم ينته برحيله كما حدث مع كثير من العلماء والمفكرين ورجالات الإصلاح، الذين انحصر دورهم بحياتهم، بينما هناك القلة من العلماء والمفكرين أضافوا على ما خلّفة الآخرون من آثار في في مختلف الفنون الكثير من العناوين والأفكار والرؤى، وكانوا أكثر إشعاعاً وحضوراً وفائدة، ولعلهم هم حجر الزاوية الذي يقوم عليه البناء ويستمر.

من هذه القلة الشيخ عبد الله العلايلي الذي لم يسمح لنفسه أن يكون على هامش الحياة، كما لم يؤمن كالعلامة مغنية بالتغيير الجزئي، بل كان يدعو للإصلاح الجذري والعام، ونلاحظ من خلال العناوين التي طرحها العلايلي كيف عالجها بشكل جذري وتفصيلي، وكيف كان يدخل إلى عمق المسائل سواء ما هو متعلق (باللغة) أو بالفهم التاريخي، ولم يكن مجاملاً بل كان واقعياً يُعالج الأمور بشفافية ومهنية وعقلانية، متمسكاً بأمرين: العقل ومصلحة الناس.

ولعلّ الذي ساهم في صقل شخصية العلايلي هو تأثره بشخصيات ضليعة باللغة العربية كانوا من رجالات النهضة بالقرن التاسع عشر ميلادي، منهم: الشيخ ناصيف اليازجي المتوفى سنة 1871م، والشيخ يوسف الأسير المتوفى سنة 1889م، وآخرين كان لهم باع في اللغة وكتابة السّير الذاتية والتحقيق اللغوي ووصف البلدان وأخبارها، وبعضهم كان له باع في الأدب وعلم الإجتماع، وجاء بعد هذا الجيل جيل آخر أمثال: جبران خليل جبران المتوفى سنة 1931م وأمين الريحاني المتوفى سنة 1940م.

أصل عائلة العلايلي كما يقول هو M: الأصل هي عائلة تركية وفدت إلى مصر، والعائلة يعود نسبها إلى الإمام علي بن أبي طالب Q، كما يذكر أن جدته العليا هي من أشراف حلب ومن (آل السراج)، أما وجود العائلة في لبنان فيعود إلى القرن الحادي عشر هجري الموافق للسابع عشر ميلادي، لأغراض تجارية.

ولد الشيخ عبد الله العلايلي في بيروت سنة 1914م، وهي السنة التي نشبت فيها الحرب العالمية الأولى، ولعلّ أكثر ما لفت نظر العلايلي في تلك الفترة من أيام طفولته، وصقل شخصيته وجعل منه رجلاً مصلحاً ومنصفاً، أمران:

الأول: المعاناة الإنسانية التي نتجت عن الحرب العالمية، فكان الفقر والجوع والأمراض بشكل لا يتحمله عقل، فنمت عنده حسّ المسؤولية والعطف والروح الإنسانية.

الثاني: التعليم الهمجي، والذي كان فيه الأساتذة أشبه ما يكون بالذئب إذا شدّ في قطيع من غنم، فكان التعليم يفتقر إلى الحس الإنساني والتربوي، والأهل بطيبتهم لم يكونوا يعترضون على تصرف هذا المعلم، ويتركون هذا المربي الهمجي يتصرف مع هؤلاء الأطفال بطريقة وحشية لا نظير لها.

درس الشيخ العلايلي في القاهرة من سنة 1924م إلى سنة 1940م، وهناك تبلورت شخصيته العلمية والفكرية والأدبية والسياسية، وكان أحد طلاب الأزهر الشريف، كما كانت له مشاركات في الحياة السياسية، فقد برزت في تلك الفترة ثلاث تيارات: النزعة الإسلامية، النزعة المصرية الفرعونية، والرابطة العربية.

شارك الشيخ العلايلي في إصلاح الأزهر الشريف الذي يُعدّ أحد أبرز المؤسسات الإسلامية المتصدية لشؤون المسلمين، على أثر انعقاد مؤتمره العام في القاهرة سنة 1936م، حيث بحث المؤتمرون أوضاع المسلمين بعد الحرب العالمية الأولى، وكان الأزهر الشريف مركزاً أساسياً.

وفي سنة 1940م، عاد الشيخ العلايلي إلى بيروت، ومنها بدأ رحلته في التصنيف والإصلاح والوحدة بين المذاهب.

اهتم الشيخ العلايلي بعناوين أساسية كتصنيفه في (اللغة) حتى عُدّ أحد أهم مراجع اللغة في الفقه الذي اعتبر فيه مجدداً، وله آراء مستحدثة، وقابلة للنقاش، كما في قضية (المعاملات البنكية)، فكان M يرى البنك وسيطاً بين المتعاملين، وبالتالي المعاملة ليست ربوية، كما كان له آراء متقدمة في الزواج والأحوال الشخصية. كذلك في التاريخ الذي برز فيه واعتبر مجدداً، حيث كان في كتاباته منطقياً في فهم الحيثيات التاريخية، وكانت منطلقاته من الحسّ الإنساني والعدالة.

عاش العلايلي حياته وهمّه الإصلاح والوحدة بين المسلمين، محفزاً وداعياً ومعترضاً.

فكانت هناك قواسم مشتركة كثيرة تجمعه مع الشيخ محمد جواد مغنية في الحس الإنساني، والإنصاف وفهم النص والتجديد ودور العقل إلخ.

ومن أبرز مصنفاته:

1. أشعة من حياة الحسن.

2. الإمام الحسين.

3. إني أتهم: (الجزء الأول): من المسؤول.

4. أين أتهم: (الجزء الثاني): الحياة تصور وإرادة.

5. أين الخطأ.

6. تاريخ الحسين.

7. أيام الحسين.

8. دستور العرب القومي.

9. العرب في المفترق الخطر.

10. خديجة مثلهن الأعلى.

11. المرجع.

12. المعجم.

13. المعري ذلك المجهول.

14. مقدمة لدرس لغة العرب.

15. من أجل لبنان.

هذا ناهيك عن مئات الأبحاث التي نُشرت في عشرات المجلات والصحف والمقدمات التي كتبها للعديد من الكتب.

كانت وفاته في بيروت عند المغيب من يوم الأحد 3 كانون الأول من سنة 1996م الموافق لـ 23 رجب سنة 1417هـ.

وكما هو معلوم ومتعارف عليه، قد يُبدع الإنسان في علم واحد أو أكثر، ويُقدّم نظريات متطورة تؤسّس لمسار علمي تظهر نتائجه لاحقاً، لكن أن يُبدع في كثير من العلوم والفنون وينجح فيها جميعاً، ويؤسّس لمسارات مختلفة يمكن البناء عليها فهذا غاية في التقدم والنمو الفكري كما هو عليه الشيخ مغنية والشيخ العلايلي، مضافاً إلى المنهج الفكري والفقهي الذي تمايزا به مغنية والعلايلي، والذي كان منطلقاً من أمرين هما: مصلحة الناس وتطور المجتمع، وهذا يحتاج إلى كثيرٍ من العناية والتوفيق، وهو ما ظهر في آثارهما العلمية.

لذلك كانت نظرة الإجتهاد على سبيل المثال عند هذين العلمين نظرة واقعية، ومتقوّمه بهذين الشرطين: المصلحة العامة وتطور المجتمع، فالأحاديث الشريفة التي وردت عن رسول الله P والعترة الأطهارR، لا تكفي (الفقيه) وحدها في الإجابة على كل تساؤلات الأمة وحلّ مشاكلها، بل لا بدّ من الإستعانة بعلوم أخرى وبقوالب عديدة، تضاف إلى مناطات النص، من دون المسّ بجوهر الأحاديث، ومن دون أن تكون المستحدثات معارضة لها، بل لابُدّ من الإنسجام مع روح النص والجوهر.

وفي موضوع التقريب بين المذاهب الإسلامية، لم ينطلقا من روح المجاملة السياسية والإجتماعية، وإنما كانت الدعوة إلى التقريب، مُنطلقةً من المسؤولية الشرعية والتكليف الإلهي، ولهذا كانت دعوة المسلمين للإلتزام بروح الدين والإسلام، بعيداً عن المذهبية والطائفية، وأنّ المذاهب الإسلامية بجوهرها هي التي تدعو إلى الدين، والعقل يُؤيدها في ذلك، وبالتالي العقل لا يدعو إلى اتباع مذهب بعينه، نعم المكلف إذا اقتنع بمذهب محدد، فيجب عليه اتباع ذلك المذهب. وهذا المنهج هو الذي التزمه وسار عليه علماء المذاهب كشيخ الأزهر الشيخ شلتوت، والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ عبد الله العلايلي وغيرهم، فأفتوا بجواز التعبد بأي مذهب من المذاهب الإسلامية الخمسة، وهذا هو المقصود من دعوتهم المسلمين للإلتزام بالدين، وعدم الدعوة ابتداءً إلى مذهب بعينه.

ولو التزم المسلمون وعلماء المذاهب جميعاً بهذه المسألة، لتخلصوا من التكفير، ولعمّ الخير والعدل المنطقة بأسرها، ولم تعد هناك نافذة للغرب أوالشرق ينفذ منه إلى عالمنا الإسلامي، ليخترق صفوفنا ويشتت أمرنا ويسفك دمنا ويهتك أعراضنا وينهب ثرواتنا، ولكن مع الأسف، فإنّ الجهل والتعصب هو الذي أوصل الأمور إلى ما وصلنا إليه اليوم.

وفي نفس الوقت لم تكن هذه الدعوة سبباً في إلغاء الإختلاف الفقهي وبعض الأمور العقائدية والسياسية، وإنما هو تنظيم للخلاف، كالإختلاف الواقع داخل المذهب الواحد، فهذا لا يُفسد في الودّ قضية.

وفي موضوع فهم النص والتاريخ، لم تكن النظرة جامدةً ومن زوايا ضيقة، بل كانت القراءة مبنية على فهم روح النص والحيثيات التاريخية التي تنسجم مع ما دعا إليه الإسلام، وقامت عليه الفطرة الإنسانية الصحيحة ودعا إليه (العقل).

وهنا نلاحظ أن هناك مساحة كبيرة في هذا الفهم لهذين العالمين في موضوع الفطرة والعقل، إذ لا يمكن فصل العقل عن الدين.

ولهذا تجد قراءة التاريخ عندهما، بنظرة واقعية بعيدة عن التعصب والمذهبية، فعندما يتحدث الشيخ العلايلي عن الإمام الحسين Q، يراه رمزاً للعدالة والحرية والمظلومية، وأن الحسينQ لم يخالف القواعد الصحيحة في تصديه ( للخلافة)، ويزيد بن معاوية هو رمز الفسق والفجور، لذلك كان الشيخ العلايلي يقارب المسائل التاريخية ويعالجها بواقعية، وبما ينسجم مع مصلحة المسلمين. وعندما يعالج مسألة الخلافة، كان يعتبر أنّ الأفضل للمسلمين ولمصلحة قريش بالتحديد أن يكون الخليفة من بني هاشم، لأن ذلك كان أفضل لمصلحة العرب في ذلك الزمن، وإذا كان الدين لأجل مصلحة الإنسان، فمن الطبيعي أن يكون خليفة رسول الله P الراعي لتطبيق هذا الدين والساهر على مصالح العباد، أن يكون شخصاً له مميزاته الخاصة المنسجمة مع هذه المسؤولية.

هكذا يعالج العلايلي بعض المسائل بعيداً عن التعصب المذهبي، وقراءة التاريخ من زوايا ضيقة، وإنما من خلال المصالح والمفاسد التي تحكم البشرية.

أما في قضية اللغة والأدب، فحدِّث ولا حرج، وإن كان الشيخ العلايلي تميز وامتاز بالمسار اللغوي وبرز كعالم لغوي، إلّا أن الشيخ مغنية وإن لم يكتب في اللغة إلا أنه كان عالماً بكل هذه الفنون وممارساً لها، وله امتيازاته الخاصة في بعض العلوم.

هذا الكتاب الذي بين أيدينا حول هذين العالمين الجليلين: الشيخ محمد جواد مغنية والشيخ عبد الله العلايلي، هو نتاج ثمرة وجهود علماء ومفكرين من عالمنا الإسلامي، بمناسبة انعقاد المؤتمر الفكري والعلمي حول هاتين الشخصيتين مغنية والعلايلي، وبرعاية كريمة لدولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، ومشاركة الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية آية الله الشيخ محمد علي التسخيري، والأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن الأختري، ونائب أمين عام حزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، والمرجعيات الدينية لكل من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، ومفتي الجمهورية اللبنانية سماحة الشيخ رشيد قباني، وجانب دولة الرئيس تمام سلام، مضافاً لسعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد محمد رضا شيباني والمستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية السيد محمد حسين رئيس زاده، ورئيس مجلس الأمناء في تجمع العلماء المسلمين الشيخ أحمد الزين.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذا المؤتمر هو بدعوة كريمة من جمعية الإمام الصادق Q لإحياء التراث العلمائي و بالتعاون مع المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية في بيروت، والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والمجمع العالمي لأهل البيت R وتجمع علماء المسلمين في لبنان.

وهذا المؤتمر الذي سلط الضوء بشكل أساسي على الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب، وإن لم يكن المحتفى بهما من مذهب واحد، إلّا أن كل واحدٍ منهما يصلح أن يكون عنواناً جامعاً لوحدة المسملين، والحمد الله فقد تمكنا والسادة الباحثين من تسليط الضوء على أهمّ المباحث العلمية والفكرية التي أنجزها الشيخ مغنية والشيخ العلايلي في المجالات الفقهية والتقريب والتاريخ واللغة والإصلاح وغيرها.

الخلاصة:

أهم إنجازات هذا المؤتمر:

أولاً: أعاد هذا المؤتمر التذكير بهذين العالمين الكبيرين، وكأنهما لا زالا في ساحة جهادهم التي لم يبتعدوا عنها، فكان من الضروري تذكير الجيل الذي لم يراهما.

ثانياً: أظهر هذا المؤتمر عدم الخلاف الجوهري بين علماء المذاهب الإسلامية، وأن الخلاف لا يتعدى الشكل الطبيعي الذي يكون عليه داخل المذهب الواحد.

ثالثاً: أعاد هذا المؤتمر التذكير بالمنهج الفقهي لهذين العالمين، فيما يخص تطوير الإجتهاد الملاحظ فيه تطور المجتمع ومصلحة الناس. مما يستدعي أن تشكل لجنة طوارئ من فقهاء المسلمين حفظهم الله لأجل بحث ومناقشة المسائل ذات الصلة بمصلحة المسلمين، لجمع كلمتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، كمسألة الهلال على سبيل المثال.

رابعاً: استطعنا وبعون الله تعالى أن نضع هذا المؤتمر في سياق الوحدة الإسلامية، وخصوصاً أن انعقاده كان بمناسبة (أسبوع الوحدة الإسلامية) التي أرادها الإمام الخميني { أن تكون إحدى المحطات الكبرى التي يجب أن يلتفت إليها المسلمون في حياتهم.

خامساً: كان أقل الواجب أن نقيم هذا المؤتمر، ونبحث فيه من خلال الجلسات العلمية أهم الأفكار والرؤى التي قدمها هذان العالمان الجليلان، والتي ذكرناها في فهرسِ مفصلٍ من هذا الكتاب، فلا نحتاج إلى التكرار، وكنا قد وعدنا الباحثين والمشاركين بأن نجمع هذه الأبحاث بكتاب يصدر عن جمعية الإمام الصادق Q بعد نهاية المؤتمر، وقد وفينا بهذا الوعد وإن جاء متأخراً، على قاعدة (ليس كل ما يُعلم يُقال).

وأنا هنا لا بدّ من أن أنوه، أولاً: بالدور الكبير الذي تقوم به جمعية الإمام الصادق Q لإحياء التراث العلمائي من إقامة المؤتمرات العلمية والندوات الفكرية، وإعادة إظهار ما تركه السلف الصالح، بطريقة مختلفة عما تصدى إليه أهل التراجم من قبل، الذين بذلوا جهوداً جبارة في جمع وتصحيح وطباعة هذا التراث.

وأيضاً، لا بدّ من توجيه الشكر للمؤسسات الفكرية والثقافية في الجمهورية الإسلامية، على دورها المركزي في رعاية ودعم واستنهاض القوى الفاعلة في عالمنا الإسلامي، لأجل التصدي لنشر العلم والمعرفة.

فالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب وبشخص رئيسه آية الله الشيخ محمد علي التسخيري، لم يترك فرصة إلّا وبذلها في سبيل التقريب بين المذاهب والوحدة بين المسلمين، كذلك فعل المجمع العالمي لأهل البيت R بشخص أمينه العام حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن الأختري، حيث عمل من دون كلل ولا ملل.

والشكر موصول بالمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية، التي تبذل جهوداً في سبيل إيجاد قواسم مشتركة في الفكر والثقافة بين الجمهورية الإسلامية ولبنان على مختلف مشاربه وانتماءاته.

والشكر الخاص لراعي هذا المؤتمر دولة رئيس المجلس النيابي اللبناني الأستاذ نبيه بري على رعايته وحضوره في هذا المؤتمر، وهذا من صميم مسؤولياته التي حمّل نفسه إياها.

ولا أريد أن أنسى سماحة رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين على رعايته لنا في جمعية الإمام الصادق Q لإحياء التراث العلمائي، من أجل تفعيل هذا الدور، وبذل مساحة من الجهد في سبيل التقدم والنجاح.

ملاحظة:

ترأس جلسات هذا المؤتمر الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب آية الله الشيخ محمد علي التسخيري، والأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت R حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن الأختري، والوكيل العام للإمام السيد الخامنئي} سماحة العلامة الشيخ محمد يزبك، وسماحة العلامة الشيخ حسن موسى الصفار من علماء السعودية، وسماحة الفاضل الشيخ ماهر حمود إمام مسجد القدس.

الشيخ حسن بغدادي

مسؤول إحياء التراث العلمائي

في حزب الله

[1] سورة الصف، الآيتان 2 و 3.

الافتتاحية

أ. نبيه بري[1]

كنت سأسلك طريق الجواب على سؤال: أين الخطأ؟ ولكن رأيتني مشدوداً إلى عنواني المناسبة الشيخين الجليلين العلامة واللغوي الشيخ عبد الله العلايلي والعلامة المعرفي الشيخ محمد جواد مغنية، في استنباط أجوبةٍ على سؤال أين الصواب في الكثير من المسائل الدينية والدنيوية.

وهكذا رأيتني أتسلل من جراح الوقت والضغوط وأغلق عليّ الأبواب بعد انصراف المساءات والناس، وأفتح مكتبي على أنهر العناوين الكثيرة في مكتب الشيخين، فأراني أسكن إلى حديقة الأمل، وأرى لغات البكاء التي أحاطت بأيامي تنجلي وتردم عتمها ويهلّ من أحداقها النور، وأرى المفردات تستفيق على عذوبة المعنى وأبعاده العقلية.

يوماً بعد يومٍ صرت أرى الله معرفةً وحقاً ولمست كيف يستحيل الانسان في كلية الإيمان إلى شجرةٍ متقدمةٍ في العواصف، وصرت أرى الحرية مزدهرةً والعدالة تزهر بالضوء كعين الشمس.

يوماً بعد يومٍ وجدتني وقد أخذتني سلاسة النص والمعاني والبلاغة الأنيقة المتوارية خلف ألف بابٍ وبابٍ، قد تشبعت بما ذهب إليه الشيخ العلايلي من حب الحكمة والمعرفة والعبور إلى النور، وما ذهب إليه الشيخ مغنية في بحثه عن الحياة التي توفر الخصب والأمان والعلم.

للشيخ العلايلي جسر الحداثة والتجديد القائم بين الأمس واليوم والغد، وهو يعالج في إبداء ما يعد قديماً بأنه الجديد الجديد، وهو يعالج بنظراتٍ شرعيةٍ جديدةٍ بعض متفرقاتٍ من تحدياتٍ عصريةٍ.

لبيروت بيت ومكتبة وصومعة وريشة ومحبرة وكتاب الشيخ عبد الله العلايلي،

لبيروت المدينة ميناء الشرق ومجتمع أهل العلم والأدب والفكر، والتي هيأت لنهضة الشيخ مصطفى الغلاييني والشيخ عبد الرحمن سلام،

ولبيروت صومعة الإمام الأوزاعي.

للشيخ محمد جواد مغنية الذي كان كالوقت لا ينعس ولا يستريح، ممسكاً لوحات الكتب بأصابع عينيه، أو ممسكاً ريشته وهو ينحت مخطوطاته محتكماً في كل كلمةٍ إلى العقل والاسلام والقرآن الكريم.

لشيخ عاملة الذي قسى عليه الزمن كما على الشيخ العلايلي، فسكنهما الألم والكآبة في بيروت التي كانت محكومةً للقلق والغموض، كما في جيل الصبر الجائع العطشان المضطهد من الأعداء والمهمل من المسؤولين.

لشيخ عاملة الذي حمل نفسه على نفسه دون أوراقٍ ثبوتيةٍ، ودون ما يسدّ به الرمق إلى النجف الأشرف، كما حمل شيخ بيروت نفسه إلى قاهرة المعز.

للشيخين ولكم وللجمهورية الإسلامية في إيران ألف تحيةٍ وبعد،

فإني بدايةً أتوجه بالشكر الخالص إلى اللجنة المنظمة لأسبوع الوحدة الإسلامية على تكريمي برعاية هذا المؤتمر الدولي في فكر رائدي التغيير والإصلاح والوحدة العالمين الكبيرين الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية.

كما أتوجه بالشكر ثانياً إلى جمعية الامام الصادقQ والمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وتجمع العلماء المسلمين لسببين:

السبب الاول: إحياء الآثار الفكرية للشيخين

السبب الثاني: اندفاعي الشخصي إلى قراءةٍ معمقةٍ لهذه الآثار وهو الأمر الذي أكسبني معرفةً أكثر بالله وبالإسلام وبالإنسان وبالوطن وبالعروبة وخاصةً القدس.

الحضور الكريم:

كثيرة الأسماء التي انطفأت في التراب وأسدل عليها الموت ستار العتمة، إلا أن الأسماء التي تبقى هي تلك التي تستيقظ في عقولنا وقلوبنا، وتتواصل فينا خطاً ونهجاً ومبادئ ترتكز على عوامل التقريب، وعلى صناعة وبناء الوحدة الإسلامية بمواجهة الوقائع الراهنة والتحديات المستقبلية، وهو ما دأب عليه الشيخان، حيث أكدا أن الوحدة وحتى تكون نهج حياةٍ مستمرةٍ يجب أن تصنع وتبنى على مبادئ القرآن الكريم والسنة والشريعة والأهداف المشتركة.

إن الإنتباه الآن وفي هذه اللحظة السياسية لعقد هذا المؤتمر على اسم شيخين توحيديين لهما سيرةٌ علميةٌ إصلاحيةٌ مشرفةٌ، أمرٌ يستدعي الشكر والتنويه بمواجهة استراتيجية الفوضى البناءة، المستمرة في بث التوترات الطائفية والمذهبية والتي تحاول الوقيعة بين أصحاب الديانات السماوية ومذاهبها وبين الدين الواحد.

إننا نتعلم من الشيخين الجليلين ومن مدرسة الوحدة والتقريب التي أسساها على مساحة الجغرافيا والناس من الأزهر إلى النجف إلى قم ومن بيروت إلى جبل عامل، كما ونتعلم من الإمام الذي حمل راية الأمل وسلك طريق أمل الأمل والخط نفسه وأقصد سماحة الإمام السيد موسى الصدر، نتعلم أن القرآن يؤكد على وحدة الأديان بل ويجزم بذلك، وأن الله واحدٌ لدى جميع الأديان وأن مفهوم الله عند الإسلام هو التطور والشمولية. وأن التشييع والتسنن هما من نبعٍ واحدٍ وكتابٍ واحدٍ ونبيٍّ واحدٍ.

كما نتعلم في نفس المدرسة أن الانسان خليفة الله، وقد خلقه حراً ليتمكن من العلم والمعرفة، ونتعلم من الشيخ العلايلي أن الإسلام يحترم الإنسان بذاته أي من حيث كونه إنساناً، ونتعلم من الشيخ مغنية أن الصراع في لبنان هو بين الصهيونية والوطنية لا بين الإسلام والمسيحية، ونتعلم من الإمام الصدر أن التشيع هو رؤيةٌ وسلوكٌ يتجاوز في أبعاده الإجتهادات الفقهية أو الآراء الكلامية أو المواقف السياسية، وأن التشيع هو التزامٌ بالخط الإسلامي العام، وأنه لا يمكن أن تفوح من الشيعة رائحة الفئوية المذهبية والإنفصال عن الأمة بل إن الشيعة يمتلكون رؤية الطليعة المناضلة في الأمة، وأنهم بذلك ينسجمون مع كل موقفٍ صريحٍ ضد الظلم وكل حكمٍ ظالمٍ وكل استعمارٍ وكل احتلالٍ.

تلكم هي مدرسة الشيخين ومن سلك طريق تصحيح المفاهيم والتجديد، ومن تحرك في أثرهما لزحزحة بابٍ موصدٍ، ومن تمسك بأكرم تعبيرٍ في معجز التنزيل: ﭽ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈﭼ[2].

وبعد وبعد

يكفي شيخ اللغة شيخ بيروت والقاهرة أنه انتبه إلى خداع الألفاظ وإلى الأوهام في الأحكام، وأنه تجرأ على محاولة رسم الحدود الجزائية، وأنه تجرأ قبلنا على سؤال أهلالٌ هو أم طلسمٌ الباب المرصود؟ وها نحن يا شيخنا لا زلنا متحيّرين متى نصوم ومتى نفطر، والقمر كما قلت أبجديةٌ فلكيةٌ وقد بات حسبانه مع التقدم العلمي أبسط من حرف في «ألف باء»، وما ظنك بمن غدا يحسب في كسر حساب الجزء من مليون جزءٍ من الثانية؟ ونظل بعد ذلك عند عتبة البحث البدائي هل رئي أم لا؟ وهل ثبتت بداية الشهر أم لم تثبت. وهل نعيّد معاً أم لا نعيّد.

ثم ها نحن أيها الشيخان لن نترك أمركما إلى استراحةٍ، حيث لا زلنا لم نقطع المسافة الطويلة بين الصبر المرير وسراب الماء ولا زال «سمو المعنى في سمو التراث»، أو «أشعةٌ من حياة الحسين»- لا تزال- وكأنه مهدورٌ في عالم يتناهشه نظام أحاديٌّ، وفي عالمنا المسكون بأنماطٍ لها أولٌ وليس لها آخر من أنواع السلطات التي لا تنفك تسقط في كل امتحانٍ من الجنوب إلى غزة إلى العراق وغداً لا أدري؟ من يدري ماذا يحمل من الغد غير شبهة الدولة المنزوعة السيادة في فلسطين، وشبهة الديمقراطية وحلم الدولة في لبنان، وحروب الإستتباع والجهات التي تفتك بالسودان، والدولة المفخخة في العراق....؟

ثم ها نحن نقف عند آخر حدودٍ... عند اللاصق الأخير فيما بيننا عند اللغة..

ها نحن نحمل نعشها ونمشي في جنازتها وقد قتلناها تماماً، إلا أنها لا زال بها قبسٌ من روحٍ تحفظه لغة القرآن العربية.

وها أنتما أيها الشيخان منتبهان تماماً إلى آخر نسمة لغةٍ متروكةٍ على حدود أوطاننا لناحية فلسطين، وعلى حدود مجتمعاتنا حيث تنزل الناس تحت خط الفقر.

ها أنتما وقد أسستما لثورةٍ في التشريع الإسلامي.

وها أنتما وقد أسستما لمدرسة التجديد في الفقه على ضوء فهم النص بما ينسجم مع المرحلة.

ها أنتما وقد فتحتما الباب لمنهجٍ عقليٍّ لفهم التاريخ ومعالجة قضايا التاريخ بما ينسجم مع واقع الناس.

ها أنتما مندهشان لحالنا وما نحن فيه، حيث لم ننتبه إلى دور الزمان أو المكان في الإجتهاد عندكما، فأصبحنا وكادت الجغرافيا أن تضيع وكاد الوقت أن يهدر، لولا أن كلاً منكما يشير إلى اجتهادٍ في معجمه الكبير حيث تقيمان الدليل على المشاركة والإشتراك.

يبقى أيها الشيخان أننا في لبنان نقترب يوماً بعد يومٍ من استحقاقٍ انتخابيٍّ نريده أن يعبّر عن نهج حياةٍ، ويريده البعض أن يعبّر عن عملية كسر عظمٍ، ولبنان لا يحتمل ليّ الاذرع ولا التطاحن.

ها نحن نستدعي حضوركما في هذه اللحظة الوطنية من أجل الوحدة ومن أجل أن نكون شركاء في الوطن، ومن أجل بناء الحياة التي توفر الخصب والأمان والعلم والحرية والعدالة والمساواة.

وها نحن نؤكد على ما ذهبتما إليه من أجل إعلاء شأن المسلمين ارتكازاً على قاعدة: لا نجاح بلا تخطيطٍ بدءاً بالتخطيط لعلاقة الفرد بربه إلى علاقة الفرد بمجتمعه وتجاه عدوه وردع العدوان، وللحكم العادل وللتربية والثقافة ثقافة تبنّي المقاومة.

ويبقى أن تلتزم القاعدة التي هي موجودةٌ بصورةٍ علنيةٍ وفي ثنايا كل الكلام، وهي القاعدة التي نتجرأ بها على غدنا من أن لا حياة للحق بلا قوةٍ ولا قوة من غير اتحادٍ.

وها نحن نستدعي حضوركما من أجل ترسيخ علاقات الثقة العربية – العربية، سائلين الله ان تكون قمة الرياض مقدمة لقمة تأسيسية في قطر تعيد إلى الأمة حضورها في نظامها العالمي وتؤكد للعالم انه لا يمكن كسر الإجماع العربي على ان قضية العرب المركزية هي قضية فلسطين، وانه لا يمكن انشاء خطوط تماس بين العرب وبين جوارهم الإقليمي الإسلامي خاصة الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا لحساب أحد، وتكرار انموذج حرب العراق الأولى التي استهلكت موارد المنطقة.

اننا ومن أجل حفظ التراث الكبير للشيخين، ولأننا نحتاج إلى تعميم الثقافة الإسلامية حول المواضيع التي عالجاها، سواء التي تناولت وحدة الأديان ومسألة الإيمان والعبادة والعبودية وقصة العلم والمقاومة والإستنهاض وفي سبيل الحق أؤكد على ضرورة ان بناء إعادة علاقة التكنولوجيا بالمجتمع وبنشر تلك المعارف على الانترنت، ووضعها بتصرف الجيل الصالح.

الشيخ نعيم قاسم[3]

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين مولانا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه الأبرار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والصالحين إلى قيام يوم الدين، السلام عليكم راعي الإحتفال، أيها السادة العلماء، أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته.

إذا أردنا أن نتحدث عن مجموع الكتب التي أُلِّفت، وتحدثنا عن المواقف التي أُطلقت، وتحدثنا عن الأداء العملي في الحياة اليومية لعالمٍ جليلٍ قدَّم لهذه المسيرة، لما استطعنا أن نميِّز إن كنا نتحدث عن سماحة الشيخ العلايلي أو عن سماحة الشيخ مغنية، إلاَّ إذا دخلنا في التفاصيل لنتبيَّن هذا الخيط الفاصل بينهما في مواقعهما المختلفة، والملفت أن كِلا العالِمين قد وُلد في أوائل القرن ورحل في الربع الأخير من القرن العشرين، وكلاهما تيتَّم من والده في سن العاشرة، وكلاهما أعطى الكثير الكثير لمصلحة الإسلام، وبما أن الوقت قصير، سأتحدث عن أبرز ما لفتني بأنهما ركّزا على ثلاثة أمورٍ من بين أمورٍ كثيرة تحدثا بها:

الأمر الأول: ركزا على الوحدة الإسلامية وكُلٌّ من موقعه، وها نحن نسمع الشيخ مغنيةM يقول: «التعصب لمذهبٍ هو تعصبٌ للفرد، تعصبٌ لصاحب المذهب بالذات لا تعصب للإسلام، ولا مبدأ من مبادئه، وإذا كان لا بدَّ لنا من التعصب فلنتعصب للدين، للإسلام، لا لمذهبٍ من مذاهبه، على أن يكون معنى متعصبٍ للإسلام هو الحرص على تعاليمه، واحترام شعائره، والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، التعصُّب للإسلام يبث روح الألفة والتآخي بين المسلمين جميعاً»[4]. هذا هو التعصب في فهم سماحة الشيخ مغنية M.

أمَّا الشيخ العلايليM فقد دخل مدخلاً له تعبيرٌ عمليٌ وواقعيٌّ في حديثه عن الإمام الحسينQ في أكثر من ثلاثة كتبٍ، وهو الذي قال عن الإمام الحسينQ: «فهو ملتقى عظماتٍ ومجمع أفذاذٍ»[5]. وهو الذي قال أيضاً: «فكما أن النبي الجد حارب الوثنية في الفكر ودحضها، فالحسين السبط حارب الوثنية في المجتمع [6]، ليوجد صلةً مع الماضي تجعله يرى هذا الماضي من ضمن رؤيةٍ واحدةٍ هي الرؤية الإسلامية» ﭽﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭼ[7]. هذه الرؤية الوحدوية للإسلام توصل إلى الوحدة الوطنية وهو الأمر الثاني.

يقول الشيخ مغنية: «ستكون وحدتنا نحن طريقاً لإلغاء الطائفية في لبنان»[8]، ويقول الشيخ العلايليM بعد تأكيده على إلغاء الطائفية: «لا بحكم الوطنية فقط، بل بحكم الإنسانية أيضاً، وكل تلكؤٍ معناه خسران الوطنية والإنسانية جمعاء»[9]. هكذا يرى كل منهما الوحدة الإسلامية طريقاً إلى الوحدة الوطنية.

أمَّا العنوان الثالث، وربما سيستغرب البعض، عندما يرى أن رؤية الشيخين هي رؤيةٌ واحدةٌ ترى أن فلسطين هي القضية المركزية، وهي الأساس، كيف نحررها؟ نحررها بالمقاومة وبالقوة، يقول الشيخ مغنية:» من فضول القول... أن نعلن بأن أحوج ما نحتاج إليه اليوم هو التعاون والتعاضد، والوقوف صفاً واحداً في وجه العدو المشترك: الإستعمار وربيبته إسرائيل»[10]. ثم يقول: «لا حقَّ في الأمم المتحدة، ولا في مجلس الأمن إلاَّ بالقوة».

ثم يقول الشيخ العلايليM: «ما تمتحن به فلسطين، وبالأحرى ما نمتحن به في فلسطين، امتحانٌ يراد به محونا، وما لا تمحوه فإنَّه لا بدَّ أن يمحوك، فمعركتنا في مضمار معركة البقاء ضد الفناء، ودفاعنا في غماره دفع الحياة في صدر الموت»[11].

هكذا نرى أن الشيخ مغنية والشيخ العلايلي (رحمهما الله تعالى) إنما أكّدا على هذه المعاني وهما بعيدان عنّا لعشرات السنين، ما يعني أن أزماتنا هي واحدةٌ، لا زالت كما هي، مشكلتنا في التعصب المذهبي، ومشكلتنا في الطائفية البغيضة، ومشكلتنا في إسرائيل التي تتربع في هذه المنطقة، ولذا كان لا بدَّ لنا أن نبحث عن الحل، وهنا نستحضر ما قام به إمامنا الخميني{ عندما ركز أسبوعاً للوحدة ليتجاوز الشكل إلى المضمون، فإذا كان السنَّة يؤرخون للثاني عشر من ربيع الأول، وإذا كان الشيعة يؤرخون للسابع عشر من ربيع الأول، فبدل أن نحتفل بولادة رسول اللهP في يومٍ واحدٍ فلنحتفل به لأسبوعٍ من الثاني عشر إلى السابع عشر، وبالتالي نجتمع معاً كلٌ على طريقته لتركيز الوحدة الإسلامية.

على هذا الأساس يمكننا أن نطل من خلال هذين العالمين العزيزين الكريمين المبجَّلين لنطرح أربعة أمور:

أولاً: نحن فتحنا عيوننا على أزمة معقدة اسمها احتلال فلسطين، ورغم كل التآمر والإجرام الدوليين لم تتمكن إسرائيل من ترسيم حدودها ووجودها، وواجبنا في أي موقعٍ من المواقع سواءً كنا في لبنان أو إيران أو تركيا أو أفغانستان أو أي دولةٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ، واجبنا أن نكون مع الحق الفلسطيني لنحصل على حقوقنا في أرضنا ومياهنا وكرامتنا، فالخطر علينا جميعاً وليس على الفلسطينيين فقط، وبالتالي فإنَّ قضية فلسطين ليست قضيةً فلسطينية، هي قضيةٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ وإنسانيةٌ، هي قضية الوحدة، من خلال فلسطين نتوحد عملياً، ومن خلال فلسطين تجتمع قوانا، ومن خلال فلسطين نحقِّق العزة، وها هي تجربتنا كيف اتَّحدت مقاومة لبنان مع مقاومة غزة، لينتج كلٌّ منهما ما يعطي الآخر دفعاً وعزةً وكرامةً. لم نرَ في لبنان شيعةً يقاتلون، ولم نرَ في فلسطين سنَّةً يقاتلون، وإنما رأينا أبطالاً يوحدون الله تعالى ويعملون لدحر العدو، وقد نجحوا بحمد الله تعالى.

ثانياً: علينا الإستفادة من التحولات في العالم والتي كانت ببركات المقاومة والممانعة، كنا نرى تباكي مجلس الأمن، وكنا نرى تآمر الدول الكبرى، ولم نرَ أمامنا مسبِّباً لهذه التحولات إلاَّ المقاومة والممانعة والصمود والتصدي والتضحيات الكثيرة التي قدّمها شعبنا. كم نعتونا بالإرهاب وأخطأوا بحقنا، وكم احتلوا دولاً، في العراق وفلسطين وأفغانستان ولبنان وسوريا والأردن وأخطأوا بحقهم، وحاصروا إيران وسوريا وحركات المقاومة في المنطقة وأخطأوا بحقهم، الآن يطلقون نداءات الحوار نتيجة ثباتنا وتضحياتنا وانتصاراتنا بحمد الله تعالى، هو إعلان التراجع عن خطوات الماضي، نحن نتقبل إعلان التراجع عن الأخطاء ولكننا ننتظر الأعمال، فلا نريد أن يكون الطرح تكتيكاً لمرحلةٍ من الزمن، وعلى كل حالٍ نحن على أهبة الإستعداد لأي طارئٍ يمكن أن يطرأ.

ثالثاً: سوريا شقيقٌ مجاورٌ نشترك معه بالآمال والمخاطر، وإيران بلدٌ فاعلٌ ومؤثرٌ يقف إلى جانب قضايانا ضد الإستكبار والصهيونية، والبلاد العربية هي الحضن الطبيعي لقضايانا، والبلاد الإسلامية هي الأفق الرحب الذي نحتاج أن نكون معه ويكون معنا، دعونا لا نلعب لعبة الإصطفاف والمحاور، بل أن نكون عاملاً مساعداً للتعاون العربي العربي، والعربي الإسلامي فهذا من مصلحة لبنان وهذا من مصلحة المسلمين، وهذا من مصلحة المسيحيين، نحن اليوم أمام فرصةٍ ذهبيةٍ يجب أن نستفيد منها لننتقل في لبنان من حالته إلى الحال الأفضل.

رابعاً وأخيراً: بكل صراحةٍ يحمينا توافقنا ولا تحمينا لا الدول الكبرى ولا النظريات السياسية المختلفة، تحمينا وحدتنا الإسلامية وتجعلنا نعبر إلى الوحدة الوطنية لتشكل الوحدة الإسلامية الوطنية حمايةً لنا، ولا يكفي أن نتحدث عن الوحدة والحماية بعيداً عن العمل، علينا أن نعمل للمصلحة الوطنية لا للطائفية أو المذهبية.

أمَّا الإنتخابات القادمة فإذا كان البعض يعتقد أنها ستغيِّر المسار، وأنها ستقلب الميمنة على الميسرة فهو مخطئٌ، الإنتخابات القادمة خطوةٌ على طريق مسارٍ طويلٍ، ستساهم في تثبيت مراكز قوى وتعديل أخرى، لكنها لن تقلب الموازين ولن تغير المعادلات، ولن تعدِّل المسار السياسي الذي وصلنا إليه في رفض الوصاية الأجنبية وحماية لبنان واستقلاله.

فلنأخذ من العالمين الجليلين دروس الوحدة والوطنية والدفاع عن فلسطين لنصنع مستقبلنا، ونمنع الأجانب من أن يلعبوا بساحتنا، علينا أن نجعل ساحتنا منطلقاً لا مكاناً للعب الآخرين، ومعكم أيها الشرفاء ومع المقاومة يمكننا أن نكون كذلك، وسننتصر بإذن الله ﭽﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ[12]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ محمد علي التسخيري[13]

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﭽﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨﭼ[14] قبل كل شيء ليَ الشرف أن أحضر إلى هذا البلد بلد الجمال ومن الجمال جمال المقاومة وأتشرّف بلقياكم سادتي وسيداتي.

أود أن أؤكّد أن من أهم خصائص هذه الأمة الوحدة، وبدون الوحدة في المواقف العملية لا يمكن أن تدَّعي هذه الأمة أنها تمتلك خصائص القرآنية والوحدة استطيع أن أقول لم يترك القرآن سبيلاً يؤدي إليها إلّا وسلكه ومن هذه السبل أن يذكر هذه الأمة بوحدة أعدائها عليها، فهم رغم قلوبهم المتنافرة امتلكوا ولاية عامة فيما بينهم ليضربوا هذه الأمة ومن هنا أنشأ المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ليواصل الطريق الذي ابتدأه القادة في أربعينات القرن العشرين المرحوم الشيخ شلتوت والإمام البروجردي والمدني والباقوري والبنّا وغيرهم كثير..

هذا المجمع له برامجه الكثيرة.

أيها السادة وأيتها السيدات: لا أريد أن أطيل الدقائق الخمس التي رسمت لي ولكني أشير فقط إلى هذا المجمع الذي شجَّع في مسيرته أن تعقد مجالس لتكريم علماء من السنة والشيعة، وكان أول مجلس أو مؤتمر عقد في طهران لتكريم الإمام البروجردي والإمام شلتوت وأنتج نتائج طيبة وهو يشجّع كل محاولة من هذا القبيل، وهنا كان الشرف أن نساهم في عقد هذا المؤتمر إلى جانب جمعيات مهمة كبيرة، أسأل الله تعالى أن يوفّقنا لتشجيع مثل هذه اللقاءات لتكريم الأعلام، ولا يفوتني أن أشير إلى أن هذين العلمين الجليلين كلاً منهما بحر في رأسه كنت أريد أن أذكر صورة عن كتب الشيخ مغنية فإذا بي أغرق في أول كتاب من كتبه وهو [الفقه على المذاهب الخمسة] وأردت أن أفعل ذلك مع كتب الشيخ العلايلي فإذا بي أغرق في كتاب من كتبه وهو كتاب «سمو المعنى في سمو الذات» فلنترك الحديث عن هذين الكتابين إلى جلسات العمل، أرجو لكم كل الموفقية وأشكر كل الذين ساهموا في إقامة هذا المؤتمر أو الذين حضروا، وخصوصاً أشكر دولة الرئيس على حضوره ورعايته، لكم مني كل الحب والتقدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ أحمد قبلان[15]

ó

ﭽﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ[16]

الملاحظ في الآية المباركة أن سبحانه وتعالى قال (المصلحون) ولم يقل (صالحون) فهناك فرق بين الصالح والمصلح، لأن الصالح بلا إصلاح هالك بخلاف المصلح الذي بإصلاحه يدفع الهلكة، لأن بإصلاحه ينبّه ويحذر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فدور المصلح محوري وأساسي، وعاشوراء مثّلت بنية فقهية وفكرية عظيمة، انطلاقاً من أسس فهم الشرعية المتصلة بكل مناحي الإجتماع العام، السياسي، والحكمي، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، مما دفع علماء الإسلام للإقرار بما لهذه الثورة من ضرورة إصلاحية، وكاشفة عما يجب أن يكون عليه الحكم الشرعي، وهذا ما دفع الفقهاء من العامة والخاصة كي يتوجهوا في تحقيق ما صدر من طوائف الحديث النبوي الشريف.

قال P: «حسين مني وأنا من حسين»، وهو حديث مشهور برواية أهل العامة والخاصة، والسؤال الذي يطرح أن هذه المِنية (مني) هل هي منية صفوة وتشريع وحجة؟ أم أخص من ذلك؟ والجواب كما أجابوا عنه بأن القانون اللساني الاستعمالي يؤكد الإرادة النبوية العامة في إطلاق العناوين من خلال الحديث. فأجمعوا أن قول النبيP في الحسينQ يعني السعة المقصودة في الحجة والإصطفاء والتشريع. وتشهد لهذا القول أخبار «وحدة الشجرة» و»الطينة» وما إليها من أخبار تواترت بلسان المشيخيتين الخاصة والعامة، وهذا ما حاول الأستاذ الشيخ العلايلي تثبيته، حيث قال: «جاء في أخبار الحسين أنه كان صورة احتبكت ظلالها من أشكال جدّه العظيم، فأفاض النبيP عليه إشعاعة غامرة من حبّه، أشياء من نفسه، ليتم له أيضاً من وراء الصورة معناها، فتكون حقيقة من بعد، كما كانت من قبل إنسانية ارتقت إلى نبوّة فقال P: وأنا من حسين، ونبوّة هبطت إلى إنسانية فقال حسين مني، ثم قال: «فسلام عليه يوم ولد».

وهو بذلك يؤكّد هذا المعنى من الاجتباء في الإرادة النبوية وهي نباهة فكرية فقهية عظيمة، ما دفع الشيخ محمد جواد مغنيةM لأن يثني على كتاب سيرة الحسين السبط للشيخ العلايلي إلى حد أنه قال: «عندما قرأت هذا الكتاب وجدت نفسي وكأني أقرأ عن شخصية لا عهد لي بها ولا علم، رغم تتبعي لأكثر السير المؤلفة ورغم ملازمتي لمجالس التعزية، فقد كشف العلايلي عن أسرار ما زالت مجهولة حتى على الأعلام من العلماء والأساتذة المختصين بدرس تاريخ الحسين وحياته، وقد أثبت أموراً أنكرها بعض المعاندين، وإذا قرأت ما كتبه عن حياة الحسينQ اعتقدت أن الحسين روح إلهية في طبيعة بشرية، ومعنى غيبي في حروف من أشباح الوجود». وبهذا المعنى الذي تتبعه الشيخ العلايلي تجده يلتقي مع تحقيقات الإمام السيد موسى الصدر القيّمة جداً، والذي كان يسرد جملة من عناوين ثورة الإمام الحسينQ كصيغة تشريعية ونموذج إصلاحي جامع للأمة الإسلامية، فأكد أن الحكم بنفسه لا يوصف بشرعية أو غيرها، وأن الميزان الوحيد لتحديد الشرعية من عدمها يظل موقوفاً على جملة المبادئ التي ترعى صورة السلطة والحاكم والرعية، وأشكال الإجتماع العام كافة، فإذا تحققت هذه الصفات في الحاكم ضبطاً على الشرع كانت له الحقانية في سلطانه، وعلينا وجوب طاعته، وهي [أي هذه الصفات الشرعية في الحاكم والمحكوم والسلطة] شروط ابتدائية واستمرارية؛ بمعنى أن فقدان هذه الشروط، وذلك كشرط لحفظ المصالح التي أرادها الشارع وقدّمها على غيرها. فالأمّة أمام الانحراف قد تكون في سكرتها وسباتها إلى درجة أن الإسلام قد يكون مهدداً وهذا ما تمثّل بحكومة يزيد بن معاوية الذي تابع المشروع الأموي بطمس تعاليم الإسلام، ورغم أن ميزان القوة كان في صالح يزيد بن معاوية فإن الإمام الحسينQ لم يجد لحفظ الدين كشرع ونظام وقيم وأمّة، إلا نحره الشريف بما يعنيه من معنى قيمي كبير. حيث تواتر قول النبي الأكرمP عند أهل الإسلام كافة أن الحسين سيد شباب أهل الجنة وسبط النبي وريحانته من الدنيا، وأن الحسين منهP وهو من الحسين، ما يعني أنه المنبع في بيان الشرع وتوجيه الأمّة وكشف المعالم والهداية، فإذا به مع تلك القيمة الإلهية يقدّم نفسه وأهل بيته وكافة أصحابه قرباناً لإثبات حق الله في دينه وكشف الضلالة وهدم الأسطورة الأموية، ما يعني أن دوره ومقاصد ثورته شكّلت رأس الحاجة وأقصى الضرورة في الفكر قبل الفقه، وفي مدركات السياسة قبل مطلوبات الرئاسة. وبها نفهم مقصود الشيخ العلايلي، حيث أكّد أن دم النبيP ولحمه خالط دم الحسين ولحمه، وأنهما من شجرة واحدة اصطفاها الله لخاصة فارقة فيهما، وزادها الإمام الصدر بأن قيمة هذه المنيّة بين النبي والحسين أنها تحكي مرجعية الشرع والميزان في الموقف يوم القيامة، ليخلص إلى أن نهضة الحسينQ شكّلت محراب الأمم وجدول العطاشى الذي طالما كسروا قيد العبودية ليتحرروا وفق مداليل هداية ثورة الحسينQ.

فعلاً إنه سمو المعنى في سمو الذات، وسمو الهدف رغم وعورة المسلك وقلّة السالكين، ولكن في سبيل الله كل شيء يهون، وهذا ما اندفع إليه الإمام الحسينQ حينما شعر أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه.

وهنا يتساءل الإمام السيد الصدر في إحدى محاضراته العاشورائية عن الإفادة من المجالس الحسينية يقول: ماذا كسبنا في يوم عاشوراء؟ ماذا استفدنا على الصعيد العام؟ وماذا استفدنا على الصعيد الخاص؟ من أي فئة نحن؟ هل نحن من الفئة التي تبكي وتقتل الحسين؟ فإذا نحن بكينا وحاولنا إضعاف أهداف الإمام الحسين، إذا بكينا وكنا مع الباطل، إذا بكينا وشهدنا شهادة الزور، إذا بكينا وساعدنا عدونا، إذا بكينا وأكثرنا في الخلاف والشقاق في مجتمعاتنا، إذا بكينا وزدنا في المعاصي، في الحقيقة إننا نبكي على الحسين ونقضي على الحسين، الحسينQ هذا الذي هزّ بثورته ضمير الإنسانية وحرّك روح التحدي لدى المظلومين والمقهورين والمغلوب على أمرهم، ليعلّمنا كيف نصرخ ونقول «لا» في وجه كل باطل وطغيان.

من هذه المدرسة الحسينية، من مدرسة هذا الإمام العظيم، وهذا الإنسانيّ المؤمن، والمضحي في سبيل الله، والملتزم بالصراط السوي، والقدوة لكل مسلم قرآني، من هذه المدرسة نطل على واقع أمتنا الذي لا نحسد عليه، وعلى وحدتها المكشوفة والمهددة باستمرار والتي تنذر بأفدح الأخطار والمهاوي إذا ما استمرت بهذه الوتيرة من الفوضى والتفلت وعدم الالتزام بدينها وبتراثها وبقيمها وإذا لم يبادر الغيارى والحرصاء على هذ الأمة ومستقبلها إلى إعلان حالة الوارئ لوقف هذا النزيف الحاد في شرايّين الأمّة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن الحكام المستبدين والمستأثرين بالفيء، إن الحاجة لشديدة لِلَمّ شعث المسلمين وتوحيد كلمتهم ووصل حبل الشمل، وتجاوز كل ضغائن وأحقاد الماضي والحاضر، والتهيؤ لملاقاة المستقبل بروح إيمانية راسخة، وأخوة إسلامية لا انفصام ولا انفصال بعدها (إنما المسلمون إخوة) التي هي من أوجب واجبات كل مسلم ومسلمة وذلك على قاعدة: «أن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها»، ندعو المسلمين إلى التواد، ندعوهم للتصافي والتلاقي، ندعوهم للانطلاق معاً في كل دولهم وبقاعهم لإحداث التغيير الجذري ولإعزاز دورهم الريادي في تثبيت المفاهيم الإيمانية والإنسانية والأخلاقية التي على أساسها تقوم المجتمعات وتتكامل في ما بينها.

في نظرة سريعة لواقعنا العربي والإسلامي ماذا نرى؟ نرى التخلّف والجهل، نرى الفوضى والتفلت، نرى الجوع والفقر والتسلط، نرى الحكام يتقاتلون على الدنيا ويتهالكون على الخسائس والعدو على أبوابهم، فهذه فلسطين وهذه العراق، وهذه السودان، وهذه تونس، وهذه وهذه حتى يصل العد إلى كل دولة إسلامية وعربية، ماذا نجد؟ الصورة قائمة والمستقبل مجهول والرزايا قد حطت بكل أثقالها وأعبائها على كاهل هذه الأمة.

أمير المؤمنينQ يقول: «فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إلا بِصَلاحِ الوُلاةِ ولا تَصْلُحُ الوُلاةُ إلا باستقَامَةِ الرَّعَيَّةِ فَإذّا أدَّتْ الرَّعِيَّةُ إلى الوالي حقَّهُ وأدَّى الوَالِي إليها حَقَّهَا عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ وقامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ واعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ العُدْلِ وجَرَتْ عَلَى أَذْلالِهَا فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وطُمِعَ في بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ويَئٍسَتْ مَطَامِعُ الأَعدَاءِ».

أيها الإخوة: لا يمكننا أن نتحدث عن الوحدة وعن الإصلاح ولا نتطرق إلى واقعنا اللبناني، إلى هذا الواقع المتأزم إلى درجة الإنفجار إلى هذه الحالة التي نعيشها منذ سنوات عديدة ونحن نحلم ونأمل بأن الفرج قريب والمخرج من المأزق الذي نحن فيه بات متيسراً ولكن فجأة تنقلب الأمور وتعود بنا إلى مرتبة الصغر لتبدأ الرواية من جديد سيادة واستقلال ووحدة وعيش مشترك وحقيقة واستقرار وعدالة وتوازن طائفي ومشاركة وميثاق وكل هذه الهمروجة من العناوين والمعزوفة من الشعارات التي كادت أن تتحول إلى لكمات مبتذلة لم تعد تعني المواطن بشيء، فهي لن تقدم ولن تؤخّر في مسار ومسيرة هذا البلد إذا لم نخرج جميعاً من هذا النفاق، وهذا التكاذب وكل هذه السياسات التلفيقية والتحايلية والإفسادية التي تمارس بشكل فاضح وواضح وعلى كل المستويات والناس عنها ليسوا بغافلين.

لقد بتنا جميعاً ندرك بأن البلد في مهب الريح، فوحدته في خطر، وأمنه في خطر، واستقراره في خطر، واقتصاده في خطر، وكيانه في خطر، إذا لم يسلم الجميع لاسيما الذين يراهنون على المحكمة الدولية وعدالتها المزعومة بأنها فتنة حقيقية يراد من خلالها أخذ البلد إلى الفصل الأخير من فصول المؤامرة ليس على لبنان فحسب، بل على كل دولة عربية وإسلامية، لا نقول هذا من باب التهويل بل من باب التحذير ورفع الصوت عالياً نقول هذا لننبه الجميع ونلفت نظر اللبنانيّين المضللين والمسترهنين للإملاءات الأمريكية وبالأخص الرئيس سعد الحريري لعله يستدرك قبل فوات الأوان فيعود إلى حيث يجب أن يكون بين أحضان أهله وشعبه وأمته، واضعاً حداً لهذه المسرحية التي أسماها المحكمة الدولية متحرراً من كل الابتزازات والضغوطات الأجنبية ومعلناً بصدق وإخلاص وثبات عن انطلاقة مسيرة وطنية فعلية لا طائفية ولا مذهبية يتلاقى فيها الجميع ويتشاركون في حمل المسؤوليات الكبرى التي تحصن البلد وتعيد الأمل إلى اللبنانيّين بإعادة بناء دولتهم القوية القادرة على حمايتهم وحفظ حقوقهم وصون سيادتهم والذود عن استقلالهم، هذه الدولة لا تقوم ولن تقوم إلا وفق معادلة واحدة ووحيدة « الجيش والشعب والمقاومة».

الشيخ هشام خليفة [17]

الحمد لله الذي جعل النجوم علامات الهداية في السماء... وجعل علاماتها في الأرض العلماء...

والصلاة والسلام على سيدنا محمد محب العلم وأهله... الداعي إليه والحاث على طالبه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد... أيها الحضور الكرام أهل العلم والتكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فإنها لفتة كريمة مباركة من المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان ومن المجمع العالمي بين المذاهب الإسلامية وكذلك من تجمع العلماء المسلمين وجمعية الإمام الصادق رضي الله عنه للبحوث لدعوتهم الوحدوية الحضارية هذه بإقامة مؤتمر دولي لتكريم عالمين علمين كبيرين من علماء العالم الاسلامي وهما سماحة الشيخ عبد الله عثمان علايليM، وسماحة العلامة الشخ محمد جواد مغنية M.

ونحن في دار الفتوى وباسم السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية سماحة الشيخ الدكتور محمد رشيد راغب قباني الذي شرّفني وكلّفني بتمثيله بينكم بإلقاء كلمةٍ في هذه المناسبة التاريخية المهمة التي لم يسبق لها مثيل، نحيي القائمين على هذا العمل العلمي الوَحدوي التوحيدي والذي نرى أن بإنعقاده يحقق الإيجابيات التالية:

أولاً: تكريم لمن يستحق ذلك والذين هم محل تكريم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﭽ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐﰑﭼ[18] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».

ثانياً: تأكيد عملي على نشر ثقافة الوحدة والتلاقي بين المسلمين، خاصة ونحن في أجواء أسبوع الوحدة الإسلامية والتي يرسخ مفهومها الصحيح، ويعمل العلماء على صونها وحمايتها، وذلك على نقيض أهل الجهل والأهواء الذين لا ينطقون ولا يعملون إلا بالتفرقة والتجزئة والتعصب.

ثالثاً: هذا المؤتمر يضفي أجواءً من الاستقرار والطمأنينة لدى العامة والخاصة من المسلمين وينزع فتائل العصبية والتعصب وذلك عندما يجمع في تكريمه بين عالمين علَمَين من أعلام السنة والشيعة في إطارٍ حضاري متطور منفتح على أسس من الفكر المستنير والثقافة الواسعة والعلم الشرعي الوسطي والحداثة العالمية.

مجدداً وباسم صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية نتمنى لمؤتمركم التوفيق وتحقيق الأهداف المرادة منه، وأن يكون باكورة خيرٍ لشحذ الهمم وتحريك الإرادة لدى المعنيين للإهتمام بعلماء الأمة وتكريمهم وخاصة تلكم النخبة من العلماء الحقيقيين الذين سمتهم سعة الأفق وسهولة استيعاب الواقع والأشخاص والظروف، والذين يتحركون ضمن بوتقه واحدية الأمة وشمولية العلم والمعرفة ويرتكزون على محور التلاقي والتقارب.

رحم الله العلامة الشيخ عبد الله عثمان العلايلي ابن العائلة الكريمة التي أخرجت للأمة علماء كبار أمثال شقيقه أمين الفتوى السابق في الجمهورية اللبنانية عنيت به الإمام العلامة الشيخ مختار عثمان العلايليM.

ورحم الله العلامة الشيخ محمد جواد مغنية سليل آل مغنية الكرام الذين توارثوا العلم واحتضنوه.

شكراً لكم جميعاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. عمر الحلبلب[19]

أصحاب المعالي والسعادة

أصحاب السماحة والفضيلة العلماء

أيّها الحفل الكريم يسعدني ويشرّفني تمثيل معالي وزير الثقافة الاستاذ تمّام سلام في المؤتمر الدولي لمناقشة فكر العالمين الكبيرين الشيخ عبدالله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية.

إن التغيير والإصلاح والوحدة وهي عناوين المؤتمر، مفاهيم أساسيّة في الأديان السماويّة. فالتغييرهو الذي رافق الدعوات الدينيّة للإنتقال من الجهل إلى المعرفة، ومن نظم الإنفلات المجتمعي إلى نظام البناء المجتمعي القائم على العدل والمساواة والتكافل والوحدة. هكذا كانت المفاهيم تاريخيّاً... وهكذا هي اليوم تتجسّد بالداعين للوحدة بين الأديان والمذاهب، والداعين للتجديد والإصلاح وفهم الدين في أطره المعاصرة.

إنّنا نواجه اليوم مخاطر كبيرة تجنح بالإيمان والدين بصورة عامّة نحو ضحالة الفكر الإستهلاكي الذي بات من أخطر أهداف العولمة ونتائجها السلبيّة على المجتمعات، كما بات من أخطر أسباب التفكّك في الشعوب والمجتمعات بلا تمييز بالدين أو المذاهب.

إن اختيار هذين المفكرين الكبيرين هو اختيارُ معالجة الموضوع في إطار فكري نهضوي عقلاني، بسبب ما تميّز به الشيخ عبدالله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية من كتابات ونقاش هو قمّة الحوار العاقل القادر على إنتاج مفاهيم قادرة على تجاوز مخاوف الصدام مع الحداثة في عالم سريع التغيّر في كلّ الإتجاهات.

فالشكر جزيلٌ للذين دعوا لاسبوع الوحدة الإسلامية... والمؤتمر الدولي في فكر العالمين الكبيرين الشيخ عبدالله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية. والشكر لهم جميعاً على هذه الإضاءة على آثارهم الفكرية والعلمية المميّزة في مرحلة يبدو فيها العالم كلّه بحاجة إلى التجديد والتغيير والإصلاح والوحدة.

لقد كان هذان المفكران يغرّدان خارج إطار العصر الذي كان يتراجع بوتيرة متسارعة مفسحاً المجال لتقدّم العولمة بكل فكرها ومآربها. فعصر الفكر والثقافة الدينيّة والتربية المجتمعيّة الذي ينطلق منه العالمان الكبيران لم يكن قادراً على الوقوف في وجه تيّارات الحداثة وما بعد الحداثة. ولذلك فقد جاءت أفكارهما التجديديّة خارج المألوف... يتخوّف منها المنغلقون في العصبيّات العقائديّة، ويرفضها الجاهلون لأنّ فيها دعوةٌ للربط بين الدين والمعاصرة، في تجانس فكري يتصدّى للذين استسهلوا الإنسياق الأعمى لمدّ العولمة الجارف.

لقد فهم هذان المفكّران الرائدان أن الثقافة الدينيّة من هذا المنطلق تبدو أكثر فاعلية في اتجاه التجديد، فهي تعيد النظر إلى الدين انطلاقا من علاقته بالثقافة، على اعتبار أنها منظومة من القيم والمفاهيم والأعراف السلوكية واللغوية والنفسية التي تربط بمجتمع ما في سيرورته التاريخية. أن التجديد وثيق الصلة بالمفهوم الثقافي بالقدر الذي هو وثيق الصلة بالمفهوم الديني. أن ما هو ثقافي في المجتمع هو عامل متغير في الفهم والتصورات للقيم والأعراف التي ارتبطت تاريخيا وتطورت من خلال تطور المجتمع نفسه. بينما ما هو ثابت هو الدين باعتباره منظومة القيم العقائدية والأخلاقية التي تأسس عليها في بداية مراحلة الأولى. ان الحديث عن التجديد الثقافي والفكري في الفضاء المعرفي لا يعني العمل على استحداث قيم جديدة لا أصول لها أو لا تناغم فيها مع الأصول الفكرية والعقائدية، لان التجديد الثقافي يعني تجديد الفهم للدين بثوابته ومغيراته. فالتجديد هنا لا يتجه إلى الدين كمنظومة من العقائد والأخلاق وإنما يتجه الناس إلى الدين. ولعل هذا الفهم هو أبرز ما كان مشتركاً بين الشيخ عبدالله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية، منطلقين من ضرورة الحوار ونشر ثقافة التجديد منهجا للتفاهم والتعاون وتداول الآراء والأفكار، ومؤكدين على أهمية معايشة العصر من خلال نشر ثقافة التجديد والوحدة التي كانت هاجساً مشتركاً.

إنّ ثقافة التجديد والوحدة هي التجديد لمعاني الدين... والتجديد في الارادة الواحدة والفعل الواحد والعمل والواحد، والتجديد لمفهوم العلاقة بين مقتضيات الدين ومتطلبات العصر. كان الرجلان الكبيران منحازين الى التقدم والتجديد، عازمين عليه عزما لا يعتريه تردد، فميّزهما ذلك عن العديد من المفكرين المجدّدين، ولعلهّما في ذلك يجسّدان وحدة الفكر الذي كانا يسعيان إليه في الدين الواحد بعيداً عن فروقات المذاهب وأغراض السياسة التي طبعت عقوداً طويلة في العالم العربي والإسلامي.

حسناً يفعل منظمو هذا المؤتمر في اختيار الموضوع والمفكرين اللذين يعبران فعلاً عن أهم الأهداف المشتركة التي تخدم الحركة التقريبية المعاصرة بين الأديان والمذاهب من خلال الثقافة والفهم العقىلاني للجذور ومعاصرتها للحاضر والمستقبل.

نتمنى التوفيق لأعمالكم والسلام عليكم...

أ. محمد رضا شيباني[20]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين منذ آدم إلى قيام يوم الدين.

دولة الرئيس، أيها الحفل الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يقول الله تعالى في محكم كتابه المجيد:

بسم الله الرحم الرحيم ﭽﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﭼ[21].

إن الدعوة الإلهية التي صدح بها جميع الأنبياء والمرسلين لا سيما النبي المصطفى محمد P كانت دعوة توحيدية لعبادة الله الواحد والتوحد حوله وعلى هديه وهداه في مختلف نواحي الحياة صغيرها وكبيرها ليكون الله تعالى محور الحب واللقاء والالهام والسعادة والرقي والكمال وليشكل الإعتصام بحبل الله تعالى سبيلاً لنجاة الأمة من الفرقة والخلاف وطريقاً لقوتها وعزتها ومنعتها.

وعلى هذا المنوال دأب السلف الصالح من الأنبياء والأئمة والصحابة والأولياء على ترسيخ الدعوة الإلهية بين الناس وحدة في تنوع واختلاف دون خلاف وتنازع وشقاق ليتكامل الناس جميعاً بعربهم وعجمهم ومختلف أجناسهم وأعراقهم في عبوديتهم لله الواحد ولينعموا بالسلام والهناء والسعادة...

ومن وحي الإلتزام بالنهج الإلهي والتعاليم السماوية الداعية للمحبة والسلام والأخوة والوحدة كان هذا اللقاء المبارك لدولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري الذي ينعقد تحت اسم المؤتمر الدولي في فكر العالمين الكبيرين الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية رائدي التجديد والوحدة الإسلامية...

هاذان العالمان الكبيران اللذان جسدا في جهادهما ومسيرة حياتهما الفكر الإسلامي الأصيل ودعوة السماء جمعاء بالدعوة إلى أصالة الفكر وينبوع الطهر الإلهي ليغرف الناس من معينه ما به خيرهم وفلاحهم....

أيها السادة...

إن إحياء مسيرة جهاد وذكرى هذين العالمين الجليلين وغيرهم من العلماء الكبار الافذاذ في تاريخ أمتنا المجيد ما هو إلا نداء واضح وصريح إلتزمته الثورة الإسلامية في إيران منذ قيامها ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﭼ[22] بالعودة إليه نهجاً والتزاماً وسلوكاً وحياة... لذلك كانت رسالة الثورة الإسلامية في إيران وقائدها وإمامها الامام روح الله الموسوي الخميني رضوان الله تعالى عليه الدعوة لوحدة المستضعفين ولوحدة المسلمين لانّ الوحدة هي السبيل الأوحد لرفع الظلم والقهر والإستعباد بمختلف أشكاله الذي يمارسه المستكبرون وطغاة العالم دعاة التفرقة والخلاف...

يقول الإمام رضوان الله تعالى عليه:

الوحدة واجب على جميع المسلمين... والفرقة من الشيطان والإتحاد ووحدة الكلمة من الرحمن...

وقال لو أنّ الشعوب المسلمة والتي تفوق المليار نسمة إتحدت مع بعضها وتآخت لتعذر على أعدائها الضرر بها... ولو كانوا يداً واحدة لما تمكّن أحد من مواجهتهم.

وأكد إمامنا العزيز بأنّ القرآن الكريم يحكم بأنّ جميع المؤمنين في العالم هم إخوة والأخوة متكافئون وأن لا أهمية للعنصر واللغة والقومية والإقليم في الإسلام، فجميع المسلمين سنّة كانوا أم شيعة هم أخوة متكافئون متساوون في المزايا والحقوق الإسلامية... مؤكداً رضوان الله تعالى عليه بأنّ الوحدة سرّ الإنتصار، وعلى هدى هذا الإمام العظيم والتزاماً بنهجه تمضي اليوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية والشعب الإيراني في ظل القيادة الحكيمة للولي القائد الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) وحكومة فخامة الرئيس الدكتور محمود أحمدي نجاد باعتماد سياسة الحوار والدعوة الى الموقف بين الشعوب العربية والإسلامية في مواجهة التحديات الخارجية والتوحد حول قضاياها الكبرى والمصيرية وفي طليعتها قضية الشعب الفلسطيني وضرورة توحد الأمة حول هذه القضية المركزية لا سيما وحدة كافة القوى والأحزاب والحركات الفلسطينية، داعمين خياره في المقاومة والجهاد ضد العدو الصهيوني.

إنّ سياسة اليد المفتوحة والقلوب المفتوحة هي ايمان وعقيدة راسخة في مفهومنا الإسلامي والسياسي مع كل شعوب العالم ومستضعفيه على قاعدة الإحترام والسيادة والتكامل في خدمة الإنسان ورقيّه.

ختاماً أتمنى للسادة المشاركين في أعمال هذا المؤتمر التوفيق والنجاح لإعلاء راية الوحدة والتوحيد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ أحمد الزين[23]

ó

ﭽ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐﰑ ﭼ[24] صدق الله العلي العظيم.

ويقول صلى الله عليه وعلى آله و صحبه في فضل العالم:» إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ» وهكذا نرى أن الله تبارك و تعالى قد أكرم العلماء ورفع منهم درجاتٍ بين الناس قبل أن يكرمهم الناس.

ونرى رسول اللهP قد بيّن لنا أنّ وظيفة العلماء هي استمرارٌ لوظيفة الأنبياء، وذلك حينما قال العلماء ورثة الأنبياء.

أما وظيفة الأنبياء فتنحصر بالدعوة لعبادة الله وحده والإلتزام بالقيم الإنسانية والأخلاقية التي جاءت بها الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم ومنها الإلتزام بالأخوة الإنسانية وتجاوز العصبيات القبلية والعرقية وكذلك المذهبية والطائفية وكذلك الإلتزام بالصدق والأمانة والمقاومة والتراحم بين جميع الناس.

ويأتي بعد الأنبياء العلماء ليحملوا على عواتقهم هذا الإرث جيلاً بعد جيل.

وإن الله تعالى قد كرّم الإنسان حيث قال «ولقد كرمنا بني آدم «، ورفع الله مكانته بين جميع الخلائق وجعله خليفةً على هذه الأرض وسخَّر له السموات والأرض لكي يستمر عليها و يعمرها ويشارك الكون بالحمد لله و الشكر والتسبيح ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﭼ[25].

وإنّ لقاءنا هذا هو من أجل تكريم عالمين جليلين هما الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية رحمهما الله تعالى، وإنني لن آتي على ذكر العدد الكبير من الكتب التي تركها لنا هذان الشيخان وسأكتفي بذكر كتاب المعجم الكبير الذي طبع في أربعةٍ و عشرين مجلداً وكتاب المرجع وهو معجمٌ وسيطٌ وكتاب مقدمة لدرس لغة العرب، جميعها تبرز اهتمام وجهود الشيخ عبد الله في خدمة اللغة العربية.

ولا ننسى كتاباً بعنوان أشعة سر حياة الحسين و آخر بعنوان تاريخ الحسين.

يؤكد سماحته من خلالهما إيمانه بعظمة الإمام الحسين عليه السلام وتتبعه الحثيث لأقواله، وقد تجاوز الشيخ في ذلك العصبية المذهبية وبخاصةٍ حين نرى تلك العلاقة الحميمة والصداقة المتينة بينه و بين المرجع الكبير سماحة السيد عبد الحسين شرف الدين.

ونأتي لسماحة القاضي و رئيس المحكمة الجعفرية في كتابه الفقه على المذاهب الخمسة الجعفري والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، لنرى هذا الكتاب مرجعاً في الفقه لجميع العلماء من جميع المذاهب و كيف تلتقي هذه المذاهب في كثيرٍ من الأحكام الشرعية والفرعية وأنّ الإختلاف هذا في الإجتهاد قد يحصل بين العلماء في المذهب الواحد.

وقد دعا سماحته إلى نبذ العصبية المذهبية، ويقول في مقدمة كتابه إن الذي يتعصب لمذهبٍ أي مذهبٍ هو أسوأ من الجاهل وذلك لأنه لم يتعصب للدين أو الإسلام وإنما تعصب لصاحب المذهب وكلنا يعلم أنه لم يكن في الصدر الأول مذاهب وفرق وكان الإسلام صفيّاً من كل شائبة و كان المسلمون في طليعة الأمم و كانت زيارة سماحة الشيخ محمد جواد مغنية للقاهرة واجتماعه بالعالم الكبير شيخ الأزهر سماحة الشيخ محمد شلتوت تتويجاً للوحدة الإسلامية و رفضاً للعصبية المذهبية و بخاصةٍ بين السنة و الشيعة، وهكذا يجتمع العالمان الجليلان على نبذ العصبية و الدعوة للوحدة بين المسلمين سنةً و شيعةً وصولاً إلى الوحدة الوطنية بين المسلمين و المسيحيين.

السيد محمد حسين رئيس زاده[26]

نلتقي في هذه الأيام المباركة على صراط الوحدة والإلفة والتواد. ولنجدد عهداً أطلقه الإمام الخميني الراحل(رض) قبل ثلاثين عاماً تحت عنوان أسبوع الوحدة الإسلامية.

إن الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية هي في حقيقتها أمرٌ دينيٌّ وعقليٌّ ذو مبادئ رئيسيةٍ في الشريعة المحمديةP. من منطلق الآيات القرآنية و الروايات الصادرة عن الرسول الأعظمP والأئمةR وبحكم العقل السليم قام العلماء والمفكرون الملتزمون بالقيم الإسلامية والحريصون على مصير أبناء الأمة الإسلامية بإنجاز هذه المهمة على مدى التاريخ. هذه الحركة هي من نتاج العلماء المسلمين من السنة و الشيعة الذين وجدوا كيف سعى أعداء الدين إلى أن يشعلوا نار الخلاف و العداوة بين مذاهب الأمة وذلك لأن الوحدة هي انتصار الأمة على عدوها تحت كل الظروف والمعايير.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية «التي بنت أركان و أسس حكومتها على الأصول والقيم الإسلامية» تنظر إلى الوحدة كأصلٍ رئيسيٍّ حاكمٍ على جميع سياساتها وقراراتها «وفي ضوء ذلك صارت الوحدة الإسلامية هي إحدى أسمى القيم التي نادت بها الثورة الإسلامية في إيران» وقامت بتحقيق هذا الهدف المهم والرئيسي في ساحتي العمل والنظر.

«إن واقع الأمة الاسلامية وشعوبها يحتاج اليوم وأكثر من أي يومٍ مضى إلى التوحُّد على الكلمة السواء بعيداً من العصبيات وثقافة الفتنة».

والحق يقال إن المراد الجوهري من الوحدة كما قال السيد القائد آية الله العظمى الإمام الخامنئي} هو التعامل بين أبناء الأمة الإسلامية على صراط الموعظة الحسنة وعلى أساس المنطق والسلام والتراحم. وهو ما يراد منه أيضاً الصمود في وجه العدو المشترك الذي استهدف وحدة الإسلام والمسلمين كافةً؛ وبالتالي فلا تناقض على الإطلاق بين الوحدة الإسلامية والوحدة الوطنية.

الاخوة والأخوات:

إننا إذ نفتتح مؤتمرنا الدولي هذا إحياءً لفكر وفقه العالمين الكبيرين الشيخ العلايلي والشيخ مغنية نسأل المولى تعالى أن يحفظ وحدة لبنان الشقيق بجناحيه المسلم والمسيحي وأن يصون وحدة المسلمين لإنجاز تقدمهم ونهضتهم المقبِلة. وفي الختام أرحب بكم مرةً أخرى وأشكر حضوركم.

الشيخ حسن بغدادي[27]

راعي مؤتمرنا دولة رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري..

أيها الحفل الكريم..

إنّ مدة الكلمات التي قيّدنا أنفسنا بها لا تسمح لنا باستعراض تفاصيل الحيثيات العلمية والفكرية التي تمتع بها العلامتان الشيخ محمد جواد مغنية والشيخ عبد الله العلايلي، تاركين هذه التفاصيل للسادة الباحثين، دون أن نُعفي أنفسنا من الإطلالة على بعض حيثيات هذه الأفكار والرؤى. ثمّ إنّ أقلّ الواجب أن نحيي ذكرى هؤلاء الأعلام ونناقش أفكارهم ونستعرض سيرتهم، لما فيها من غنى على الصعيد العلمي والفكري والسياسي والإجتماعي، كي نسير على ذات الخطى والنهج.

إنّ المباحث العلمية والفكرية عند هذين العلمين تقع ضمن إطار التطوير والحداثة التي يجب تتبعها دُون المسّ بجوهر هذه الأفكار، لا إلغاءً ولا تعديلاً.

انّ المنهج الفقهي الذي اعتمده هذان العالمان يُظهر قيمة الفقيه القادر على إنتاج الفقه من منبعه الأصلي، بما لايتعارض مع المبادئ العامة لقواعد الفقه، ولا يمسّ جوهر النصوص الصحيحة الواردة عن رسول الله P والأئمة الأطهارR.

هذا المؤتمر، يُعالج عناوين كثيرة تطرّق إليها العلامتان الجليلان مغنية والعلايلي في مصنفاتهما القيّمة، فبعضها متعلق بالفقه وتطوير الإجتهاد، وبعضها الآخر بالتاريخ وفهم حيثياته وقراءته قراءةً بعيدةً عن التعصب والإنتماء المذهبي، وآخر ما هو متعلق (باللغة) والمحافظة عليها، والعمل على نشرها وتطبيقها، وخصوصاً في ظل عملٍ مدروس لتشويه اللغة وإدخال مفردات غريبة عليها، كي يبتعد مجتمعنا بالتدريج عن ثقافته العربية والإسلامية، خصوصاً إذا ما ترافق ذلك مع مشروع فكري ومساعدات تربوية واجتماعية.

كما عمد مغنية والعلايلي إلى استخدام أسلوب عصري يتماشى وتطور المجتمع، وبطريقة تنسجم مع الواقع المعاش في عصرهما، ممّا يساعد على فهم الأفكار والرؤى الإسلامية التي تُشكل الإطار الصحيح للمحافظة على (الهوية). هذا ناهيك عن الإصلاح الإجتماعي والسياسي والمؤسسات الدينية، والعمل الجاد على الوحدة بين المسلمين والتقريب بين المذاهب الإسلامية. وهنا يجب أن نفرّق بين: الوحدة بين المسلمين التي لها طرقها الخاصة، وبين المنهج التقريبي. فالوحدة لها شعاراتها الناظرة إلى لمِّ الشّمل وجمع المشاعر، ومن مصاديقها: العمل الجهادي، وتوحيد الجهود المشتركة، كالإلتزام بخيار المقاومة، والدفاع عن الأوطان، وتحرير فلسطين، وهذا ما يُحتّم على العلماء والمفكرين والمصلحين أن يبحثوا عن الآليات التي تُوصل إلى جمع مشاعر المسلمين ولمّ شملهم، فقضية العيد وما تحتويه سواء ما هو متعلق بشهر رمضان المبارك، أو ما له علاقة بالوقوف بعرفات والمبيت بمنى والرجم والحلق يوم العيد، هذه الأمور لا يمكن أن يختلف المسلمون حولها، خصوصاً في مناسك الحج، بل يجب أن نصل إلى حدود الإجماع حولها، كي تكون مظهراً من مظاهر قوة المسلمين وعزّة الإسلام.

أمّا التقريب بين المذاهب الإسلامية، فله آلياته الآخرى، من توحيد الفقه والفقه المقارن، والبحث في القواسم المشتركة، والإبقاء على المسائل الخلافية التي لا تفسد في الودّ قضية، وهي موجودة أصلاً داخل المذهب الواحد.

أيها السادة:

مؤتمرنا هذا ينعقد في أسبوع الوحدة الإسلامية، التي أرادها الإمام السيد روح الله الخميني {، إحدى المحطات الأساسية للمسلمين في السَّنة، كي يلتفتوا فيها إلى المسائل الأساسية ذات الصلة بوجودهم وبضرورة تحصين ساحاتهم من الإختراق والتشتت، حتى لا يستفيد الأعداء من هذا (الوهن) ويتسلّلوا إلى صفوفنا - كما يحدث اليوم - مع من يسمّون أنفسهم بالوهابية، ونسميهم نحن بالمنهج التكفيري.

سنضع هذا المؤتمر في سياق الوحدة الإسلامية والمنهج التقريبي بين المذاهب الإسلامية، وإن كنّا نتحدث عن عالمين مختلفين من حيث الإنتماء المذهبي، إلا أنهما متحدان بالمحتوى والأسلوب، وتكاد لا تميّز بينهما، لما لهما من آراء متقدمة ومتطابقة في شتى الميادين والعلوم والأفكار، وبالأخص قضية التقريب بين المذاهب الإسلامية، من دون أن نلغي خصوصية كلّ واحد منهما، وطريقته الخاصة في الوصول إلى تحقيق مشروع الوحدة والتقريب بين المذاهب. وإلى اليوم، قد طُرِحت العديد من المناهج والأفكار التقريبية، من شخصيات علمائية ومفكرين، كتوحيد الفقه والفقه المقارن، وتشييد جامعة إسلامية، أو إقامة الدولة الإسلامية أو جمع الأحاديث المشتركة الواردة عن رسول الله P من طرف السنّة والشيعة، وهذا ما قام به دار التقريب في القاهرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وكُلّف بهذه المهّمة آنذاك آية الله السيد صدر الدين الصدر والد الإمام السيد موسى الصدر.. إلخ.

العناوين التي طرحت، قطعاً بعضها يصلُح في كل المراحل، وخصوصاً فيما يتعلق بالفقه وجمع الأحاديث، إلّا أنني أجد أنّ الأكثر إلحاحاً هي العناوين المرتبطة بوحدة المسلمين، من لمّ شملهم وجمع مشاعرهم، وهذا يتطلب أن يجتمع علماء المسلمين ويبحثوا في آليات جديدة، تصلح أن تتماشى مع عصرنا الحاضر، والعمل على إيجاد مساحة عاطفية يشترك فيها المسلمون بالأحاسيس والمشاعر، ولهذا نجد القرآن الكريم الذي يحث المسلمين على الوحدة والمحبة، إنطلاقاً من قوله تعالى: ﭽ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﭼ[28]، ولم يقل ألّف بين عقولكم، فمخاطبة العقول وإقناع الآخرين له طرقه وظروفه الخاصة، فجمعُ الناس على الأمور العقلية أمر في غاية الصعوبة، ومن باب النكتة أقول: (هذا إذا كان هناك عقول عند الكثيرين).

اليوم، عملية جهادية ضد الصهاينة تقرّب مسافات كبيرة بين المسلمين، وتحثّهم على الجهاد وتجمعهم على حب (فلسطين)، أكثر من عشرات المجلدات ومئات الخطب الرنانة الداعية للوحدة والمحبة. فاليوم نحن بحاجة ماسّة إلى البحث عن آليات جديدة تجمع مشاعر الأمة، وتجعلها تلتفّ على نفسها، كي نقف في وجه الإستعمار والمتآمرين، ونُخرج المنافقين من صفوفنا، والذين هم أدوات في أيدي الغرب، للنيل من وحدة المسلمين، وكي لا تُتاح لهم فرصة تشويه الإسلام ونهب ثروات المسملين، خصوصاً أنّ هناك بعض الأنظمة الرخيصة جاهزة من أجل نزواتها لتدمير البلاد والعباد، واستخدام الوهابية لأجل شقّ عصا المسلمين. ولعلّ حسّ المسؤولية وفهم الدين الصحيح وإدراك المخاطر، هو الذي جمع (مغنية والعلايلي) وقرّب بينهما المسافة، فكانت الإبداعات الفكرية والمسار العلمي، ولعل أبرز المواقف التي شددا عليها، كان الأساس فيها المعاناة التي عاشاها في الحرب العالمية الأولى، وما حدث من تداعيات بعد نهاية الحكم العثماني إلى قيام الإنتداب الفرنسي، والنكبة التي مرّت على فلسطين، كل هذه القضايا جعلت من العلامتين الجليلين (مغنية والعلايلي) يعيشان مسؤولية كبيرة تجاه الأمة وقضاياها.

ويمكن تلخيص بعض المشتركات التي اجتمعت في شخصيتها وهي على الشكل التالي:

  1. نظرتهما إلى الإنسان الذي له ميزته وتميزه عن بقية المخلوقات.
  2. الطريقة العلمية والمنهج الفكري، حيث لاحظا فيهما مصلحة الإنسان وتطور المجتمع.
  3. إطلاق العنان للحركة الإصلاحية والثورة على الظلم والفساد، حيث لم يُوفّرا أحداً من النقد البنّاء والموضوعي لأجل الإصلاح، وهذا ما شمل حتى المؤسسة الدينية في النجف الأشرف والأزهر الشريف.
  4. الوحدة الإسلامية والعمل على جمع المسلمين، والتقريب بين المذاهب الإسلامية، والدعوة إلى الخروج من العصبيّات المذهبية، من خلال الدعوة للإنتماء إلى الدين، وليس إلى المذهب مباشرةً، فالمسلمون أحرار فيما يقتنعون به من الإلتزام بأي مذهب يوصلهم إلى هذا الدين.
  5. تطوير الإجتهاد وفتح الباب على مصراعيه، كي تُقطعْ الطريق على المصطادين بالماء العكر، ويمنع تسلل الجهلة وأجهزة المخابرات من خلال دسّ مشايخ عملاء وجهّال في صفوفنا، وما أجمل أن يأتي ذلك اليوم الذي يخرج فيه المنافقون من صفوفنا.

في ذكرى العلامتين (مغنية والعلايلي)، ما أحوجنا أن نعود اليوم إلى تلك المدرسة والذهنية، وإلى تلك المرتكزات من الإصلاح والوحدة والتقريب والتطور الفقهي، من دون الإكتفاء بهذه العناوين التي طرحها السلف الصالح رغم أهميتها وضرورة الإستمرار بها، إلا أنه يجب البحث في آليات جديدة تنسجم مع مرحلتنا.

في الختام:

أشكر السادة العلماء والباحثين من مختلف البلاد الإسلامية على جهودهم التي بذلوها في سبيل الإضاءة على النتاج العلمي والفكري لهذين العالمين الجليلين اللذين صنّفا في الفقه والتفسير والتاريخ واللغة، وكانت لهما آراء متطورة تتماشى مع مصلحة المسلمين، بحيث لم يتوقف قلمهما عن الإعتراض على الفساد والسياسات الخاطئة، ولم يتوقفا عن الدعوة والتقريب بين المذاهب حتى النفس الأخير من حياتهما.

كما لا بد من شكر خاص لراعي هذا المؤتمر دولة رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، والشكر موصول بالسادة: نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، وآية الله الشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وحجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن أختري أمين عام المجمع العالمي لأهل البيت R، والسيد محمد حسين رئيس زاده المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت، وسماحة الشيخ أحمد الزين رئيس مجلس الأمناء في تجمع علماء المسلمين، كجهات مشاركة في إقامة هذا المؤتمر، كما لا بد من شكر نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ عبد الأمير قبلان، ومفتي الجمهورية اللبنانية سماحة الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني، ودولة الرئيس تمام سلام، وسعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت السيد محمد رضا شيباني، والسادة الوزراء والنواب والفعاليات السياسية والإجتماعية والثقافية وقيادتي حزب الله وحركة أمل، والإعلاميين والأخوة والأخوات.

[1] دولة رئيس مجلس النواب.

[2] سورة يوسف الآية: 108.

[3] نائب الأمين العام لحزب الله.

[4] تجارب مغنية، ص: 214.

[5] سمو المعنى في سمو الذات، ص: 98.

[6] تاريخ الحسينQ، ص: 225.

[7] سورة آل عمران، من الآية: 103.

[8] الإسلام مع الحياة، ص: 63.

[9] جبر جميل، لبنان في روائع أقلامه، ص: 324.

[10] تجارب مغنية، ص: 458.

[11] معركة القومية، العدد: 57.

[12] سورة الروم، من الآية: 47.

[13] مستشار قائد الثورة الإسلامية الإيرانية ورئيس المجلس الاعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

[14] سورة آل عمران الآية: 105- 106.

[15] ممثلاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان.

[16] سورة هود الآية: 116-117.

[17] كلمة مفتي الجمهورية اللبنانية سماحة الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني.

[18] سورة المجادلة الآية: 11.

[19] مدير عام وزارة الثقافة ممثلاً دولة الرئيس تمام سلام.

[20] سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.

[21] سورة آل عمران الآية: 103.

[22]سورة سبأ الآية: 46.

[23] رئيس مجلس الأمناء في تجمع العلماء المسلمين.

[24] سورة المجادلة الآية: 11.

[25] سورة الإسراء الآية: 44.

[26] المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.

[27] عضو المجلس المركزي في حزب الله والمشرف على أعمال المؤتمر.

[28] سورة آل عمران، الآية: 103.

الفصل الأول

الوحدة الإسلامية
والمنهج التقريبي

الأبحاث:

التقريب بين الأديان

الأب د. انطوان ضو[1]

الإسلام دينٌ من الأديان السماوية ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ [2].

الإسلام دينُّ واحدٌ بمذاهب متنوعةٍ وأمةُ واحدةُ لشعوبٍ متعددةٍ وحضارةٌ بحضاراتٍ وثقافةٌ بثقافاتٍ وعلمٌ بعوالم وأممٍ كثيرةٍ يتساوى أفرادها في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات الوطنية.

المذاهب في الإسلام هي مذاهب شقيقةٌ ومدارس فكريةٌ وفقهيةٌ واجتهاديةٌ وتنوّعٌ في الأفكار والآراء، وحركة وعيٍ أصيلٍ وجديدٍ بالإسلام تهدف إلى إغناء الفكر الإسلامي وتجديده وتقدّمه وتطوره في خدمة الإسلام والمسلمين والعالم كله.

إن المذاهب ذات تراثٍ مشتركٍ تعيش على أرضٍ واحدةٍ أحياناً، بيئةٌ واحدةٌ قضاياها وهمومها ورسالتها ومصيرها واحدٌ.

المسيحيون يؤمنون بكنيسةٍ واحدةٍ جامعةٍ مقدسةٍ رسوليةٍ، وهم منقسمون كنائس وجماعاتٍ مسيحيةً عديدةً والحركة المسكونية هي حوارٌ جامعٌ من أجل تحقيق الشراكة والوحدة في التنوع.

التقريب بين المذاهب هو فقه الإصلاح والتجديد والوعي النقدي والشجاعة الأدبية. إنه فكر التفسير والتأويل والإجتهاد والتأمين من أجل أن تبقى كلمة الله حية الضمائر والقلوب ومشرقةً وفاعلةً ومخلصةً في كل زمانٍ ومكانٍ.

التقريب يقوم على التأكيد على المشتركات وضرورة توحيد المسلمين وتعاونهم وعدم تناحرهم وتوحيدهم. واللجوء إلى الجدال بالتي هي أحسن، وضرورة اتخاذ المواقف الحكمية العقلانية والتمييز بين المسائل الأصولية المتفق عليها والفروع والإختلافات الفرعية.

إن الإحتجاج يكون بالدليل. والتكفير والتناحر والتقاطع والتخالف والتباغض والتنابز والتسرع والإشاعات والإتهامات الباطلة وسوء الفهم والجهل والخلافات والتفرقة والإنقسام كلها أمورٌ خارجةٌ عن الإسلام إنها آراء ومواقف شخصيةٍ واستغلالٌ للإسلام من أجل مصالح خاصةٍ وفئويةٍ وسياسيةٍ.

إن ما جمع الله عليه القلوب وألف بين المسلمين يجب احترامه. ولا يجوز لأحدٍ رمي الآخر بالكفر لأن السيد المسيح يقول «لا تدينوا لئلا تدانوا».

إن التقريب هو حركةٌ إسلاميةٌ أصيلةٌ ونهضويةٌ إصلاحيةٌ من أجل التغيير نحو الأفضل وبناء المستقبل السعيد وتحقيق دعوة الإسلام.

علينا الإلتزام الحقيقي الشجاع والصادق بفكر التقريب والمسكونية والوحدة والإنفتاح على المذاهب والطوائف لا سيما على المسيحين والمسلمين لأننا لسنا في صراعٍ وعداءٍ بل نحن في تحالفٍ واحترامٍ وحتى لسنا في تحالف إنما نحن نؤمن بالله واحدٌ إخوانٌ وأصدقاءٌ وشركاءٌ وشريعتنا هي محبة كل إنسان في هذا الكون.

علينا أن نثق بأنفسنا، ونحمل هموم بعضنا وأن نكون متنبهين يقظين متكلين على الرّب الذي ينير عقول الجميع ويرعانا أجمعين.

علينا عدم الإنفصال وتخفيف التوتّرات المتزايدة بين المذاهب والطوائف.

علينا فهم الماضي على حقيقته وتوقع المستقبل الذي نحلم به.

الحوار بين الأديان

الحوار بين الأديان يخطو خطواتٍ متقدّمةً جداً بدعمٍ من اللاهوتيين والعلماء والفقهاء وأهل الفكر والإجتهاد والثقافة والسياسة وحتى من كبار الحكام المسلمين والدول الإسلامية.

إن تفعيل فكر الحوار الديني وتعميقه هو تفصيلٌ لفكر الإنفتاح والإعتدال والوسطية والتسامح والتعاون، وبناء حضارة العدالة والسلام والمحبة.

إن الحوار المسيحي الإسلامي هو أولويةٌ وأساسٌ بالنسبة لنا رغم احترامنا لسائر الديانات الأخرى. لذلك علينا أن نولي هذا الموضوع الحيوي أهميةً قصوى رغم رفض البعض لهذا المشروع الحضاري لخلطهم بين الدين والسياسة والإنغلاق والتخلف والجهل والتعصب.

إن الحوار المسيحي الإسلامي يفترض أولاً حواراً جاداً بين الكنائس والجماعات المسيحية التي تعاني من انقساماتٍ حادةٍ ومشاكل عدةٍ كما نحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى حوارٍ إسلاميٍّ إسلاميٍّ يعمل على التقارب والتقريب والوحدة بين المسلمين الذين يعانون من الخلافات المذهبية التي كانت ولا تزال جرحاً كبيراً في الجسم الإسلامي وفي حياة الأمة.

عندما يقبل المسيحيون بعضهم بعضاً والمسلمون بعضهم بعضاً باحترامٍ ومودةٍ ولطفٍ وتواضعٍ يتحررون من عقدٍ وحساسيةٍ كثيرةٍ ورثوها من الماضي ويعيدون إنتاجها في الحاضر، إخلاصاً إلى الحوار المسيحي الإسلامي لتصبح العلاقات بين المسيحين والمسلمين الذين يشكلون أكثر من نصف البشر ويحملون رسالةً كبرى عند ذاك يصبح الحوار مشروعٌ وفي خدمة البشر جمعاء علينا أن ننمي الثقة بين المسيحين والمسلمين وأن نتعاطف ونتفاهم ونتعاون ونتضامن ونحب بعضنا بعضاً كما أحبنا ويحبنا الله تعالى فنلعب دوراً إيجابياً في بنيان العدل والسلام وملكوت الله على الأرض ونحقق التنمية البشرية المستدامة مقرنةً بروح المحبة والتراحم.

ثقافة الحوار

الحوار هو علمٌ وثقافةٌ وفنٌ وتربيةٌ وحياةٌ إنه ضرورةٌ إنسانيةٌ جيدةٌ ودعوةٌ إلى التعقل والمرونة واحترام التنوع وإزالة سوء الفهم وتعزيز التربية الدينية المتسامحة والمدنية الحقة وتنشيط التقارب وتعزيز الوحدة.

كلمة الحوار تعني التلاقي والتخاطب في قضايا الإختلاف بلطفٍ وهدوءٍ ومرونةٍ وعقلانيةٍ وكلمةٍ وبرهانٍ.

الحوار صورةٌ متقدمةٌ من التعارف الذي يدعو إليه القرآن الكريم ﭽ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﭼ [3].

الحوار بحاجةٍ إلى العقل، والعقل الذي يميز ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﯻﭼ [4].

حوار مشروعٍ إنسانيٍّ حضاريٍّ ثقافيٍّ روحيٍّ دائمٍ.

إن ثقافة الحوار تبدأ مع الذات ومع الآخر في العائلة والمدرسة والمجتمع المدني والمؤسسات والدولة وبين الأديان والحضارات والشعوب والدول.

الحوار يقوم على الإعتراف بالآخر المختلف ومعرفته كما هو وضرورته لنا واحترامه والعيش معه بتفاهمٍ وتعاونٍ وتفاعلٍ وشراكةٍ ووحدةٍ وسلامٍ ومحبةٍ.

الحوار يقوم أيضاً على احترام الحرية، حرية المعتقد والرأي والفكر وكرامة وحقوق الإنسان والمواطنية والعدالة والمساوة والتسامح والمصالحة والإخوة.

الحوار الجاد الفاعل عليه أن يقودنا إلى المعرفة الحقيقية والإنفتاح على الأديان حركتها الداخلية ومع الخارج ويوصلنا إلى العمل معاً من أجل الخير العام واكتشاف وتحقيق رسالة التفاهم والوفاق والمصالحة والسلام والتسامح والمحبة بين الأفراد والجماعات والشعوب والأديان.

إن حديث الحوار وتنميته وتقدمه هو مسؤولية الجميع.

ودينامية الحوار تقوم على تأهيل وتجديد وتطوير الفكر الحواري من أجل اللجوء إلى الحوار والوسائل السلمية في التعامل مع الصعوبات والخلافات والتوترات.

فكر الحوار هو فكرٌ هادئٌ موضوعيٌّ واسعٌ يتحمل الإختلاف والنقاش والنقد العلمي.

فكر الحوار هو فكرٌ جامعٌ ولينٌ وفكر إجماعٍ.

على أصحاب رسالة الحوار أن يستوعبوا كل أسباب الخلاف والإنقسام وأن يؤمنوا بأن الحوار وحده هو الذي يعالج الإختلاف والخلاف والإنقسام ويقدم أفضل الحلول الإنسانية المعاصرة.

فقه الحوار: علينا أن نقوم بمبادراتٍ فقهيةٍ ولاهوتيةٍ تقريبيةٍ ومسكونيةٍ جديةٍ ومراجعةٍ نقديةٍ متبادلةٍ واعتذاراتٍ صادقةٍ بضميرٍ حيٍّ ونيَّاتٍ طيِّبةٍ وإراداتٍ صالحةٍ من أجل إحداث تغيراتٍ في الذهنيات والفكر والسياسات وترسيخ المصالحة والتعاون والشراكة بين المذاهب والطوائف والنظر للمستقبل بمسؤوليةٍ وأملٍ ورجاءٍ.

الحوار هو خيارٌ شجاعٌ وعملٌ دؤوبٌ وإرادةٌ صادقةٌ وانفتاح عقلٍ وقلبٍ نحن متأثرون بفكر الصدام بين العقل والقلب، بين الروح والمادة، بين الدولة والدين، بين الفكر العلماني الملحد وبين المؤمنين بين المشرق والمغرب، بين الأديان والثقافات والحضارات....

علينا تجديد الخطاب الديني وفقه الحوار ومواجهة التحديات الجديدة الحضارية والفكرية والسياسية التي باتت تفرضها العولمة والتطور السريع والتقدم العلمي والإنتقال من لغة الإنفصال إلى لغة المحبة، من أجواء التشنج وردود الفعل إلى عمق التفكير والإنفتاح والتواصل والتعاون والإيجابية والثقة خلال سياساتٍ جيدةٍ وبرامج خلاقةٍ.

الدور التقریبي للعلمین
«مغنیة والعلایلي»

الشيخ د. محمد مهدي التسخيري[5]

ﭽﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ [6]

مقدمة:

إن دور العلماء المصلحین في مجتمعاتهم وتأثيرهم الإيجابي في تغییر الأمة نحو الأفضل یبقی معلماً خالداً في تاریخ الشعوب والأمم علی مر التاریخ، فهؤلاء القادة المفكرون الذین تحملوا الصدمات والمتاعب والعناء والمصائب لمقاومة الجهل والظلم والإضطهاد من أجل هدایة البشریة التي قد التبس علیها كثیرٌ من الأمور وأصبحت الأعمال السلبیة والمنحرفة عادة ً لدیهم وعرفاً، ومتی دُعوا إلى التغییر، تمسّكوا بها دون علمٍ وبصیرةٍ وكأنهم یساقون نحوالأسوء من العذاب في حیاتهم المادیة الدینوية.

ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ[7] ﭽ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭼ [8].

إنّ المصلحین العظام لم یقودوا حملاتهم النهضویة ضمن فئاتٍ محدودةٍ أو جماعاتٍ قلیلةٍ لیدرجها المضطلعون في خانة المساعي الهیّنة، بل كانت دعوات بعضهم تشمل أطراف الأمة الكبیرة التي یبلغ تعداد نفوسها أكثر من ملیار نسمة! هذا إذا أضفنا إلى ذلك الجماعات والجهات المخالفة التي لم تأنِ في استخدام كلّ ما لدیها من الحیل لنزع فتیل حملتهم، واستحلال ساحتهم ولو التصفیة الجسدیة!

وهذا ما دعا التاريخ إلى حفظ أسماء هؤلاء الثلّة الرائعة بعد ما رفعها عالياً بمثابة شموس مضيئةٍ أشرقت بنورها علی الناس، الذین لم یألوا جهداً في تسجیل مواقفهم وإبراز احتراماتهم تجاههم.

إن دعوة الأمة الإسلامية إلى التلاحم والوحدة والتآلف من جدیدٍ تعد من المهام الصعبة في عالمنا المعاصر مع كثرة الأعداء وقلة الناصر وتطور الأساليب الإستغلالية الحدیثة وإطباق الجهل المركب خاصة ًبعد ما آلت إليه أوضاع الأمة من شقاقٍ ونفاقٍ وافتراقٍ، سهّل للعدو الإختراق والتحایل علی مجموعة والضحك علی أذقان أخری.

في هذه الأجواء الضبابية وهذا الكم الهائل من تراث الإختلاف المقیت، برز دعاة التقریب من جدیدٍ للأخذ بید أبناء الأمة وإنقاذها من ظلمات الفرقة والعداء العائلي إلى نور الأخوة والمحبة بفضل الرحمة الالهیّة.

وإن وصول هؤلاء الرجال في میدان الإصلاح الإجتماعيّ والتقريب بین المذاهب الإسلامية إلى هذا المستوى من الرقي والعالمیة إنّما كان مبنیاً علی استراتیجیة ثابتةٍ منتقاةٍ من الفكروالثقافة القرآنیة والأدب النبوي الشریف وتربیة أهل بیت النبوّة الطاهرین والسیرة التي تابع الصحابة علیها بإحسانٍ، ولم تكن حركة خبطٍ عشواء، أو حاطب لیلٍ، وأیضاً لم تكن علی اُسسٍ شخصیةٍ ومصلحیةٍ فردیةٍ أو اُسریةٍ.

ففي الوقت الذي یجوب بعضهم العالم بأسره للقاء الزعماء السیاسییّن ومسؤولي الدول، یطوف بعضهم الآخر البلدان والقری، قاطعاً المسافات البعیدة من أجل بثّ فكرة التقریب ووحدة الصفّ، ومحاولة إقناع النخب بتمكین فكرة التقریب، والحوار الهادئ، احترام الغیر في نفوس مؤیّدیهم. ولعل العلمین الجلیلین الذین اجتمعنا هنا لتكریمهما هما من أبرز هؤلاء الذین بذلوا جهداً كبیراً من أجل معالجة القضایا الملحّة التي تحتاجها حركة التقریب بین أبناء الأمة الإسلامية.

الشيخ العلايلي في سطور:

ولد الشيخ عبد الله العلايلي في 20 تشرين الثاني سنة 1914م، في محلة الثكنات من مدينة بيروت العتيقة.

وأسرة العلايلي قديمة العهد ببيروت، فهي ترقى إلى القرن الحادي عشر الهجري. 

وقد أخذت اسمها من نسبة أجدادها إلى بلدة علايا الكائنة بالأناضول في تركيا والمعروف أن الأتراك يضيفون إلى آخر اسم البلد المقطع «لي» للنسبة إليه، وآل العلايلي من الأسر القديمة والعريقة في بيروت لها حيّزٌ مرموقٌ في الأوساط التجاريّة، وقد ساهم بعض أفرادها في عمارة المساجد.

وللشيخ مختار العلايلي شقيق الشيخ عبد الله مكانةٌ دينيّةٌ محترمةٌ وكان M أميناً للإفتاء في لبنان حتى آخر عمره.

بدأ الشيخ عبد الله العلايلي نشأته الأولى في مدارس كانت أشبه بالكتاتيب.

وفي سنة 1920م التحق بمدرسة الحرج الإبتدائية التابعة لجمعية المقاصد الخيريّة الإسلامية وفي سنة 1924م توجه إلى الجامع الأزهر الشريف في القاهرة برفقة شقيقه الشيخ مختار وظّل يتابع الدراسة في هذا الجامع حتى سنة 1935م وأخذ عن الجلَّة من الشيوخ أمثال: الدسوقي العربي، ومحمد نجيب المطيعي، ويُوسُف الدجوي، وسيّد علي المرصفي، والسملوطي، وأحمد عيسى الشرقاوي، ومحمد العربي، وعفيف عثمان، وعلي محفوظ.

وفي سنة 1952م انتدبته جامعة الدول العربيّة كمستشارٍ عند طرح موضوع «الزكاة في الاسلام». وقد عُيّن الشيخ عبد الله العلايلي عضواً في اتحاد مجامع اللغة العربيّة الذي انعقد في دمشق.

والشيخ عبد الله العلايليM لم يقعده تقدّم السِّنّ عن الإمساك بعنان الكتابة، فكان يمدّ الصحف والمجلات التي تتلقى حصاد قلمه وعصارة زبدة فكره بمزيدٍ من العناية والإهتمام. وتحل أبحاثه ومقالاته محل الصدارة في صفحاتها الأولى.

وإن غزارة الشيخ عبد الله العلايلي وكثافة دراساته المنشورة جعلته مصدراً حيًّا لا يستغني عنه الباحثون والمحققون في ذلك الزمن. 

ومن أفضل ما شهد به العلماء المعاصرون على أهمية الشيخ عبد الله العلايلي وتأثيره في إحياء اللغة العربيّة ما ذكره الأستاذ رمزي البعلبكي حیث قال: من منن الله على العربيّة أنه سبحانه وتعالى، لا يفتأ يبعث من يحيي هذه اللغة الشريفة في نفوس أبنائها، وينهض بها لتستقيم في معترك البقاء على نقاوةٍ في التشذيب ولدانةٍ في التخيّر واندفاعٍ في الوثب، ولا جديد في القول إن الشيخ العلايلي هو محيي العربيّة على رأس هذه المائة، فهو المقدمة وهو المرجع ومنه الفكر والنظر والإقتراح والبرهان.

كانت وفاة الشيخ عبد الله العلايليM وأسكنه فسيح جناته في الرابع من شهر كانون الأول سنة 1996م.

الدور التقریبي للعلایلي: إنه لمن الصعب أن یتحدث المفضول عن الفاضل والألكن عن الأدیب الأفصح وطالب علمٍ مبتدأٍ عن رائدٍ في العلم والفضیلة والفقه والأدب، هوكذلك، حدیثي عن العلمين الشامخین والنجمین اللامعین في سماء الأدب والفقه والفضیلة قد لاتطاوعني الألفاظ في بیان ما أرید إما لأني غیر قادرٍ علی تلیینها لأداء الغرض أو إن الألفاظ بحدّ ذاتها قد تكون عاجزة ً عن وصف شموس العلم والمعرفة ونأمل أن لاترد بضاعتنا المزجاة وأن تقبل كقبول سلیمانQ لقشة نملةٍ مهداةٍ.

فالمتتبع لكتب العلامة العلایلي وآثاره العلمية في مختلف شؤون الحیاة الإنسانية والمباني الإعتقادية والتاریخیة یلاحظ الحرقة التي تنبع من صمیم وجوده من أجل الدفاع عن الأمة الإسلامية وسلامة مجتمعها والدعوة إلى العودة نحو المجتمع الإسلامي الأول الذي بني علی ید رسول الله بالعطف والمحبة والرحمة، والحنین إلى الأيام الخالدة التي لازالت مشرقةً في سماء الإنسانية وستبقی مناراً لكل الأجیال علی مرالتاریخ.

عندما یتكلم العلایلي عن المیزة البارزة في إسلامنا الحبیب یقول:

ومیزة الإسلام أنه جعل الرحمة دعامته وقام علیها، ولعلّه الدّین الوحید الذي تهدّی بها إلى فهم الوجود، وقیام الأخلاق، وتركیز القانون والإجتماع، وجعلها نظریة فلسفته الأولی. فقد سمّی الإسلام الله أحیاناً رحیماً وأحیاناً رحماناً، وحین تحدّث عن الكون قال في مقامٍ ﭽﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭼ [9]. وفي مقامٍ آخر قال: ﭽ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭼ [10]. وحین تحدّث عن المجتمع العامّ قال: ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﭼ [11]. وعن الأسرة قال: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗﭼ [12]. وقال النبّي یصف نفسه: «أنا الرحمة المهداة». وحین تحدّث عن الأخلاق قال: «الرّاحمون یرحمهم الرّحمن، إرحموا، مَن لایَرحَم لایُرحَم» ففلسفة ُ الإسلام قامت علی قاعدة الرّحمة التي عالج بها نظام الحیاة من شتّی وجوهه و جوانبه، وبثها في قانونه وأناظیمه، ودخل بها إلى الهیكل المستغرق الخاشع، والمجتمع الصاخب الدّاوي، وكسربها شرّة الأنانیّات الضاریة، وحدّ بها من مدّ الرّغبات النّهمة.

وبالرّحمة عالج الإسلام طبیعة الإنسان المعقدة لیبلغ بها مبلغ المثل الأعلی الذي عبّر عنه بقوله: ﭽ ﭚ ﭛﭼ، ولیحقّق بها مبدأ التّآخي العامّ ﭽ ﯜ ﯝ ﯞﭼ [13].

من هذا المنطلق ارتبطت أعضاء هذا الجسم الإسلامي وتحسس البعض بألم الآخر، وإلا فقد خرج عن ربقة الإسلام وبهذا الإتصال الوثیق جعلهم صفاً وبنیاناً مرصوصاً لاتخترقه الأوهام والفتن والعصبیات فضلاً عن الهجمات العسكریة و الأمنیة والتي تشكل العدّو الأصغر أمام القوة الإيمانية الإنسانية المودعة لدی الفطرة السلیمة المدعومة بوحيٍ من السماء من أجل بناء الإنسان المكرّم. وبهذا الترابط یشد بعضنا الآخر وتتكون عناصرشخصیة الإنسان الإسلامية شیئاً فشيئاً وكما یقول العلایلی: «ونحن في الحبّ والبغض، في العاطفة والفكر، نغتبط بالموافق لا ليزیدنا ثقةً بعواطفنا وأفكارنا، بل لانّنا نأنس بمن یشاركنا ویفكرمعنا، أو «وهو أصح» بمن یشعرنا بالتفوق.... فأنت قد تطیق من محدثك إنكاره أي شيءٍ علیك، خلا معطیات الفكر والعاطفة لأنّهما عنصرالشخصية أو إن شئت فقل: لأنّهما أبلغ عناصرها وأكبر مقوّماتها»[14].

لكن ما الذي دها بنا إلى أن ننسی أو نتناسی هذه الخصائص الإيمانية التي یتكون منها الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي الموحد، هل هي المؤامرات الدولیة والقوی الإستكباریة والصهیونية العالمیة؟ وهل هذا التمزق هو ولید عصرنا المعاش فقط؟ أوإن أقلام المستشرقین وأتباعهم مهدّت لهذا السقوط؟ أم إن هناك شرارةٌ أشعلت روح العصبیة والتمزق منذ العصور الأولى لظهور الإسلام لاسترجاع القبلیة بمفهومها السلبي من جدیدٍ بعد ما سما النبي بهذه الأمة بعیداً عن سلبیات عالم المشركین والجاهلیة الأولى وقد أشار العلامة العلایلی إلى الشرارة الأولى التي أدت إلى تمزیق الأمة بقوله: «وأنا أعترف هنا بأنّ التّبعة الجسیمة تقع علی عاتق الأمویِّین الذین ألهبوا حماس القبیلة واستغلّوه، فقد كان هذا جزءاً من سیاستهم، إلاّ أنّه صدّع بعد ذلك بنیان دولتهم المطبوعة علی غراره، وصدّع بناء الدّولة عموماً.

ویجب أن یفّرق جیّداً بین القبلیّة في العهد الجاهلي، والقبلیّة في عهد الأمويين. فإنّ الثانّیة كانت تفاخراً وعصبیةً بالأنساب والأصول، بینما كانت الأولى قبلیّةً تنظر إلى القبلیّة بأنّها رمز الوجود، رمز المصالح التي أهمّها البقاء»[15].

مضیفاً بأنّ «النّبي اعتمد في كفاح العصبیة علی شتّی الوسائل، وطاولها مطاولةً كانت قمینةً بأن تأتي علیها، وبالفعل رأینا أنّها استترت في زمن النبيّ P واستخفت كما يستخفي المیكروب في أنحاء الدّم، حتّی إذا هادنه العلاج ظهر بعنفه وقوّته وانتشر بحمّاه. وسیاسة النّبي P تتلخص بالسّموّ ببیئة العرب، والقضاء علی المزاج العقلي القبلي بإعطائهم مزاجاً عقلیاً جدیداً خلیقاً بتصریف حركاتهم في كیانهم الدولي الجدید، وتهیئتهم مع الزمن لما یسمونه بخلق الأمة علی شكلٍ صالحٍ[16].

إن الإنسان المؤمن لیحزن عندما یقرأ في تاریخه الزاخر بالمجد والإعتزاز وباللئالي الثمینة في بحر وجود إسلامه السامي بالعلم والتقوی والرقي الإجتماعيّ والحضاري، یقرأ عن وجود طائفةٍ وحزبٍ سعی بكل ما یملك من قوة ليأخذ بثاراتٍ قدیمةٍ وعصبیاتٍ عمیاء و لیسترجع المناصب المسلوبة حسب زعمه والأمجاد المضیَّعة علی حساب ضرب مصالح أمةٍ سعت لإعلاء كلمة الله وتقدیم حضارةٍ إنسانيةٍ إسلامیةٍ شاملةٍ، وأراد الحرب أرستقراطية بدیلةً عن كل ذلك السّمو؛ إن العلایلي یقدّم هذه الصورة بعباراتٍ وجیزةٍ ومفعمةٍ بالمعاني إذ یقول: «ولعل أكبر دلیلٍ علی عدم نضج التعاليم الإسلامية في نفوس العرب أنهم سموا بعنصرهم فوق العناصر، حتی لكأنهم أرستقراطية علی الناس كافة ً. والإسلام لایعرف أرستقراطية الجماعة والجنس بل جانس بین الشعوب حین خلقهم من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل لیتعارفوا علی مُثلٍ خاصةٍ ومبادیء فضلی وتعاليم قویمةٍ، لا تفاضل إلاّ باتباعها علی أوجه الأمثل.... وإن افترض وكان في الإسلام أرستقراطية ٌ، فهي أرستقراطية المناقبیّة ومكارم الأخلاق: تخلقوا بخلق الله، وخلق الله القرآن.... وهو أثر یعزی إلى النبيّ وفیه مقالٌ كثیرٌ عند رجال التخریج من المحدّثین. ومن هذا یظهر أنّ عصبیّة العربي كانت تعمل ضد أخیه العربي، وضد أخیه المسلم من سائر الشعوب، مما استتبعه اعتزاز الشعوبي بقبلیته وماضیه أیضاً، وفي معترك هذه العصبیّات القبلیة والشعوبیة انحلّ الرباط الإسلامي الصّمیم»[17]. وهناك ظاهرةٌ أساسيةٌ في تاریخ عالمنا الإسلامي قل ما یشار إليها، وبإمكاننا أن نستحضر مصادیقها في عالمنا المعاصر أیضاً وهي عندما تقوم ثورةٌ فكریةٌ وحضاریةٌ لتغییر مجتمعٍ ما وتتحول هذه الثورة إلى ظاهرةٍ إجتماعیةٍ بخصائصها الإيجابية، تتوجه نفوس الأحرار في العالم كله نحو هذه الظاهرة لتستلهم منها ما یمدها علی تقبل التربية والتعلیم والنهضة والتزكیة والتطور العلمي والسموّ وكل صفات العز والكرامة، وإن هذا التوجه یستتبع توسیع الرقعة الجغرافیة لهذه الظاهرة ومن ثم یرتفع الكم العددي ونظراً لقلة الكوادر التي استوعبت الظاهرة وأُشربت أصولها ومبادءها، سوف تفتح الأبواب أمام المتظاهرین والمتشبهین بقادة الإصلاح، و یأتي دورالمنافقین بالسعي إلى تحقیق أهدافهم ومآربهم الخفیة، إن هذا المنحی یشكل أكبر خطرٍ علی تلك الظاهرة الإيجابية ویجرها إلى الإنحراف ومن ثم السقوط إذا لم یتدارك قادتها الأمر، وذلك بالقیام بتربیة كوادرتتناسب مع حجم الوضع والمسؤولیة الملقاة علی عاتقهم، سدّاً للأبواب، أما الإنتهازیون الذین یعشعشون في كل مكانٍ وزمانٍ، یخلو لهم الجولاستغلال الفرص وفرض أنفسهم علی الواقع، وإلى هذا قد أشار العلامة العلایلي بكل دقةٍ وظرافةٍ عندما ذكر: «وكان علی الخلفاء أن یتابعوا هذه السّیاسة التربویة التي انتهجها النبيP لكي یحققوا الإختمارالدینيّ المنتظر. بید إن سیاسة الخلفاء مالت إلى التوسع في تزایُدٍ أسرع بفناء الطبقات التي تهذبت علی یدی المصطفی كالقرّاء، ولم یدعوا فرصة ً لتحقیق الإختمار في الباقین. فالتعجیل بالفتوح كان بمثابة انحسارٍ وجذرٍ قويٍّ في النفسية العربية الإسلامية، وقد لمسوا بعضاً من نتائجه المحسوسة في فناء القرّاء تقریباً حتّی عمدوا إلى كتابة القرآن صوناً له عن الضیاع. فإنّ من المسلّم به أنّه لا بد من مرور الزمن لتترسخ التعاليم وتتحول إلى صفةٍ إرادیةٍ غیر مشعورٍ بها، كما یعبّر لیبنز. فهذا الإختمار الدیني ضروريٌّ جدّاً. وقد أصیب الإسلام، من حیث العجلة بالفتوح، بما أصیبت به الثورة الفرنسیة»[18]. إذاً ما هو الطریق إلى لم الشمل الإسلامي واستعادة اللوحة الفنیة للحیاة الإنسانية الرائعة التي رسمها، أسوة المسلمین وإمام البشرية نبي أمتنا محمدP في ساحة الحب الإلهي علی أرض الواقع، والتي تهدف إلى بناء الإنسان كل الإنسان، والمجتمع كل المجتمع في ظل هدایةٍ إسلامیةٍ تعتني بالإنسان كأخٍ في الدین أو نظیرٍ في الخلق. إن الحل هوالعودة إلى النظرفي إعادة رسم تلك الصورة متناسبةً مع عالم اليوم ونلاحظ هنا كیف یشرح لنا العلايلي الحال علی لسان مخیریق النضري الإسرائيلي عن ما قام به النبي الأكرم P من تغییر في مدینته المنورة قائلاً: «ثمّ وقف محمّد فوق أطلالها شامخاً، یعلن حریة الإنسان وحقوقه في الإستقلال الذاتي، ویعلن حریة العمل وإنتاج الجهد، ویقرر مبدأ المسؤولیة الشخصیة في الحقوق والجزاء للحق العام، وینزع أغلال الفكر. فمحمدٌ حارب الربوبیة في شخص الأوثان الجامدة، وحارب الربوبیة في شخص الأوثان الإجتماعیة الحیة، وبذلك حرّر الفكر وحرّر المجتمع»[19]. وهل یا تری إن مجتمعنا بهذه المواصفات من الممكن أن یسقط في متاهات ما سقط فیها عالمنا الإسلامي المعاصر؟ وهل تتجرأ قوة ٌ صغیرةٌ أو عظیمةٌ أن تفكر في اقتحامه وغزوه؟ وهل یبقی للشیطان موطن قدمٍ لزرع الفتنة والتفرق في أوساطه؟ وإذ سدت أبواب الجور والإعتداء علی حقوق الآخرين وفتحت أبواب احترام حقوق الشعوب واعتماد المبادئ التي تدعو الناس إلى المشاركة في مصیرهم وانتخاب من یرضونه وإقامة دولةٍ تحكم القلوب قبل الأجساد والعقول قبل الأهواء، والحاكم فیها یری نفسه خادماً لأهله لا متجبراً وطاغوتاً علیهم، هل بإمكان شیاطین الجن والأنس أن یفتحوا ثغراتٍ للنفوذ في وسط هذه الأمة؟ إن علینا فهم هذا الدین المبین واستعادته إلى الحیاة من جدیدٍ وفي وإلى هذا یشیر العلایلي بقوله وهو عصب الحیاة الذي إن انقطع شُلَت حیاة المجتمع إذ یقول: «أن الدین أكسب الأمة الحق في حكم نفسها و ﭽ  ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ [20]. ﭽﭭ ﭮ ﭯﭼ [21]، وفرض الطاعة للسلطة التنفیذیة في حدود طاعة السلطة نفسها للقانون ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒﭼ [22] والتّنازع في الآیة علی وجهین: تنازع الأفراد علی الحقوق، وتنازع الشعب مع السلطة الحاكمة التي عبّر القرآن عنها بـ «أولي الامر» وحكمهما واحدٌ في ضرورة الرجوع إلى القانون المؤلف من القرآن وأقوال النبي وأفعاله، وبذلك خوّل الشعب، إذا كان الحق في جانبه، أن یأخذها بمقتضی قانون الجزاء السّیاسي، علی ما هو مشروحٌ في السنة من انحلال البیعة وما یتبعها، كما يؤخذ الأفراد بمقتضى قانون الجزاء العدليّ»[23]. فإن من واجب العالم المقرون بالعمل أن لاینهزم أمام صعوبات الحیاة ومصائبها، وعدم استجابة الناس لنصحه وكذلك عدم الخوف من السیرعلی طریق الحق لقلة أهله لأن النصیحة في الله من أجل إعلاء حكمه ورفع لواء الإسلام و وحدة الأمة الإسلامية ملقاةٌ علی عاتق الناس جمیعاً خاصةً أئمة الأمة وروادها من العلماء والمفكرین والإصلاحیین. و في نهایة الحدیث عن شخصیة العلایلي ودوره التقریبي أختم كلامي بعبارةٍ أخری له في إطارذكرأهمیة النصح حیث یقول: «ربّما كان أدهش ما حفظ ممّا جاء علی لسان صاحب الشریعة P قوله لجریر بن عبد الله البجلي حینما جاء یبایعه علی شهادة أن لا اله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. فقال النبيP: والنصح لكل مسلمٍ. هذا الحدیث من روائع الإسلام حین جعل المشاركة الوجدانیة صنواً لكلمة الشهادة. ولعل دیناً من الأديان لم یبالغ في اعتبار وتقییم هذا الجانب اعتباراً عملیاً مثل دین محمدٍ وشریعة محمدٍ»[24].

العلامة مغنیة في سطور:

ولد العلامة الشیخ جواد مغنیة عام 1904 في قریة طیردبا من قضاء صور لبنان فاختار له أبوه اسم محمد جواد وهو ابن الشیخ محمود مغنیة من علماء لبنان البارزين ومنسوبٌ إلى اُسرةٍ شهيرةٍ في بیروت «آل مغنیة» عُرفت بالعلم والفضل والأدب وقد بزغ فیها رجالٌ كثیرون عرفوا بالعظمة والشرف.

فقد أمه العلویة وهي من أسرةٍ هاشمیةٍ من آل شرف الدین وهو دون سن الرابعة من عمره فأضحی والده العالم سنده وأمله في الحیاة وفي سن العاشرة فجعه الدهر للمرة الثانية برحيل ذلك الوالد.

إنّ الصعوبات والمتاعب لن تقف حجر عثرةٍ أمامه لتلقي العلوم الإسلامية في «الحوزة العلمیة في النجف الأشرف» ونهل العلم لا سیما من المراجع العظام كالشیخ عبد الكریم مغنية والسید محمد سعيد فضل الله والسید حسن الحمامي والسید الخوئي والشيخ محمد حسن الكربلائي. وإلى جانب دراساته الحوزویة قرأ لكتّابٍ معاصرین كنیتشه وشوبنهاور وتولستوي والعقاد وطه حسین وتوفیق الحكیم و كانت له نشاطاتٌ إجتماعیةٌ متنوعةٌ منها منصب القضاء في المحكمة الجعفرية العلیا ببیروت من أجل خدمة المحرومين، وقد هاجر إلى بلدانٍ عديدةٍ من أجل المعرفة والثقافة والبحث والتحقيق وتدريس العلوم الإسلامية كالتفسير والفقه والكلام. وله ما یقارب ستین مؤلفاً في مختلف العلوم الإسلامية.

وقد طبعت كتب الشیخ في موسوعتين: «عقليات إسلامیة»، «وفلسفات إسلامیة» وإلى جانب هذا التراث من الكتب كانت له مقالاتٌ عدیدةٌ في قضایا شتی نشرت في المجلات والجرائد.

وفي لیلة التاسع عشر من محرمٍ الحرام لعام 1400 هـ.ق، بعد عمر یحفل بالعلم والعمل والجهاد في سبیل الله ومن أجل إعلاء كلمته انتقلت روحه الشريفة إلى الملكوت الأعلى عن عمرٍ ناهز السادسة والسبعين فسلامٌ علیه یوم ولد ویوم ارتحل ویوم یبعث حیاً.

الدور التقریبي:

إن دراسة حیاة الشیخ العلمیة و واقعه العملي والإجتماعيّ ومحاولاته الإصلاحية في سفراته العدیدة تدلنا علی دوره البارز في لم شمل العائلة المسلمة المشتتة ودعوتها إلى التمسك بمبادئ السماء والهدایة الربانية واتباع الصراط المستقیم لإقامة حكم الله في ظل كلمة التوحید وتوحید الكلمة.

اتخذ نهجاً تقریبیاً في كل كتاباته حتی الكتب التي قد توحي عناوینها بأنها ألفت لتبیین المبادئ الأساسية لمذهبه الخاص ولكن طریقة الكتابة وتحریرالبحث العلمي والموضوعیة التي انتهجها تصب في مصلحة الإسلام العليا، وأيضاً هناك مؤلفاتٌ اُسّست مشروعاً تقریبیاً معاصراً في ظل الأجواء المذهبیة الحاكمة آنذاك كالفقه علی المذاهب الخمسة، والحج والزواج والطلاق والوصایا والمواریث والوقف والحجر علی المذاهب الخمسة.

مرجعية أهل البیتR العلمية:

من أهم المحاور التقریبیة التي كان یؤكد علیها العلامة في كتاباته وحواراته العلمية الدعوة إلى اعتماد مرجعية أهل البیت العلمية في مراجعاتنا وتأليفاتنا العلمية لأنهم المصدر والمنهل العذب الذي لابد من الإنتهال من معینه ولذا نجده یطرق بابهم ویحتكم إليهم في كل كتبه وما أثر عنه.

یعتقد الشیخ مغنیة بل یقسم أنه قرأ مختلف الكتب وطالع الآراء قدیمها وجديدها، شرقها وغربها، فتوصل إلى أن كل ما یفید الناس موجودٌ بشكلٍ أكمل وأفضل في التراث الإسلامي ولا سیما تراث أهل البیت، وبالأخص في كلمات الإمام عليٍّ ونجله الإمام الصادق L وقد انتهج الإمام البروجردي هذا النهج التقريبي عندما رأی أن الإختلاف الأساسي بین السنة والشیعة یكمن في موضوعین أساسیین: أحدهما: خلافة الرسول و إمامة المسلمين، والآخر إلى من ينبغي الرجوع للعمل بالأحكام بعد وفاة الرسول، ومن أي مرجعٍ یجب أن یتلقوا الأحكام والتكاليف اليومية؟

إنّ البحث في الموضوع الأول بحثٌ تاریخيٌّ. وهو قد مضی وانقضی ولا داعي لإثارته من جدیدٍ، فضلاً عن ذلك فقد كانت إثارة وبحث مثل هذه القضایا سبباً للمتاعب والإختلاف، ومنفذاً یستغله الأعداء.

ثم حتی لوتمخضّت عن ذلك نتیجةٌ عملیةٌ أو عقائدیةٌ، فإن هذه النتیجة لأيٍّ من الشیعة والسنة محترمةٌ بذاتها، ولاعلاقة لها بالطرف الآخر. وعلی هذا الأساس فإن الشيء الذي یحظی بأهمیةٍ فائقةٍ وبإمكانه أن یكون قاسماً مشتركاً بین السنة والشیعة من بعد كتاب الله، محوریة أهل البیت استناداً إلى حديث الثقلين الذي ورد عن طريق الفريقين بسلسلةٍ صحیحةٍ وهو ما یتفق علیه الجمیع.

ولقد كان هاجس العلامة مغنیة، الوحدة الإسلامية، لذلك بذل جهوداً حثیثةً في سبيل تحكیم الوحدة الإسلامية حیث كان یستغل كل فرصةٍ للإنفتاح علی علماء الإسلام و یتبادل الآراء في خصوص الوحدة والسبل الآلية والكافلة لتحقیقها وقد التقی في مشواره الطویل بكبار العلماء من أقطار العالم الإسلامي وجرت بینه وبینهم حواراتٌ متعددةٌ ومع أنهم كانوا یخالفونه الرأي ویخالفهم في بعض القضایا لكن الهدف كان واحداً وهو التأسیس لتربیةٍ تؤدي إلى نشر ثقافة الوحدة والعمل علی منهج التقریب بین المذاهب الإسلامية. فقد التقی بعلماء الإسلام في سفراته إلى خارج لبنان، كالشیخ أبي زهرة والشیخ الفحّام والشرباصي والدكتور مصطفی محمود والحصیري والشیخ شلتوت و....

نموذجین من الحوار التقریبي:

1- حواره مع الشیخ ابي زهرة

يذكر العلامة مغنية: في سنة 1960 م. اجتمعت بالشیخ أبي زهرة في دمشق، حیث اشتركنا معاً في مهرجان الغزالي، وكنت أنا ممثّلاً للبنان، وقضینا وقتاً ممتعاً، وتحدّثنا طویلاً، فقال لي فیما قال: حین ألّفت كتاب «الإمام الصادق» كنت علی علم اليقين بأنّه سيغضب السنّة والشیعة معاً؛ لأنّي لم أقل ما یرید أولئك، ولا كلّ ما یرید هؤلاء»

فقلت له: نحن نرحّب بكلّ نقدٍ من أیِّة جهة أتی، علی شریطة أن یكون بدافع الإخلاص متحرّراً من رواسب الماضي ومخلّفاته.

ولا أخفي القارئ أنّي شعرت بالتقدیر لشخصه، رغم أنّي لا أوافقه علی كثیرٍ من آرائه، وكنت قبل أن نلتقي أنتقده في بعض مؤلّفاته، ورددت علیه بمقالٍ مطوّلٍ ومفصّلٍ. وكان حین یقدّمني لمعارفه یقول: «هذا الذي ردّ عليّ وانتقدني».

2- حواره مع الشیخ شلتوت

ترجع معرفتي بشیخ الأزهر المرحوم الشیخ محمود شلتوت إلى سنة 1949م. حین ناقشت فتواه بجواز طمر الهدي وحرقه علی صفحات «رسالة الإسلام»، ثم جرت بیننا كتاباتٌ ومراسلاتٌ، وقرأ لي، وقرأت له.

اجتمعت بالشیخ شلتوت في داره سنة 1963م، فأهّل ورحّب، واستقبلني أفضل استقبالٍ، وحین قدّم لنا شراب اللیمون أبی إلاّ أن نشرب معاً من كأسٍ واحدٍ، فكان یشرب قلیلاً، ویناولني الكأس، فأشرب من سؤره.... وجری بیننا حدیث الشیعة والتشیّع، فأثنی وأطنب، وقال فیما قال: «أنّ الشیعة هم الذین أسّسوا الأزهر، وبقي أمداً غیر قصیرٍ تدرّس فیه علومهم ومذهبهم، ثمّ أعرض القائمون علیه عن هذا المذهب، فحرموا من نوره الساطع، وفوائده الجمّة».

وممّا قلته له: إنّ مكانتكم عند علماء الشیعة كبیرةٌ وسامیةٌ، وقد تظنّون أنتم أو یظّن غیركم أنّ السبب هو فتواكم بجواز التعبّد بمذهب التشیّع، والحقیقة أنّ العارفین من علمائنا ينظرون إلى فتواكم هذه علی أنها مجرّد نظرٍ واجتهادٍ، ولو أفتیتم بالعكس لقالوا هكذا أدّی نظره واجتهاده، قیاساً علی أنفسهم، وعملاً بمبدأ الإجتهاد الذي لم یقفلوا دونه الأبواب والنوافذ... أجل، إنّ فتواكم هذه تنبئ عن الجرأة وعدم المبالاة بلوم اللائمین في الحقّ والعدل.. إنّ علماء الشیعة یحترمونكم، لخدماتكم الدینّية، ونصحكم للإسلام، وإنّهم مع كلّ من یناصر الدین وینصح له كائناً من كان.

وقد أكد الشیخ العلم علی أن المشاكل التي یعاني منها المجتمع الإسلامي هي نتیجة المؤامرات الإستكباریة لفرض التفرق والإختلاف في الأمة الإسلامية تحت غطاء المذهبية واستغلال التعصب الأعمى إذ یقول سماحته: إن المشاكل التي نعانیها لاتتّصل في واقعها بقضیّة التشیّع والتسنّن من قریبٍ أو بعیدٍ، بل إنّ حدیث هذه القضیّة والإهتمام بها یزید المشاكل تعقیداً، ویجعلها مستحيلة أو عسیرة الحلّ، وهذا ما یریده لنا المستعمرون والصهاینة، أعداء الدین والوطن، إنّهم یریدون أن نتلهّی بالمشاحنات والنعرات الطائفیّة؛ لیعزلونا عن الحیاة، ویخلولهم الجوّ... ویظهر أنّ لهم جهازاً ضخماً.......ولقد دأب هذا الجهاز في تأليفه ونشراته علی مهاجمة الشیعة، وتصویرهم كطائفةٍ ملحدةٍ مجرمةٍ تكید للإسلام والمسلمین.....والغرض الأوّل هو تنفیذ «الخطوط العریضة» التي رسمتها أمریكا و إسرائیل لإیقاظ الفتنة، وإشاعة الفرقة بین المسلمین. فرأیت من واجبي أن أنبّه الأفكار إلى مقاصد هذا الجهاز الفاسد وأهدافه، وأقطع الطریق علیه بالكشف عن عقیدة الشیعة، مع الإشارة إلى شيءٍ من تاريخهم؛ لیتبیّن للناس المزاعم الكاذبة التي لفّقها أولئك المأجورون.

وفي مقام تبیین الهدف من تأليف كتاب «الشیعة الإمامية» یقول: إنّ من یقرأ هذه الصفحات بتأمّلٍ وإمعانٍ یتبّین له أنّها أوّل ما تهدف إلى الأخذ والعمل بمبادئ الإسلام وتعاليمه، وإذا اهتمّت بالتشیع فإنّما تهتمّ به لأنّه من الإسلام في الصميم بنصّ القرآن الكریم والسنّة النبویّة، بل هو ركنٌ من أركانه بروایة الصحابي الجلیل أبي سعید الخدري. وبالتالي فإنّي من الذین یؤمنون أنّ المستقبل للحبّ والإخاء الإنساني، وأنّ روح التعصّب آخذةٌ بالزوال یوماً بعد یومٍ، حتّی لایبقی لها عینٌ ولا أثرٌ إن شاء الله، وعندها لا یجد الإنتهازیّون وتجّار الطائفية مجالاً للدسّ والتخریب.

وفي خاتمة البحث أشیر إلى نقطةٍ قد یثیرها بعض السذج أو المغرضین لیوهموا الناس أنّ الشیخ محمّد جواد مغنیّة لم یكن علی علاقةٍ طیّبةٍ مع الثورة الإسلامية وقيادتها المتمثّلة بالإمام الخمینیM، إنّ هؤلاء أغفلوا أو تغافلوا هذه الحقیقة، وهي أنّ الشیخ مغنیّة ینتهج نفس المنهج والخطّ الفكري والسیاسي الذي كان علیه الإمام الخمیني، حیث كتب العلامة مغنية عن الثورة الإسلامية ودولتها والتي نادی بها الإمام الخمیني ومن ثمّ شیّدها بنفسه الزكیة ما هذا نصّه:

«وصدع النبيP بأمره تعالى، أسّس دولة السلام والمحبّة والرحمة والإنسانية، وانتشلت ملایین المعذّبین في الأرض من رعایا الإمبراطورية الرومانیة المسیحیة والإمبراطورية الفارسیة المجوسية، ورحب الكثیر منهم بالإسلام والمسلمين؛ ليتحرروا من ظلم القادة وطغیانهم، وینعموا في ظلّ العدل والرحمة. هذه هي دولة الإسلام التي یدعوا إليها الإمام الخميني، ولأنّها رحمةٌ للعالمین، المسلمین وغیر المسلمین یحاربها المستعمرون والصهاینة وأذنابهم الأدعیاء والعملاء. ولكن الإيمان الحقّ الذي لیس بسلعةٍ تباع وتشترى وتعار، أقوی من كل سلاحٍ ومن دول الضلال وأحزابه...... ولیست هذه فورةٌ عاطفیةٌ، بل عین الواقع، والشاهد تاج الشاه الذي تحصّن بالمال والرجال وأسلحة الدمار ودول الشرق والغرب، ومع ذلك تحطّم علی صخرة دین الخمیني وإیمانه وعزم أنصاره وأعوانه في سرعةٍ كأنّها لغزٌ من ألغاز القرن العشرین... وأخیراً هذه النبؤة التي جاءت في الجزءالثاني من كتاب «سفینة البحار» ص 446طبعة سنة 1936 م. نقلاً عن مصادر مضی علیها العدید من القرون، وهذا نصّها: «یخرج رجل من قم یدعو الناس إلى الحقّ، یجتمع معه قومٌ كزبر الحديد، لا تزلهم العواصف، ولایملّون، ولایجبنون، وعلی الله یتوكّلون، والعاقبة للمتّقین». وهذا الوصف أصدق وألصق بالإمام الخمیني وقومه، حیث أمضی معظم حیاته في مدینة قم درساً وتدریساً، وفیها أعلن الثورة علی الشاه، ومنها نفي. أمّا دعوته فهي دعوة الحقّ والعدل التي یستجيب لها كلّ محقٍّ ومخلصٍ، ويرهبها كل ّ مبطلٍ وآثمٍ، والله ولي المتّقین». وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

دور الاعلام
في التقريب بين المذاهب

أ. عبد الله قصير[25]

دور الإعلام في التقريب بين المذاهب:

بسم الله الرحمن الرحيم ﭽﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭼ[26]

إن التنامي والتطور الهائل في تكنولوجيا الإتصالات أدى إلى تعاظم واتساع دور وسائل الإعلام في صياغة وصناعة الرأي العام لاسيما خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولا يخفى على أحدٍ أن الغرب والصهاينة كانوا سباقين في استخدام وسائل الإعلام وأدوات الإتصال لترويج سياساتهم وأفكارهم وثقافتهم وتكوين صورةٍ نمطيةٍ ومشوهةٍ للعرب والمسلمين في العالم.

وعلى الرغم من أن الجهود والمساعي الإسلامية في موضوعات التقريب والوحدة الإسلامية لم تتوقف لاسيما عند الأعلام أمثال العالمين المحتفى بهما العلايلي ومغنية، وغيرهما الكثير من أعلامنا أمثال السيد شرف الدين ومحمد عبده والإمام الصدر والإمام الخميني إلا أن الغرب وإعلامه المتصهيّن والموالي لإسرائيل استطاع أن يزرع ويشعل إرهاصات الفتنة المذهبية في أكثر من ساحةٍ في منطقتنا الإسلامية والعربية، أمثال باكستان والعراق وأن يشيع أجواء التوتر المذهبي على امتداد العالم الإسلامي والعربي، والهدف كان طبعاً:

1. إضعاف المقاومة الإسلامية وتيارها المجاهد الذي حقق إنجازاتٍ وانتصاراتٍ مهمةٍ ومدويةٍ في لبنان وفلسطين.

2. ومن جهةٍ أخرى فتح الطريق لترويج التسوية مع الصهاينة [عبر إيجاد حلف إسرائيليٍّ عربيٍّ [سنيٍّ] في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية [الشيعية والتي تحمّلها أميركا وإسرائيل مسؤولية دعم المقاومة] وتنظر إليها باعتبارها نقطة ارتكاز محور الممانعة والصمود في المنطقة.

3. تشجيع واستخدام «الجهل» المولد للعصبيات المذهبية عند البعض من جهةٍ ونشر التيارات التكفيرية من جهةٍ أخرى، حيث يجد الغرب في هذين أفضل بيئةٍ مناسبةٍ لترويج مشروع الفتنة المذهبية وإشعال نيرانها.

في مواجهة ذلك نحن نرى أن الحل يكمن في تحمل الجميع لمسؤولياتهم:

1. العلماء والمثقفين والمفكرين والقادة، لنقل أي نقاشٍ خلافيٍّ مذهبيٍّ إلى الدوائر العلمية والأكاديمية والحوزوية المغلقة بعيداً عن الإعلام. وبث الخطاب التوحيدي الوحدوي المسؤول الواعي.

2. دور وسائل الإعلام في بث ثقافة القواسم المشتركة الكبرى بين المسلمين والإمتناع عن بث أي خطابٍ تحريضيٍّ أو مذهبيٍّ متوترٍ.

تجربة قناة المنار:

- التزامٌ كاملٌ في نهج الوحدة والإمتناع عن بث كل ما يثير التفرقة والحساسيات بين المسلمين، وبث خطابٍ توحيديٍّ وحدويٍّ يستحضر القواسم المشتركة وثقافة وحدة الأمة وهمومها المشتركة والكبرى في مواجهة التحديات وفيها الفلاشات والتنويهات.

- استضافة الشخصيات والعلماء الذين يتبنون خط الوحدة والإعتدال.

- علاقة بين إقرأ/ المنار وفكرة إنشاء اتحادٍ للقنوات الإسلامية طرحها الشيخ صالح كامل، وأنا أدعو لإعادة التواصل معه في هذا المجال.

- محاولةٌ جديدةٌ تم العمل عليها الآن في إيران الإسلام، لجمع كل القنوات الإسلامية تحت عنوان اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية. بهدف بلورة خطابٍ دينيٍّ معتدلٍ ووحدويٍّ ومتوازنٍ للإلتزام به من قبل هذه القنوات... ونسأل الله التوفيق لذلك.

في الخلاصة نجد أنّ على وسائل الإعلام [قنوات، إذاعات، صحف، مجلات، صحافة إلكترونية...ألخ] العربية والإسلامية مسؤوليةً كبرى تدفعها للعمل على:

1. توجيه الأمة إلى قضاياها الكبرى وهمومها الأساسية في الجوانب السياسية والتنموية وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس والمقاومة للإحتلال الصهيوني. ومواجهة سياسات الهيمنة والإحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان.

2. إشاعة ثقافة التلاقي واستحضار القواسم المشتركة في المجالات الفكرية والثقافية والعقائدية بين المسلمين لاسيما في المناسبات الإسلامية الكبرى [شهر رمضان، مولد الرسول الأكرمP «الحج» عيدي الأضحى والفطر... ألخ].

3. استضافة العلماء والمفكرين والمثقفين أصحاب النهج الوحدوي والتقريبي وعدم إفساح المجال لبث أي خطابٍ توتيريٍّ أو مذهبيٍّ أو تكفيريٍّ.

4. بث كليبات وتنويهات تدعو المسلمين للتوحد سياسياً بمواجهة التحديات الكبرى التي تستهدف الأمة بكل مكوناتها.

5. تسليط الضوء على المؤامرات الغربية والصهيونية الهادفة لزرع التفرقة وبث الفتنة بين المسلمين [دراساتٍ عن دوائر القرار الأميركي صدرت قبل سنوات «بعد 11 أيلول» تحدثت بصراحةٍ عن ضرورة إيجاد صدامٍ بين الإسلام المعتدل والمتطرف، وبين السنة والشيعة] أما الدراسات والأبحاث الصهيونية في هذا المجال فهي متعددةٌ وكثيرةٌ أيضاً وكلها تتمحور حول زرع الفتنة والشقاق بين المذاهب الإسلامية.

التقريب بين الأديان

د. رياض جرجور[27]

أيـهـا الحـضـور الكـرام،

يـسـّرنـي أن أكـون مـعـكـم فـي هـذا الـلقـاء، حـيـث نـكـرم مـن اجـتـهـد فـي أن يـكـون الديـن عـنـصـر وفـاق وتـكـاتـف وتـعـاضـد بـيـن جـمـيـع النـاس، وهـدْيـًا لهـم أجـمـعـيـن.

أن التـقـارب بـيـن الأديـان، وبـتـحـديـدٍ أكـبـر: الحـوار بـيـن الأديـان فـي سـبـيـل تـقـاربـهـا، لـهـو حـاجـة مـلـّحـة لـدى كـل الشـعـوب حـتـى تـلـك التـي أدارت ظـهـرهـا فـي المـاضـي لـلديـن والتـديـّن وهـي اليـوم تـعـود إليـه لتـعـطـي مـعـنـى لحـيـاتـهـا.

هـذا، وان ضـرورة التـقـارب بـيـن الأديـان تـنـطـلـق مـن قـنـاعـات لديـنـا ولـدى المـجـمـوعـات التـي نـعـمـل مـعـهـا فـي سـبـيـل تـعـمـيـق العـيـش المـشـتـرك مـن خـلال الحـوار الإسـلامـي المـسـيـحـي. ومـن تـلـك القـنـاعـات:

أولاً: إن الديـن وخـاصـة الديـانـة المـسـيـحـيـة والديـانـة الإسـلامـيـة، هـو عـطـيـّة مـن الله، ورحـمـة مـنـه وهـدايـة لـلبـشـر أجـمـعـيـن، لـذلـك لا يـمـكـن أن يـكـون، فـي جـوهـره وغـايـتـه، إلا ّمـصـدر مـحـبـة وسـلام وعـدل وارتـقـاء لإنـسـانـيـة الإنـسـان فـي تـوقـهـا إلـى الله المـطـلـق الوحـيـد.

ثانياً: والديـن، عـنـدمـا يـصـادره النـاس ويـسـتـأثـرون بـه، ويـجعـلونـه خـاصـتـهـم، ويـقـطـعـون صـلتـه بـالوحـي الإلهـي، ويـوظـّفـونـه فـي خـدمـة أغـراضـهـم ومـآربـهـم ومـصـالـحـهـم الفـرديـة والفـئـويـة الضـيـقـة ويـُزيـّفـونـه، مـسـتـخـدمـيـن إيـاه فـي تـبـريـر سـيـاسـات الظـلم والعـدوان، أو إضـفـاء صـفـة المـطـلقـيـة عـلـى أحـلام وأوهـام مـدمـّرة، إنـمـا يـصـبـح الوسـيـلـة الأكـثـر فـتـكـًا بـالنـاس فـي كـرامـتـهـم وحـقـوقـهـم المـشـروعـة.

ثالثـًا: أمـا التـعـدديـة الديـنـيـة والطـائـفـيـة فـهـي، مـن وجـهـة نـظـر لاهـوتـيـة، وفـي الحـكـمـة الإلهـيـة ومـقـاصـدهـا، تـعـدّد فـي سـبـل الخـلاص، اسـتـنـسـابـًا لـلزمـان والمـكـان ولأوضـاع البـشـر المـخـتـلفـة، لـذلـك، فـالتـعـدديـة تـتـنـاقـض مـع احـتـكـار شـكـل التـديـّن والإسـتـكـبـار، والإخـتـزال، والإحـتـواء والإسـتـتـبـاع، بـل هـي دعـوة إلـى الحـوار لمـعـرفـة الآخـر كـمـا يـعـرف هـو ذاتـه ويـُعـرّف عـن ذاتـه، وصـولاً إلـى احـتـرام مـتـبـادل ومـشـاركـة فـعـّالـة لبـنـاء المـديـنـة الأرضـيـة كـمـا يـريـدهـا الله تـعـالـى.

هـذا عـلـى صـعـيـد قـنـاعـاتـنـا فـي مـوجـبـات التـقـارب مـا بـيـن الأديـان، ولا سـيـمـا بـيـن المـسـيـحـّيـة والإسـلام.

أمـا عـلـى مـسـتـوى الأهـداف المـجـتـمـعـيـة المـيـدانـيـة التـي عـلـى التـقـارب الإسـلامـي المـسـيـحـي أن يـحـدّدهـا، فـهـنـاك أكـثـر مـن هـدف تـنـكـشـف لـنـا أهـمـيـتـه لا بـل إلحـاحـيـّتـه لتـحـسـيـن صـحـة العـلاقـات المـتـبـادلـة بـيـن أفـراد مـجـتـمـعـاتـنـا وشـرائـحـهـا.

نـذكـر هـنـا بـعـضـًا مـن تـلـك الأهـداف:

أولاً: رصـْدُ حـالـة العـيـش المـشـتـرك فـي كـل بـلدانـنـا، رصـدًا مـوضـوعـيـًا، عـلمـيـًا، مـعـمـّقـًا، يـخـلـو مـن كـل أنـواع الأفـكـار المـسـبـقـة، والأحـكـام القـيـمـيـّة، والتـصـّورات المـتـخـّيـلـة الوهـمـيـة والمـتـوارثـة فـي الذاكـرة الجـمـاعـيـة، وجـمـيـع الإسـقـاطـات المـُغـرضـة التـي نـسـجـهـا الغـرب، بـمـسـتـشـرقـيـه وسـيـاسـيـّيـه، وفـرضـهـا عـلـى مـجـتـمـعـاتـنـا الشـرقـيـة بـقـوة هـيـمـنـتـه الثـقـافـيـة الاسـتـعـمـاريـة.

ثانيـًا: تـحـديـد مـواقـع التـوتـرات والنـزاعـات التـي تـُسـتـخـدم فـيـهـا المـشـاعـر الديـنـيـة وقـودًا لإذكـاء الصـراعـات بـيـن فـئـات المـجـتـمـع الواحـد، والديـنُ الأصـيـلُ مـنـهـا بـراء.

ولـمـا كـانـت المـصـالح المـاديـّة القـومـيـة والفـئـويـة هـي التـي تـتـحـكـّم فـي العـلاقـات مـا بـيـن الدول، فـإن الدول المـتـطـورة اقـتـصـاديـًا وعـسـكـريـًا لا تـتـوانـى أبـدًا عـن اسـتـخـدام ضـعـف دول العـالم الثـالث مـن جـهـة، وتـمـسـّك شـعـوبـهـا بـالديـن مـن جـهـة ثـانـيـة، لتـتـدخـّل بـاسـتـمـرار مـن خـلال الاخـتـلافـات الديـنـيـة لـدى تـلـك الشـعـوب، فـتـحـوّل الاخـتـلافـات إلـى صـراعـات. مـن هـنـا يـأتـي دور الحـوار الإسـلامـي - المـسـيـحـي فـي كـشـف تـلـك التـدخـّلات الخـارجـيـة وفـضـحـهـا وبـالتـالـي مـنـعـهـا مـن زرع الفـتـن فـي مـجـتـمـعـاتـنـا. إلا ّأن الحـوار الإسـلامـي - المـسـيـحـي الحـقـيـقـي، وفـيـمـا هـو يـقـوم بـوظـيـفـة صـدّ التـدخـّلات الخـارجـيـة وتـعـطـيـلهـا، عـليـه بـالوقـت نـفـسـه ألا ّيـغـفـل عـن التـنـاقـضـات الفـعـليـة فـي داخـل كـل مـجـتـمـع. وهـكـذا، يـصـبـح مـن مـهـمـات الحـوار تـحـصـيـن الجـبـهـات الداخـليـة والتـصـدّي لـلتـدخـّلات الخـارجـيـة فـي أن ٍ واحـد.

ثالثـًا: اسـتـكـشـاف المـسـاحـات المـشـتـركـة، عـلـى صـعـيـد الديـن، والأخـلاق، والقـيـم، والثـقـافـة، ومـا يـشـكـّل تـحـدّيـات مـشـتـركـة تـهـدّد المـصـيـر الواحـد. ومـمـا يـسـوّغ مـثـل هـذا الاسـتـكـشـاف هـو أن مـسـاحـات عـديـدة مـشـتـركـة وإيـجـابـيـة جـدًا غـالبـًا مـا تـكـون مـطـمـوسـة، مـغـيـّبـة، مـنـسـيـّة، مـُهـمـلـة، مـحـرَّفـة. فـالبـحـث عـن القـيـم الروحـيـة والإنـسـانـيـة المـشـتـركـة فـي تـراث الديـنَـيـْن وفـي سـلـوك أتـبـاعـه، وعـن النـمـاذج المـشـرقـة لتـجـارب العـيـش المـشـتـرك والتـضـامـن والتـراحـم والتـوادّ، وإبـراز تـلـك النـمـاذج، إنـمـا يـشـكـّل تـمـهـيـدَ أرضـيـةٍ واسـعـةٍ ومـوآتـيـة لإنـجـاح أي مـشـروع حـواري مـشـتـرك.

أمـا عـلـى مـسـتـوى الوسـائـل التـي يـحـسـن اسـتـخـدامـهـا، فـاخـتـيـارهـا يـتـعـلـّق، بـشـكـل عـام، بـاخـتـيـار الأهـداف. مـع ذلـك، فـمـّمـا لا شـك فـيـه أن بـعـض الوسـائـل تـشـكـّل جـامـعـًا مـشـتـركـًا لـكـل الأهـداف.

مـن تـلـك الوسـائـل:

أولاً: ابـتـغـاء الصـراحـة والتـصـارح، الإيـضـاح والاسـتـيـضـاح فـي كـل مـشـروع حـواري نـبـدأ بـه. يـجـب عـليـنـا بـالتـالـي الإبـتـعـاد عـن الريـاء المـتـبـادل والمـجـامـلـة والنـفـاق. بـل يـجـب عـليـنـا اعـتـمـاد لـغـة لا لـغـتـْيـن، تـتـوجـّه الأولـى إلـى الجـمـاعـة التـي يـنـتـمـي إليـهـا المـحـاور والثـانـيـة إلـى الجـمـاعـة الأخـرى.

ثانيـًا: الإبـتـعـادُ عـن مـمـارسـة الحـوار المـؤســَّس عـلـى المـنـاظـرات العـِقـْديـة، والمـسـاجـلات الديـنـيـة الجـدليـّة التـي تـسـتـدعـي المـقـارنـة والمـفـاضـلـة وإظـهـار التـفـوّق والاسـتـعـلاء.

ثالثـًا: نـقـلُ الحـوار الإسـلامـي - المـسـيـحـي مـن «القـمـة» فـي الهـرم المـجـتـمـعـي، ومـن «النـخـبـة» الثـقـافـيـة، إلـى «القـاعـدة» الشـعـبـيـة وإلـى الشـرائـح الواسـعـة فـي المـجـتـمـع.

رابعًـا: رسـمُ خـطـط عـمـليـّة ومـتـكـامـلـة عـلـى مـسـتـوى الخـطـاب الديـنـي والخـطـاب السـيـاسـي والإعـلام، وبـالأخـص عـلـى مـسـتـوى النـظـام المـدرسـي والتـربـوي التـثـقـيـفـي لبـنـاء حـوار إسـلامـي - مـسـيـحـي يـسـاهـم فـي مـعـرفـة الآخـر كـمـا هـو، أي كـمـا يـعـرّف هـو عـن ذاتـه، لـلقـائـه والتـفـاعـل والعـمـل مـعـه عـلـى أسـاس المـواطـنـة الواحـدة والانـتـمـاء الواحـد والمـصـيـر الواحـد.

أيـهـا الحـضـور الكـرام:

إن هـذه القـنـاعـات، والأهـداف المـجـتـمـعـيـة والوسـائـل التـي ذكـرنـا فـي مـا يـتـعـلق بـوجـوب التـقـارب بـيـن الأديـان تـبـقـى غـيـر كـافـيـة، أو أقـلـّه ثـانـويـّة إنْ لم تـتـرافـق مـع التـقـوى التـي تـجـعـل الإنـسـان يـُسـْلـِمُ ذاتـه لله ويـنـصـاع إلـى تـتـمـيـم مـشـيـئـتـه العـلويـة. وإذا اهـتـديـنـا بـروح الله فـإن بـنـاء مـديـنـتـنـا الأرضـيـة سـيـتـمّ وفـق مـشـيـئـة الله تـعـالـى. وكـمـا يـقـول الكـتـاب المـقـدس: «إن لم يـَبـْن ِالربُّ البـيـت، فبـاطـلا ًيـتـعـبُ البـنـّاؤون»، وعـليـكـم السـلام.

الوحدة الإسلامية والتقريب

الشيخ حسين غبريس[28]

يشرفنا في تجمع العلماء المسلمين في لبنان إلى جانب المستشارية الثقافية الإيرانية والمجمع العالمي للتقريب وجمعية الإمام الصادقQ أن نكون ممن يرفعون لواء العلماء تكريماً لهم ولعطاءاتهم المتميزة.

وما لقاؤنا اليوم في هذا المؤتمر التكريمي لعالمين مسلمين جليلين، الشيخ العلايلي والشيخ مغنية إلا في هذا الإطار وقد آلينا على أنفسنا في التجمع أن نستمر في نهجنا الذي عليه بدأنا وبه نلاقي وجه ربنا إن شاء الله، خصوصاً في مجال الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب وعليه جاء إختيارنا هذه المرة للعالمين المذكورين نظراً لدورهما المميز في خط الوحدة الإسلامية.

لن أستهلك الوقت المخصص في الإسهاب عن شخصية كل منهما، ولن أدخل في التفاصيل وهناك جلسات مفردة لهما ويمكن للمتحدثين الأفاضل التوقف لتناول كل ما يتعلق بالعالمين الراحلين لكني أجد نفسي ملزماً أن أشير إشارات سريعة تحديداً حول شخصية العلامة الشيخ مغنية وذلك لإعتبارين إثنين أولهما لأنني أنتمي للقرية ذاتها [طير دبا] وقد عاصرته قليلاً من الزمن في أواخر أيامه، وثانيهما إنتمائي لنفس المنهج والطريقة التي كان عليها(رض) أي خط الوحدة الإسلامية والعمل على التقريب بين المذاهب المختلفة.

الإشارة الأولى/ مواكبته للعصرنة: لقد سخّر قلمه(رض) حتى الرمق الأخير كتابة في شتى المواضيع من التفسير والحديث والفقه والتشريع والإجتماع وذلك في قالب يتماشى مع حركة الحياة وتطورها ما جعل منه عالماً علامة ومجتهداً مجدداً.

الإشارة الثانية: عملM على تقديم نظرية الوحدة بين المسلمين في إطار الكتابة لتبقى حركة ثقافية تدرس للأجيال عبر الفقه المقارن وسواه لإقناع المسلمين قبل غيرهم أن الإختلاف في الفقه ليس سبباً للنزاع والفرقة والتقاتل، وهو موجود أي الإختلاف أصلاً بين إتباع المذهب الواحد.

وكذلك دوَّن تجاربه الغنية في المنظرات والحوارات العديدة التي قام بها مع العديد من علماء أهل السنة في حينه في عدة أقطار من بلدان العالم العربي والإسلامي.

الإشارة الثالثة: لم يقتصر الشيخ في حياته على إبراز علمه في الكتابة وما شاكل بل قدم انموذجاً ثائراً ومتميزاً حيث إنتقض على الحاكم آنذاك عندما تخلى طوعاً عن منصب رئاسة المحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان عندما طلب منه بعض الساسة المسايرة في إصدار حكم قضائي لصالح بعض من أتباعهم قائلاً: «لا أبقى لحظة في منصب يريدني الساسة أن أغضب فيه الله مقدماً طاعتهم عليه»، عندها لجأوا إلى إقالته. وهنا يمكن القول أنه رفض الإنصياع للزعماء تطبيقاً للحديث المشهور إذا وجدت العلماء عند أبواب الزعماء فبئس هؤلاء وهؤلاء.

الإشارة الرابعة: مواكبته للشأن السياسي العام من موقعه كعالم ديني وذلك عبر تأييده ودعمه الكامل للثورة الإسلامية المباركة في إيران والتي لم يكن قد مرّ عليها إلا أشهر قليلة فصلت إنتصارها عن رحيله عن الدنيا، ومع هذا أدرك بسرعة ومن خلال ورعه وتقواه وحكمته أن الإمام الخميني العالم{ أهل للقيادة والزعامة فقال كلمته المشهورة عند الحدث أي إنتصار الثورة «الآن أدركت معنى قول الإمام الحل بإسقاط الشاه» وذلك في إشارة إلى ما جرى في اللقاء الشهير في النجف الأشرف بين الإمام ومجموعة من العلماء اللبنانيين وغيرهم أثناء الإجتياح الصهيوني للبنان عام 1978.

الإشارة الخامسة: تطبيقه للحديث الشريف «أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»عملياً حيث كنت أراه كل صباح باكراً يتجول في المكتبات بحثاً بين الرفوف عن عنوان جديد يعكف على إلتهامه ليضيف ثقافة جديدة وعلماً جديداً لمعارفه المتنوعة، حتى نقل لي نجله الوحيد المرحوم عبد الحسين مغنية أن مكتبة الشيخ الخاصة في بيته لم تعد تتسع للمزيد من الكتب والتي وضعت في كل مكان من أرجاء المنزل.

- أما عن العلامة العلايليM، فإني أكتفي بالإشارة إلى ناحيتين في حياته:

الأولى: رفضه للواقع الذي كان فيه وهنا محاولته إحداث التغيير في المدرسة الدينية والسلك الديني ما جعل البعض ينعته بالشيخ الأحمر لثنيه عن نشاطه المتواصل والذي ما أنفك يجهر بقول كلمة الحق، نظراً لحجة برهانه وبلاغة بيانه وعدم قبوله بالخطأ الذي كان يمارسه بعض المعممين آنذاك.

الناحية الثانية: جهاده القوي في سبيل إرساء قواعد وأسس الوحدة بين المسلمين والعمل على التقريب بين المذاهب المختلفة حتى إتهمه البعض بالخروج عن المألوف المذهبي ومحاباته للمذهب الأخر أو حتى إتهامه بتغيير المذهب.

وهناك الكثير من المشتركات في فهم وعقلية الشيخين.

وعليه ونحن نكرم العالمين الجليلين(رحمهما الله تعالى) ومن صميم قناعتنا ومعتقدنا نؤكد على جملة من الثوابت نؤمن بها نحن في تجمع العلماء المسلمين.

أولاً: لن نحيد الإطلاق عن خطنا ونهجنا الوحدوي والذي إرتضيناه لأنفسنا ثقة منا بأنه النهج المحمدي الأصيل وبه نتقرب إلى الله تعالى وعليه نلقاه.

ثانياً: على المسلمين جميعاً نبذ الخلاف المذهبي والإنطلاق معاً تحت راية الإسلام الجامعة والموحدة لأبناء الأمة مهما إختلفت ألوانهم وجنسياتهم وسياساتهم.

ثالثاً: نحن حلفاء للجمهورية الإسلامية الإيرانية وسنبقى كذلك وما الدعايات المغرضة التي يعمل على نشرها الأعداء عبر الوسائل المتعددة للإيقاع بين العرب وإيران تارة بالقومية وتارة بالمذهبية إلا محاولات خبيثة ترمي إلى تمزيق الأمة جماعات متناحرة ليسهل عليهم ابتلاعنا والسيطرة على مقدراتنا، فلنفوت الفرصة عليهم.

رابعاً: نرفض طل الإحتلالات لأراضي المسلمين وتحت أية ذريعة لا سيما الإحتلال الصهيوني الغيض لفلسطين الحبيبة ونؤمن أن السبيل الأوحد لإسترجاع الأرض والحقوق هو بالمقاومة المسلَّحة، وتصعيد هذه المقاومة بكل الأشكال الممكنة ودعم حركات المقاومة الحقة في لبنان والعراق وفلسطين.

خامساً: وأخيراً ندعو لقيام تجمّع عالمي لعلماء الأمة الإسلامية ومن كافة أقطار العالم الإسلامي على غرار التجمع في لبنان والذي مضى عليه ربع قرن من الزمان.

ولذلك ليعود العلماء إلى قيادة الأمة بالشكل السليم والحضاري والناجح والذي يرضي الله تعالى.

ومن جانبنا سنعمل على تحقيق هذا الهدف بإذن الله تعالى. رحم الله العالمين الجليلين.

التقريب «نظرة واقعية»

الشيخ د. خالد الملا[29]

أيها الإخوة والأخوات: إن توحيد الله سبحانه وتعالى هو الأصل الجامع الذي تتألف عليه جموع الأمة الإسلامية من الشرق إلى الغرب في إفاء تعبدي لا نظير له.. حيث تتوحد في إطار رب كريم عظيم «يعبدونني لا يشركون بي شيئاً وقد أراد لها أن تكون كالجسد الواحد إذا إشتكى بعضُهُ إشتكى كله مثلما ورد في الحديث عن رسول الله P المسلمون كالجسد الواحد إذا إشتكى بعضه إشتكى كله»

ويوم يقفُ المسلمون ليخوضوا تحديات تهدد مصيرهم وتريد النيل من مقدساتهم وكرامتهم.. إنما يقفون عبر مشترك واحد لا ثاني له.. وهي عبادة الله وحده حيث جاء من صلى صلاتنا وإستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما لنا وعليه نا علينا وهكذا وقف المقاومون في لبنان والمقاومون في غزة على خط واحد من هذا المبدأ الرباني فإنتصروا.

نعم..هذه مشتركات لابد أن نستثمرها في تقوية أوامر وحدتنا حيث يقول تعالى: ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭼ[30] وكم هو ملفت لنظر العقلاء والمفكرين حينما تقرأ أن الله تعالى قدم في هذه الأية الكريمة وحدة المة على عبادته ووحدانيته وكأنه سبحانه يريدُ أن يبين لعباده أن حقيقة العبادة له كما يريد جلّ وعلا تنسجم في وجود هذه الأمة التي أريد لها أن تكون شاهدةً على كل الأمم.

فحينها تكون هذه الأمة صفاً واحداً كالبنيان المرصوص تسجدُ لله في محراب واحد للعبودية وتقدمُ بأعباء الرسالة السماوية والخلافة الإنسانسة فيها تحقق أهدافها في عمارة الأرض نعم فيما تكون الوحدة هي العمو الأساسي لإقامة بناء الكيان الإنساني والذي يتوجه جميعه إلى عبادة الله الواحد هنا يتضح لنا السر في إنتصار الأمة على أعدائها فحينها وحد الإسلام أمته والتي أخرجها من سفه الجاهل والشرك والعصبية القبلية التي كانت تحكمُ أنذاك وضع على عاتقها مسؤولية التغيير ليقوم شرع الله في أرضه وتعلو كلمةُ الله على أرجاء المعمورة

نعم إن سر الفوز الذي حققه المسلمون والنجاح الذي كسبهُ الأوائل المتميزون هو بوحدة كلمتها و... ولُحمتها... بالحب والإخاء والتكامل ومن هنا جاءت الوصية القرآنية العظيمة واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا لتجسد في ذلك حقيقة الشرط الجازم والذي سيحققون لنا النصر الاكيد سيما إذا عملنا ضمن وثيقة التلازم أن تنصروا الله ينصركم

ولا بد في الختام من أن...علاءهم الأساسي التي يجب أن يطلق منها لتوحيد صف الأمة وملوقون أمام التحديات التي تهددها.

1- التعاون في المتفق عليه وهي قضايا كثيرة جداً.

2- التسامح في المختلف فيه وقد قال المرحوم العلامة محمد رشيد رضا كلمة...... التعاون بين المسلمين نتعاون فيما إتفقنا عليه ويقرر بعضنا بعضا فيما إختلفنا عليه وهذا لا يتحقق إلا إذا أدركنا أن الإجتهاد أصلٌ من أصول الشخصية.

3- الإعتدال وعدم... وهذا من الطرفين.

4- الإعتراف بالآخر فهذا من الطرفين.

5- أن نستفيد من وقفات التاريخ ونُذكر بكلمة قالها الراعي الكبير محفوظ نحناح لولا أوروبا إستطاعة بعد فرض حربين عالمتين كان فيهما أكثر من ثمانية ملايين ضحية لكنهم أوجدوا سوقاً مشتركة وبرلمانات أوروبياً ونقداً موحداً وجوازاً موحداً إذن أوروبا إستطاعت أن تريب الفوارق فيما بينها فنحن من باب أول.

6- الإنتباه لمخططات أعداءنا بإعتبار أنهم يزرعون بذور الفتنة وخاصةً الدفع نحو الصراع مع الأخذ.. شعي سني وعربي إيراني أو عربي كردي.. لكي تنشغل الأمة كاملا عن أولوياتها وتطلعاتها.

وأخيراً لا بد من الإشادة بموقف المجمع العالمي التونسي بين المذاهب ولما يقدمه دائماً من أسس عملية لوحدة الصف بين المسلمين والشكر موصول للأقوام المستشارية الثقافية لجمهورية أيران الإسلامية في لبنان ولجمعية الإمام الصادق تجمع علماء المسلمين في لبنان ولكل من ساهم في هذا الؤتمر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[1] أمين عام اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الإسلامي.

[2] سورة البقرة، الآية 136.

[3] سورة الحجرات، الآية 13.

[4] سورة الزمر، الآية 9.

[5] رئيس وكالة أنباء التقريب.

[6] سورة آل عمران، الآية 18.

[7] سورة الزخرف، الآية 23.

[8] سورة الزخرف، الآية 24.

[9] سورة الأعراف، الآية 156.

[10] سورة الأنعام، الآية 54.

[11] سورة الأنبياء، الآية 107.

[12] سورة الروم، الآية 21.

[13] مشاهد وقصص من أيام النبوة ص 85.

[14] مثلهن الاعلی السيدة خديجة ص 71

[15] مقدمات لفهم التاريخ العربي ص 15

[16] مقدمات لفهم التاريخ العربي ص 21.

[17] مقدمات لفهم التاريخ العربي ص 37.

[18] مقدمات لفهم التاريخ العربي ص 68.

[19] مشاهد وقصص من أيام النبوة ص 29.

[20] سورة الشورى، الآية 38.

[21] سورة آل عمران، الآية 159.

[22] سورة النساء، الآية 59.

[23] مقدمات لفهم التاريخ العربي ص135.

[24] سموّا المعنی في سموّالذات أو أشعة من حياة الحسين ص 169.

[25] مدير عام قناة المنار- سابقاً.

[26] سورة الأنبياء، الآية 92.

[27] أمين عام الفريق العربي للحوار بين الإسلامي والمسيحي.

[28] أمين سر تجمع علماء المسلمين.

[29] رئيس جماعة علماء العراق في الجنوب.

[30] سورة الأنبياء، الآية 92.

الفصل الثاني

المنهج الإجتهادي
وتعدّد العلوم عند مغنية والعلايلي

الأبحاث:

العلامة مغنية فقهه واتجاهه التقريبي
«في الفقه على المذاهب الخمسة»

الشيخ محمد علي التسخيري[1]

كنت أود الحديث عن هذا العنوان في مجموع ما كتبه العلامة الكبير الشيخ محمد جواد مغنية، ولكني، فوجئت بأن كتاباً واحداً منها هو [الفقه على المذاهب الخمسة] لوحده استوعب مساحة كبيرة من الموضوع جعلتني أركز عليه ليكون الحلقة الاولى من دراسة أوسع. وإنه لأهل لتلك الدراسة خصوصاً وأن بعض كتبه الأخر من مثل [فقه الامام الصادق] يمتلك عمقاً وبحثاً أوسع في المجال الفقهي.

وسوف أركز في القسم الأول من هذه الدراسة على شخصيته الفقهية كما تتجلى من استعراض هذا الكتاب بكل وضوح رغم أنه لم يقصد أن يؤلف كتاباً استدلالياً، بل أكد أنه كان يريد في بدء الأمر أن يذكر مع كل قول من أقوال المذهب دليله الذي استند اليه صاحبه ولكن أشير عليه أن يقتصر على ذكر الأقوال فقط تسهيلاً على الناس ورواجاً للكتاب، ولأن الكثير ممن درسوا الفقه يهتمون بالفتوى أكثر من اهتمامهم بالدليل فكيف بغيرهم؟ ومن هنا فقد عزم على ترك التدليل الا ما ندر(راجع المقدمة).

ومع هذا فقد احصيت العشرات من الموارد التي تعرض فيها للادة وأبدى رأيه في كثير منها وربما بشيء من التفصيل والتطويل واستطلاع آراء المرجعيات الكبيرة وربما عمد الى ذكر رسائله اليهم وأجوبتها.

ومن هنا فإن الدارس يستطيع أن يستكشف شخصيته العلمية بوضوح.

القسم الأول: شخصيته الفقهية وبعض أبعادها

قلنا أنه رغم عزمه على عدم الاستدلال وإظهار الراي، لجأ إليه في موارد عديدة: من قبيل:

1- في مسألة صوت الأجنبية وأنه ليس بعورة ذكر أدلة صاحب[جواهر الكلام] الشيخ النجفي من جريان السيرة، ومن خطبة الزهراQ في المسجد وبناتها، ومخاطبة النساء للنبي والعلماء ومن قوله تعالى: «ولا يخضعن بالقول» حيث لم ينه عن أصل القول[2].

2- وحول سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة يفتي ببقاء هذا السهم وأنه يعطي للمسلم وغيره شريطة أن يعود العطاء بالخير والمصلحة على الإسلام والمسلمين ويقول: «لقد أعطى رسول اللهP صفوان بن أمية وهو مشرك، كما اعطى ابا سفيان وأمثاله بعد أن اظهروا الإسلام»[3].

3- وحول عدم فورية وجوب الحج يقول: «وهذا القول ساعدت عليه الصناعة، لأن أحاديث الفور محل للنظر والنقاش ولكنه يؤدي الى التهاون.... فالفورية أحفظ وأحوط»[4].

4- وحول اشتراط مرافقة المحرم للمرأة في سفر الحج وعدمه يقول: «كان لهذا البحث وأمثاله وجه فيما سبق... أما اليوم فلا تترتب عليه أية ثمرة»[5].

5- وحول بدلية التيمم عن الغسل بعد أن بين الاختلاف قال: «والحق المنع كما قالت الحنفية والمالكية لأن هذا التيمم من العبادات وهي لا تشرع الا بدليل، ولا دليل» ويدخل في مناقشة للمرحوم السيد الحكيم في المستمسك، ويذكر أنه أرسل الملاحظة واستلم جوابها[6].

6- وحول تشدد الفقهاء في مسألة البدء بالحجر الأسود بدقة يقول: «لقد جاءت هذه العبارة، وما إليها في كثير من كتب الفقه.

... وعلّق عليها صاحب الجواهر بكلام طويل دل على اعتدال في الفطرة، وسلامة في الذوق». واقتطف منه بعضه حيث اعتبره من المستهجنات القبيحة التي تشبه أحوال المجانين وقد روي أن الرسولP طاف على راحلته، وراح يؤيده بأقوال باقي العلماء[7].

7- وفي مسألة الجمع بين العمة وبنت أخيها قال: «واستدلوا بالآية 24 من سورة النساء ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ». فبعد أن عددت المحارم أباحت غيرهن، وهذه الإباحة تشمل الجمع بين العمة وبنت الأخ والخالة وبنت الأخت....»[8].

8- وفي موضوع امتلاك البالغة الرشيدة أمرها قال:«واستدلوا على ذلك بالقرآن»: ﭽ  ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ [9] وبالحديث عن ابن عباس عن النبي: «الأيم أحق بنفسها من وليها».. واستدلوا بالعقل... وقد أحسن ابن القيم في قوله: «كيف يجوز للأب ان يزف ابنته بغير رضاها الى من يريده هو وهي من أكره الناس فيه وهو ابغض شيء إليها. ومع هذا ينكحها إياه قهراً، ويجعلها أسيرة لديه...»[10].

9- وفي شرط الكفاءة في الزواج يقول: «ومهما يكن فإن شرط الكفاءة في الزواج لا يتلاءم مع نص القرآن: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» ومع مبادىء الإسلام «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ومع سنة الرسول... لذلك رأينا جماعة من كبار العلماء لا يشترطون الكفاءة»[11].

10- وفي مسألة ولد الشبهة يقول: «ومهما يكن فإن أصول التشريع عند السنة والشيعة تستدعي عدم جواز الحكم على إنسان تولد من ماء إنسان أنه ابن زنا متى أمكن حمله على أنه ابن شبهة...»[12].

وهكذا نجده في كثير من الموارد يستدل ويناقش بقوة[13].

وربما راح يذكر المصادر[14] وإن كان نقل الأقوال في الأعم يتم بلا ذكر لمصدر. وقد يشير الى تطابق بعض الآراء القديمة مع آراء علمية حديثة، كما جاء في نص عن الشعراني يجيز للإمام أن يفرض ضرائب على أصحاب المعادن للتقليل من خطرهم حيث علق عليه: «وهذا تعبير ثان عن النظرية الحديثة بأن رأس المال يؤدي بأصحابه إلى السيطرة على الحكم»[15].

وقد يفصل فيذكر رأي فقهاء عدة من مذهب واحد[16].

وربما صحح بعض ما نقله العلماء فرد على ما نقله الدكتور محمد يوسف موسى من أن الشيعة يشترطون الإشهاد في الزواج، وساوى بينهم وبين الحنفية والشافعية فقال: ولا مصدر لهذا القول[17] ورد على الشيخ الخفيف نسبة بطلان اشتراط المرأة على زوجها أن لا يخرجها من بلدها الى الشيعة واعتبره خلطا بينه وبين ما يتنافى مع مقتضى العقد[18] وكذلك رد عليه في مسألة جواز طلاق السفيه بإذن وليه[19].

ونحن نجده أحياناً يدخل في عملية استدلال مفصلة كما في مسألة [ثبوت الزواج بالمعاشرة] ويأخذ في بيان الإشكالات وجوابها[20].

وقد يصف بعض الآراء بمخالفة البديهة: كما في من يشترطون استقبال عين الكعبة للقريب والبعيد على السواء[21] وكذلك في مسألة هدر الأضاحي، فقد ناقش المرحوم شلتوت على صفحات [رسالة الإسلام] واعترض عليها في بعض كتبه[22] وهكذا نجده يعترض على بعض المجتهدين في آرائهم في الحج قائلاً: «وصدقوني ان عقلي لم يهضم مثل هذا من مجتهد مطلق رغم أني قرأته وسمعته»[23].

وفي مسألة [التبني] يقول: «وذكر الفقهاء في هذا الباب فروعاً كثيرة، منها مالا يقبله عقل ولا شرع... ومنها مالا نعلم مكانه من الصحة في نظر الطب...»[24].

وربما استطرف بعض الأقوال.

كما في قول ابن أبي ليلى بمنع الأنسان عن الاغتسال عارياً لأن في الماء ساكناً[25] وكما في بعض الأقوال في أقل مدة الحمل[26] وكما في ما نقله في «المغني» عن بعض أنواع الولادة[27] وكذلك في ما نشرته الصحف عن الأوقاف المصرية[28].

ونلاحظ لدى المرحوم الشيخ جرأة أحياناً يقل نظيرها وذلك كما في نقده للفقهاء في مسألة [أقل مدة الحمل] حيث يقول: «وبديهة أن هذا البحث من اختصاص الأطباء لا الفقهاء وعليه لا يحب العمل بقولهم إذا خالف العيان والواقع، لأن منطق الواقع أقوى من منطقهم... ونحن ننقل أقوال المذاهب... على أساس عدم وجوب التدين بشيء من ظاهرأقوالهم إذا خالفت الواقع»[29]. وهو مستعد للتنازل عن رأي سابق له بعد أن ثبت له بطلانه، كما في مسألة تأجيل المهر لأقرب الأجلين[30].

بقي أن نشير إلى أنهM كان وهو يستعرض الأقوال ينتقد وضعاً اجتماعياً منحرفاً كما في حالة الحجاب حيث يقول: «لقد تساهل الإسلام مع المسنات ومشدد على الشابات، ولكن جاء العمل على عكس ما أمر به القرآن الكريم حيث نرى التبرج والتهتك في الشابات والتستر والتحفظ من المسنات فتساهلن فيما شدد الله وشددن فيما سهل الله»[31].

وهذا ما نجده أيضاً في مسألة تحويل قضية ثبوت الهلال الشرعية الى قضية سياسية أو قضية فلكية، بعد أن ناقش حجج الموافقين والمخالفين أدلى فيها برأيه القائل بأن الفلكيين إنما يعتمد عليهم إذا قطعوا بشيء وتكرر صدقهم وليس الأمر فعلاً كذلك»[32].

وهو بالتالي يعمل على توضيح مداليل فعل الشريعة ويدفع عنها الشبهات ويبين مغزى بعض الأحكام كما فعل أثناء عرضه لمعالجة الشريعة لمسألة الزنا حيث ضيقت الأمر فيه أيما تضييق ولكنها ضيقت أمر إثباته[33]. كل ذلك في إطار روح سمحة بسيطة متعلقة.

إتجاهه التقريبي:

وهذا الاتجاه تلحظه في كل جنبات هذا الكتاب وبشكل رائع ونحن هنا نشير الى بعض هذه الجوانب.

1- من المحاور التي يؤكد عليها التقربيون مسألة فتح باب الاجتهاد وتفعيل دوره في مسألة مرونة الشريعة وحيوتيها، بل والعمل على تجديدها وإحياء معالمها وهذا أمر بدأ به العلامة وأكد عليه في مقدمته نافياً بذلك كل تعصب مقيت، مشيراً الى كون هذه المذاهب حالة وليدة جديدة تبقى طبيعية ما دامت في إطار الانفتاح وحرية الاجتهاد وتتحول الى طغيان وتعصب إذا انغلقت على نفسها. يقول في مقدمته للكتاب.

2- ما دام الدين لا ينفك عن العقل بحال، فسدّ باب الاجتهاد يكون سداً لباب الدين، لان الاجتهاد معناه انطلاق العقل وإفساح لاستنتاج الفروع من أصولها، فإذا حجرنا على العقل حجرنا على الدين بحكم التلازم بينهما، وبكلمة إذا قلنا بسدّ باب الاجتهاد يلزمنا واحد من أمرين لا ثالث لهما، ولا مناص من الالتزام بأحدهما، إما أن نسد باب الدين، كما سددنا باب الاجتهاد، وأما ان نقول: ان العقل لا يدعم الدين، ولا يقر حكماً من أحكامه؛ وكلاهما بعيد عن منطق الشرع والواقع.

3- ان»العالم» الذي يتعصب لمذهب، أي مذهب، هو أسوأ حالاً من الجاهل. ذلك لأنه لم يتعصب، والحال هذه للدين والإسلام، وإنما تعصب للفرد، لصاحب المذهب بالذات ما دام العقل لا يحتم متابعته بالخصوص، كما ان مخالفة المذهب ليست مخالفة لوقع الاسلام وحقيقته، بل لصاحب المذهب، وبالأصح للصورة الذهنية التي تصورها عن الإسلام.

ومهما يكن؛ فكلنا يعلم انه لم يكن في الصدر الأول مذاهب وفرق حين كان الإسلام صفواً من كل شائبة، وكان المسلمون في طليعة الأمم، ويعلم أيضاً علم اليقين ان هذه الفرق والمذاهب باعدت بين المسلمين. وأقامت بينهم حواجز وفواصل حالت دون قوتهم وسيرهم لغاية واحدة، وان المستعمرين وأعداء الإسلام وجدوا في هذا التفرقة خير الفرص للاستغلال وإثارة الفتن. وما سيطر الغرب على الشرق، وبلغ النهاية في استغلاله وإستدلاله إلا عن طريق الفُرقة وتفتيت القوى.

لهذا كله نشأ في عقول القادة المخلصين فكرة توحيد الكلمة وتماسك الجماعة الإسلامية. والعمل لها بشتى الوسائل، ومن هذه الوسائل فتح باب الاجتهاد والقضاء على الطغيان لتبعية لمذهب معين.

والمعروف بين المتفقهين أن السبب الموجب لسد باب الاجتهاد أن فتحه على مصراعيه أحدث اضطراباً وفوضى، حيث تطاول إليه الصغار من طلاب العلم، وادّعاه من ليس له بأهل، حتى استامه كل مفلس، أي ان «المصلحين» داووا المرض بالقضاء على المريض، ولا باستئصال الداء!

هذا ما سطره الأولون في كتبهم، وردده المتأخرون على ألسنتهم من دون تحقيق وتمحيص، أما أنا فأميل إلى أن السبب الوحيد لسد باب الاجتهاد هو تخوّف الحاكم الظالم من حرية الرأي والقول على نفسه وعرشه، فاحتال وتذرع بحماية الدين -كما هي عادته - لينكل بكل حر يأبى التعاون مع دولته على الفسق والفجور.

ولا أدل على هذه الحقيقة من أن الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد لم تبرز إلى الوجود إلا حين ضعفت السيطرة الأجنبية والرجعية، وما زال تحققها رهناً بتحقق الحرية بأكمل معانيها.

وبعد، فإن كلاً من التقليد والخضوع للطامعين رقّ وعبودية، وقد عشنا معهما زمناً طويلاً، وآن لنا أن نعيش أحراراً في أفكارنا، كما نعيش أحراراً في بلادنا، وندع التقليد لمذهب خاص وقول معين، ونختار من اجتهادات جميع المذاهب ما يتفق مع تطور الحياة، ويسر الشريعة. وإذا لم يكن التخير من المذاهب اجتهاداً مطلقاً فإنه على كل حال ضرب من الاجتهاد.

على هذا الأساس، أساس التمهيد للتخير من جميع المذاهب، عزمت على وضع هذا الكتاب ملخصاً فيه أقوال المذاهب الخمسة: الجعفري والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي من مصادرها. وكما ان في أقوال المذاهب ما يتفق مع الحياة ويحقق العدالة، فإن فيها ما يجب ستره والإعراض عنه، لذا أعرضت عن هذه ضناً بكرامة الفقه والفقهاء.

والحقيقة هي أن المذهبية شكلت غنى لهذه الأمة وحضاراتها قبل أن تتحول الى طائفية عمياء تنقل الصراع من مرحلة الصواب والخطأ الى مرحلة الإيمان والكفر.

ويلاحظ أن كل من قالوا بجواز التعبد بأي مذهب من المذاهب كالمرحوم مغنية والمرحوم شلتوت لم يقصدوا التخيير بينها- كما تصور البعض- وإنما أرادوا التأكيد على أن من ثبتت له أرجحية مذهب على آخر كان له بل وجب عليه أن يتبع ذلك المذهب ويبقى في الإطار الجامع للعمل بالإسلام كل أتباع المذاهب.

أما الاختلاف فهو حالة طبيعية موجودة في مجالات أخرى. يقول مثلاً: «واختلاف أئمة الفقه في تفسير لفظة(الماء) في «سورة المائدة الآية:8» يدلنا على أنه كاختلاف الأدباء في معنى بيت من الشعر، وعلماء اللغة في تفسير كلمة لغوية. انه اختلاف في الفهم والاجتهاد، لا في الأصول والمصادر»[34].

4- كما أن أهم ما ينادى به التقريبيون وخصوصاً في العصر الحاضر هو الفقه المجمعي الذي يحضره الفقهاء من شتى المشارب، ويشارك فيه الخبراء المتخصصون ليشخصوا المواضيع بكل دقة، وتسوده الحرية والصراحة فتطرح مختلف الأدلة، وتشرح مختلف الظروف ثم يختارالرأي الراجح وهو ما يجري في أمثال مجمع الفقه الإسلامي الدولي بحده. ويبدو أن العلامة يشير لهذا النوع من الاجتهاد في بعض أقواله التي يؤكد فيها على أن الفقه يجب أن يسير مع الحياة ويستوعب تغيراتها.

5- وهوM يعمل أحياناً على الجمع بين الأقوال فبعد بيان آراء المذاهب في نية التيمم قال: «وخير وسيلة تجمع بين الأقوال أن يقصد المتيم التقرب الى الله بأمثال الأمر المتعلق بهذا التيمم، سواء تعلق الأمر به ابتداءً أم تولد من الأمر بالصلاة ونموها من غايات التيمم»[35] وربما بذل جهداً ليؤكد التشابه بين الإمامية وغيرهم في الاتفاق والاختلاف[36].

6- وربما حاول أن يبين علة الخلاف ليوضح اتفاقهم على الأصل: يقول في مسألة التعصيب «والامامية لا يثقون بحديث طاووس وينكرون نسبته الى النبي P»[37] ومعنى هذا أن الاختلاف في هذه المسألة المهمة هو في قبول هذا الحديث أو ردّه وإلا فهم متفقون في الأصل.

7- ويبدو أنه كان يسعى لبيان سعة الاتفاق بين المذاهب في أبواب الفقه المتنوعة مع بيان قلة الموارد التي تنفرد بها المذاهب.

كمسألة عدم الملازمة بين جواز الكشف عن البدن وجواز النظر إليه فهي مما قالت به الامامية دون غيرهم[38].

كما انفردت بعدم صحة الصلاة في جلد غير مأكول اللحم[39] وعدم صحة قول [الصلاة خير من النوم وإن وجد من الفقهاء من يوافقهم][40] وانفراد الحنفية بعدم وجوب الجلوس بين السجدتين[41] وانفراد الامامية بوجوب طواف النساء[42]، واشتراط الختان في الطائف[43] والاختلاف في العول والتعصب وكلها موارد لا تشكل الا نسبة صغيرة من مجموع الأحكام.

وإذا كانت المشتركات كثيرة فطبيعي ان التعاون فيها والإعذار في غيرها سيؤدي إلى توحيد المواقف.

8- وهو يسعى بين الحين والآخر لتأكيد اتفاق المذاهب على روايات مشتركة والاستدلال بها[44].

9-  ومن الأمور التي يؤكد عليها مسألة ضرورة أخذ كل مذهب من كتبه لا مما ينقل عنه، فيقول: «لا شيء أصدق في التعبيير عن عقيدة أهل المذهب من كتبهم الدينية بخاصة كتب الفقه والتشريع»[45]. وهذا الأمر من شعارات التقريبين.

10- ومن الحقائق التاريخية التي يتغافلها البعض مسألة تعاون العلماء من الشيعة والسنة عبر التاريخ بشكل رائع لا نجده في واقعنا المعاصر وهو أمر يؤكده المرحوم ويدعو إليه، إذ يقول:«كثيراً ما ينقل العلامة[يقصد الحلي] عبارات المغني بالحرف، ويعتمد عليه في معرفة أقوال المذاهب. وقد تبين لي من الاستقراء والتتبع أن التعاون العلمي بين السنة والشيعة فيما مضى كان أقوى بكثير مما عليه الآن، فالعلامة الحلي ينقل في [التذكرة] أقوال المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم من مذاهب السنة، وزين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني كان يدرس الفقه على المذاهب الخمسة في بعلبك953هـ، وقد درس في دمشق والأزهر، وكذلك الشيخ علي بن عبد العالي المعروف بالمحقق الثاني [الكركي] تاريخ 940هـ درس في الشام والأزهر. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تجرد علماء الإمامية، وطلبهم العلم للعلم. وعلى عملهم بالحديث الشريف: «الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أين وجدها» كما يدل في الوقت نفسه على وحدة أصول الفقه ومصادره عند جميع المذاهب[46] وسيأتي لنا حديث حول هذا الموضوع.

11- ومما يؤكد عليه التقريبيون أن خطاب الإسلام وأحكامه يشمل كل المسلمين بشتى مذاهبهم فلا معنى للتفريق فيها بين أتباع مذهب وأخر، فالتكافل والتعاون والحقوق المتبادلة والمسؤولية العامة تشمل الجميع. وهذا المعنى نجد التأكيد عليه من قبل المرحوم، مثال ذلك ما ذكره في باب الإرث حيث قال: «المسلم يعم جميع أهل القبلة فالسني يرث الشيعي وبالعكس بنص الكتاب والسنة والإجماع، بل هذا الحكم من ضرورات الدين تماماً كوجوب الصوم والصلاة»[47].

12- ومن شعاراتهم رفض التطرف والغلو والتأكيد على الاعتدال والوسيطة. وهو أمر يؤكده بكل قوة يقول: «اتفق المسلمون كلمة واحدة على ان الغلاة مشركون ليسوا من الإسلام والمسلمين في شيء، ولكن الإمامية بوجه خاص تشددوا في أمر الغلاة إلى أقصى الحدود، فقد صرح علماء الإمامية في كتب العقائد والفقه بكفر الغلاة، من ذلك ما جاء في كتاب «شرح عقائد الصدوق» للشيخ المفيد[ص 63ط 1371هـ]، قال: «الغلاة المتظاهرون بالإسلام هم الذين نسبوا علياً أمير المؤمنين والأئمة من ذريته الى الإلوهية والنبوة...»[48].

ويعلق على هذا القول بأنه يعتقد أن لا وجود اليوم لمن يؤله علياً وأولاده، وأنه زار بلاد العلويين المتهمين فرآهم يقيمون شعائر الإسلام، ودعا إلى نفي هذه التهمة عنهم.

13- وأخيراً فإننا نجده يذكر كل الأئمة باحترام وحتى من يرفض الكثيرين من الشيعة سلوكه كابن شهاب الزهري يقول عنه «أنه فقيه تابعي جليل ومعروف أثنى عليه علماء السنة أجمل الثناء وأجله، ولقي عشرة من الصحابة»[49].

وهذا أمر يدعو إليه التقريبيون فضلاً عن ضرورة تجنب التجريح والإهانة.

14- هذا والتقريب لا يعني التنازل وعدم الدفاع عن المذهب والحقيقة التاريخية في نظر أتباعه. فلا مانع من البحث العقائدي والتاريخي ولكن في أكاديمي مناسب وفي إطار من الأخوة والكلمة المحتشمة. ولذلك نجد العلامة مغنية غيوراً على مذهبه مدافعاً عنها. وهذا من قبيل:

أ: يقول في [صفحة 156]: -12- قال الإمامة: من تعمد الكذب على الله ورسوله، فحدث أو كتب أن الله أو الرسولP قال كذا أو أمر به، وهو يعلم أنه كاذب في قوله فقد فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة وبالغ جماعة من فقهائهم حيث أوجبوا على هذا الكاذب أن يكفّر بالجمع بين عتق الرقبة وصيام شهرين وإطعام ستين مسكيناً. ومن هذا يتبين معنا جهل أو تحامل من قال الإمامية بإن يجيزون الكذب على الله ورسوله.

ب: يقول في [صفحة 232]: «جاء في كتاب الجواهر، وكتاب الحدائق، وكتاب المسالك، وكتاب العروة الوثقى وغيرها من فقه الإمامية أن الجنب والحائض لا يجوز لهما المرور والاستطراق في المسجد الحرام ولا في مسجد الرسول الأكرم،P فضلاً عن المكث، ويجوز لهما أن يستطرقا ولا يمكثا في غيرالحرمين الشريفين من المساجد، وبهذا تعرف الدس والافتراء على الإمامية، حيث نسب إليهم أنهم يذهبون إلى الحرم الشريف بقصد تلويثه.

ج: وفي [الصفحة 366] يطرح مسألة الزواج المؤقت [المتعة] وراح يدافع عنه معتذراً بأنه سئل عن ذلك متوخياً الاختصار ما استطاع على ان يكون مجرد رأوٍ وناقل لا مقرظاً ولا ناقداً. فهو يدع الحكم للقارىء وحده ولا يقطع عليه الطريق بالتخطئة أو التصويب، وهذه الحالة تمثل قمة في الموضوعية. وهو يذكر في نهاية الفقرة: أن شيعة لبنان وسورية والعراق لا يستعملون المتعة على الرغم من ايمانهم بجوازها وإباحتها.

د: ذكر في [الصفحة 411] أن الرازي عبر عن الطلاق حال الطهر لازم وإلا لا يكون سنياً.... وهذا عين ما تقوله الإمامية، وأضاف ان ابن قدامة في المغتي ذكر أن طلاق البدعة هو أن يطلقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه، ولكن أن فعل أثم ووقع في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر وابن عبد البر «لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلالة» وكأنهما يشيران إلى الإمامية مما حرك الشيخ مغنية للقول: «وإذا كان اتباع أمر الله وسنة نبيه بدعة وضلالة فينبغي أن يكون اتباع الشيطان سنة وهداية واضاف: ومهما يكن فإن السنة والشيعة قد اتفقوا على أن الإسلام قد نهى عن طلاق الزوجة البالغة المدخول بها غير الحامل إذا كانت غير طاهر أو في طهر واقعها فيه».

هـ: قال في [الصفحة 414]: «وبالتالي فأن الإمامية يضيقون دائرة الطلاق، ويفرضون القيود الصارمة على المطلق والمطلقة، وصيغة الطلاق وشهوده، كل ذلك لأن الزواج عصمة ومودة ورحمة وميثاق من الله، إذاً لا يجوز بحال أن تنقضي هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق الا بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكل شك بأن الشرع حل الزواج» وانتقد تساهل المذاهب الأخرى فيه.

و: في أول كتاب الوصايا [ص461]: دافع عن منهاج الشيعة في التساوي بين الذكور والإناث في استحقاق الإرث، ووزعوا التركة على الوارثين بحسب مراتبهم الطبيعية، ورجح هذا المنهج على غيره.

ز: ذكر دليلاً من كتاب الله يؤيد رأي الشيعة في التعصيب وانتقد الشيخ أبا زهرة عندما ذكر أدلة الشيعة على التعصيب في كتابه [الميراث عند الجعفرية] ولم يشر إلى هذا الدليل من قريب ولا بعيد[50].

ح: أشار (في صفحة 521) إلى أن الشيخ أبا زهرة نقل في مسألة بطلان العول عن ابن شهاب الزهري أن كلام ابن عباس في بطلانه جدير بالإتباع لولا فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب وعلق ابو زهرة عليه: «وإن الإمامية قد اختاروا رأي ابن عباس رضي الله عنهما، وإنه لفقه جيد، كما أشار إلى ذلك ابن شهاب الزهري، وهو بحر العلم». في الختام نكتفي بهذا المقدار سائلين المولى له الرحمة والرضوان ولكل العلماء والمفكرين إتباع منهج التقريب والوحدة، إنه هو السميع المجيب.

العقلانية والعلمية في فكر عبد الله العلايلي
[أين الخطأ]؟ «نموذجاً»

د. علي زيتون[51]

صدر كتاب «أين الخطأ؟» لسماحة الشيخ عبد الله العلايلي عن دار العلم للملايين، بطبعته الأولى العام 1978. وهذا التاريخ إشارةٌ الى أمرين: الأول أنه كتب في ظل الحرب اللبنانية. فهل شكلت تلك الحرب دافعاً للبحث عن الخطأ؟ والثاني هو أن سبعينات القرن الماضي عقدٌ زمنيٌ وصل فيه اليسار إلى الإعتقاد بتفوّق الإشتراكية على الرأسمالية، وأن العالم مقبلٌ على التحوّل إليها.

والإشتراكية، كما هو معروفٌ، من نتاجات حركة الحداثة في تاريخ الثقافة الغربية. والثقافة الغربية كانت محكومةً، بفعل تلك الحداثة، ومنذ بدايات القرن الثامن عشر، بثنائية «العقل» و«العلم». فاتجهت جميع الدراسات لتكون علميةً، الدراسات التاريخية، والنفسية، والإجتماعية، واللغوية، والأدبية، وغيرها إلى أي حقل معرفي انتمت؟.

ولا يخفى أن هذا المناخ قد ألقى ظلاله على الثقافة العالمية، ومن ضمنها ثقافتنا. والسؤال المنهجي الذي تثيره هذه الحال: هو كيف تعامل المفكر المسلم مع هذه الوضعية؟ هل كان تفكره من داخل تلك الحداثة العقلانية العلمية؟ يستدعي هذا السؤال سؤالاً آخر. هل كان الإسلام عقلانياً علمياً؟

وهل تبعته الثقافة الإسلامية المترتبة عليه في ذلك؟.

كان الإسلام، فيما يتعلق بالحياة الدنيا، عقلانياً علمياً بامتياز. ولا داعي لاستحضار ما لا يعدّ ولا يحصى من الآيات القرآنية الكريمة التي حضّت على استعمال العقل، ودعت إلى التفكّر. وظاهرة علم الكلام في الحياة الثقافية الإسلامية علامة شديدة الدلالة على هذا الأمر.

ولم تكن العلمية بأقل حظاً من العقلانية في الدعوة الإسلامية. ومن يعد إلى النص القرآني يجد أن منهج التفكير الذي دعا إليه هو المنهج العلامي السيميولوجي. وأن يطلق كلمة آيةٍ على الوحدة التعييرية الصغرى دليلٌ قويٌّ على تلك العلامية العلمية. فالآية هي الحقيقة اليقينية الدامغة، تماماً كما ذلك لو شاهدت الشمس في كبد السماء فإن أحداً لا يستطيع أن يصرفك عن أنّها شمسٌ.

وحين سأل القرآن الكريم الإنسان، وفي مواضع عديدةٍ منه، قائلاً له: ألم ترَ؟ كان علامياً بامتياز. دعانا لنقرأ آثار الأمم، وأعمال الرجال، ومصائر الأقوام، ولنبني على ما رأيناه عياناً الحقيقةَ. فالحقيقة التي طُلبت منا أن نتبناها هي الحقيقة المنتمية إلى العلامة الآية. والمنهج العلامي، بما هو منهجٌ وصفيٌّ ينطلق مما هو قائمٌ إلى دلالته، هو منهجٌ علميٌّ بالتأكيد. ولقد أدرك المسلمون الأوائل المشتغلون بالثقافة هذه الروحية، فكانوا حداثيين. وكانت حداثتهم هذه، في تلك الآونة، مرتبطةً بما يضبط جموحها، بالقيم الخلقية الدينية التي تجعل من كل تفكيرٍ تفكيراً إنسانياً بالدرجة الأولى, وذلك خلافاً للحداثة الغربية الحديثة التي انفكت عن القيم، فأحلت دمنا ومالنا، وتعاملت معنا بوصفنا وحوشاً تستطيع أن تتصرف بمصائرها. وإذا عاش العلايلي مناخات الحداثة الغربية، هل كان فكره نتاجاً حديثاً غربياً، أم كان حداثياً بطبعةٍ إسلاميةٍ؟ «أين الخطأ؟ «سؤالٌ يضمر هماً إصلاحياً. هل كان هذا الهمّ هماً عفوياً مرتبطاً بواقع الأمة المتردّي، أمّ أن هذا السؤال قد تسلح بمنهجٍ عقليٍّ علميٍّ مرتكزٍ إلى ثقافةٍ عميقةٍ شاملةٍ؟

بدأ الكتاب صفحته الأولى بعنوانٍ لافتٍ «زحزحة بابٍ موصودٍ». وإذا ذكرتنا كلمة «زحزحة» بالفعل القرآني الذي تحدث عمّن زحزح عن النار، أدخلت في خلدنا الثقل العظيم لذلك الباب من جهةٍ والإنجاز الكبير الذي تمّ بفعل الزحزحة من جهةٍ أخرى.

فالعنوان متفائلٌ غير متواضعٍ. فهل سيكون الكتاب بحجم هذا التفاؤل وذلك التعالي؟ أردف العلايلي هذا العنوان بشعارٍ نقديٍّ ليس محافظةً التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً التصحيح «الذي يحقق المعرفة».

إنه يواجه صخرة «الخطأ» المتلبسة بلبوس الثوابت الدينية التي اشترعت لسان الإتهام ضدّ كل من يحاول زحزحتها. وإذا كان في المحافظة ما هو إيجابيٌّ فإنه لن يكون التقليد مع الخطأ. وإذا صار الخروج تهمةً، فإنه ليس خروجاً عن ثوابت الدين إذا كان تصحيحاً للخطأ بالمعرفة.

إننا أمام نظرةٍ حركيةٍ إلى ثنائية «الثبات» و«التحوّل». فهل كانت هذه الحركية محكومةً بثنائية «العقل» و «العلم»؟.

ما يلفت في الكلمات القليلة التي حازتها الصفحة الأولى أمران، الأول: [معالجة متفرقاتٍ من تحديات العصر]، والثاني: [الدعوة إلى الله على بصيرةٍ]. وإذا دعت تحديات العصر إلى تفكيرٍ منتجٍ للثقافة الجديدة، فإن الدعوة على بصيرةٍ منهجٌ علميٌّ في التفكير. فالبصيرة، دون البصر، ترى العلامات الدالة، لتصل من خلالها إلى الحقيقة اليقينية. إنها اجتماع العقلانية بالوصفية العلمية.

وإذا كان الأمر كذلك، هل نستطيع القول إننا قاب قوسين من منهجٍ علميٍّ إسلاميٍّ في التفكير؟ كانت الصفحة الأولى صفحةً واثقةً من حداثيتها الإسلامية. وقاربتها الصفحة الثانية التي جاءت تصديراً للطبعة الثانية للكتاب، حين رفعت شعاراً ثانياً مفاده [التساؤل، ثم التعرف]. والمعروف أن نجاح أي بحثٍ مرتبطٌ بجذرية الأسئلة التي يطرحها وبعمقها. ولا يتأخر العلايلي كثيراً، وفي الصفحة عينها، حتى يعلن إمامة «العقل المتشوّف الطلعة في محراب نسكه». واضعاً «العبور إلى النور الأسنى» هدفاً. وإذا ما تحدثت عن «قوافل الظماء إلى الحق»، وضعنا في مناخات منهجٍ عرفانيٍّ يبقي العقل عقلاً ولكنه لا يكون العقل العلمي الذي أخذتنا الإشارات السابقة إليه.

ويسأل الباحث نفسه: هل كان حديثه هذا لا يعدو انسياقاً وراء جماليةٍ تعبيريةٍ، أم أنه يقصد ما ألمح إليه؟ الدخول في عالم الكتاب هو المجيب عن مثل هذا التساؤل. من يقرأ الفقرة الأولى من فصله الموسوم بعنوان [خاطرةٌ لمدخلٍ]، يجد أن سماحته يناقش أولئك الذين حاولوا وصل الإسلام بهذا المذهب الغربي من مثل (الإجتماعية العلمية)، أو ذاك من مثل [الإشتراكيات الخيالية]. ومجرد تدقيقه بالمصطلح إشارةٌ إلى همٍّ علميٍّ يستحوذ عليه. ولشدّ ما اتضحت علميته مع قوله: «إن الإسلام منهجٌ كليٌّ لا يؤخذ تفاريق، ولا يدرس أجزاءً معزولةً». ولا نقيس هنا هذه النظرة على «نظرية الجشتالت» التي هي نظرةٌ حديثةٌ، لمجرد أنها حديثةٌ، ولكن لأنها نظريةٌ علميةٌ.

وخوف العلايلي من إعلان بعض الدول الإسلامية أنها مزمعةٌ على الأخذ بالشريعة الإسلامية نظاماً، كان خوفاً منهجياً. فقد يلصق بالشريعة من الأوضار ما يسيء إلى الإسلام نفسه. وكان مقياسه في ذلك علمياً، حين طلب أن تكون النقلة إليها قدراً وفاقاً مع ما يعتمل العصرية من موضوعيةٍ، وعلاجاً لما يتفاقمه من داءٍ. والإفادة من الموضوعية انطلاقاً مما يواجهه المجتمع من مشكلاتٍ وتحدياتٍ باتجاه الكتاب والسنّة ليرى رأيهما في ذلك وما يفترضانه من حلول، مذهبٌ علميٌّ يتلاقى مع ما كان قدمه الشهيد محمد باقر الصدر{ حول التفسير الموضوعي للقرآن الكريم. وإذا استذكر سماحته الحديث الشريف من «إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مئة سنة، من يجدد دينها»، لم يبن عليه ما بناه من منطلقٍ إيمانيٍّ بحتٍ. قارب هذا الحديث بناءً على علم الحياة الذي يرى أن التغيير يصيب الهيكلية السلوكية بعد كل ثلاثة أجيال. فالكائن الحي يتعرض لتغيراتٍ وتبدلاتٍ في حقبةٍ مقدرةٍ. المهم أنه أوصل هذه النظرية لتقول: إنه «لا ينبغي أن يؤخذ الخلف والسلف جميعاً بالمقتضى الواحد». وبقطع النظر عن المستند العلمي الذي انطلق منه العلايلي في دراسة تطور الحياة الثقافية، فإن منهجه في التعامل مع الشريعة منهجٌ علميٌّ إذا انطلقنا من فهمٍ علميٍّ للثقافة المجتمعية. أليست تلك الثقافة فهماً لمشكلات المجتمع وحلولاً لها؟

وهذه الثقافة حركةٌ دائبةٌ؛ لأن المجتمع سيواجه بمشكلاتٍ جديدةٍ تتطلب فهماً جديداً وحلولاً جديدةً وهكذا حين ربط العلايلي الشريعة بما يستجد من مشكلاتٍ فهماً مُهِمّاً متناسباً مع طبيعة الحياة. وفي ذلك علميةٌ دقيقةٌ. ولقد عالج العلايلي، إنطلاقاً من هذا المهاد النظري، نماذج من المشكلات المعاصرة إختارها مما يواجه الناس كلّ يوم. من مثل «مشكلة الفقر» و«ملكية النفط» و«هدر أضاحي الحج» و«التعامل مع المصارف» و«قانون العقوبات الإسلامي» و«تحديد مطالع الشهور القمرية». وتجلت علمية العلايلي في بحث «مشكلة الفقر» ابتداءً من تقديره خطورة هذا المرض الإجتماعي حين قال: «يتسنى لنا أن نفهم خطورته أكثر فأكثر؛ إذا درسناه كمرضٍ عضويٍّ سرطانيٍّ يصيب المجتمع الذي هو كائنٌ عضويٌّ أيضاً».

ولا تكمن العملية في مجرّد المشابهة، ولكن بمقتضياتها. والعلايلي كأيّ باحثٍ حديثٍ، وجد أنّ عدته الأساسية في بحثه تكمن في إيجاد المصطلحات اللازمة وهذا ما فعله حين عدّد تلك المصطلحات: «مفهوم الثروة» و«تحريم الكنز» و«التكافليّة التعاونيّة» و«جعل الدين ضمانةً توازنٍ إجتماعيٍّ» و«إطلاق يد المستحقّ في استخلاص نصيبه» و«الإرث الإجتماعي» ثم راح يحدّد أبعادها على مدى أربع عشرة صفحةً كانت كفيلةً بجلاء حقيقة هذه المصطلحات.

وإذا ذكّرنا العلايلي بتجربة الإسلام الأول مع معضلة الفقر من خلال تجربة ذلك الجاهلي الذي فصل في الجاهلية وهو يطوي حتى إذا جاء الإسلام وخرج بزكاة أمواله لم يجد من يستحقها أو يأخذها منه، إنما ذكّرنا بها للفت انتباهنا إلى منهجٍ محددٍ في حلّ المشكلات ومنهجٍ محدّدٍ في التفكير. وحلّ معضلةٍ كمعضلة الفقر، وبقطع النظر عن مصدر قوانين ذلك الحلّ، فإنه حلٌّ مؤسسٌ على قواعدَ علميةٍ، عاد العلايلي إلى أسسها ومنطلقاتها يقرأها قراءة عصرنا، ويعيد إنتاجها حلاً ممكناً لفقرنا الحالي. ومما يرتبط بمشكلة الفقر «ملكية النفط» والعلايلي حين رأى أن النفط ملك الأمة الإسلامية، لا ملك هذه الدولة أو تلك، بنى رؤيته هذه على الحجاج العقلي. والحجاج العقليّ وإن كان مقنعاً، من حيثُ آليات اشتغاله، فإنه غير موصلٍ إلى اليقينية التي يرجوها العلم.

وتفسير النار بالنفط وإن كان ممكناً عقلياً ولغوياً فإن من الممكن عقلياً ولغوياً أيضاً، أن نذهب إلى تفسيرٍ آخرَ للنار. وإذا اعتمد العلايلي على الحديث النبويّ المتعلق بالملكية المشتركة للماء والنار والهواء، كان بإمكانه أن يعتمد على النصّ القرآني: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﭼ[52]. فملكية ما تحت الثرى من الله منطلقٌ أفضل للوصول إلى ما وصل إليه. والمسألة ليست انتفاضاً من وظيفة العقل في الوصول إلى الحقيقة ولكن من استخدام العقل وحده، برهن في مرحلةٍ من تاريخه، أن العالم قديمٌ، وبرهن أنه محدثٌ. العقل موصلٌ إلى اليقين إذا ارتبط بالعلم، فكان عقلاً علمياً.

والعقل العلمي هو العقل الذي دعانا الإسلام إلى الإستناد إليه في بحثنا عن الحقيقة والعلايلي الذي أخذ بالموضوعية والعلوم البحتة الحديثة التي تسعى إلى الحقائق اليقينية، وانطلق منها في أبحاثه، لم يجانب العلمية كثيراً وإن لم يفرّق بين العلوم البحتة وقوانينها، والعلوم الإنسانية وقوانينها. التطور الثقافي لا يماثل التطورّ البيولوجي ولا يخضع لقوانينه نفسها. جيدٌ أن نسعى إلى أن نكون علميين والأجود أن نكون علميين في التعامل مع العلمية. انتقد العلايلي الذين حاولوا أن يروا في الإسلام «إجتماعيةً علميةً» وفاق التصنيفات الغربية، ووقع في العثرة نفسها. ما الفرق بين أن يربط بعض الغربيين الذين سعوا ليكونوا علميين، بين الأدب وعلم الحياة، وبين العلايلي الذي ربط حين سعى ليكون علمياً، بين الثقافة وعلم الحياة؟ ولإن اضطر العلايلي ليكون عقلانياً فقط، في بعض أبحاثه «النار/النفط» فإنه وإن أثار أسئلةً تتعلق بالتفكير العلمي في مطلع كتابه، إلا أنها ظلت أسئلةً لم يرتقِ بها صاحبنا ليجعل منها منهجاً صارماً يوصل إلى نتائجَ صارمةٍ. وكان حرياً به أن ينطلق من النص القرآني ليبلور منهجاً في التفكير، فلا يكتفي بالحصيلة الغربية التي توافرت لديه في هذا المجال. ومن يَلُم العلايلي، في مثل هذا الامر، عليه أن يتوجه باللوم إلى الثقافة العربية الإسلامية الحديثة، فإنها لم تسعَ بعدُ إلى هذا الجهد.

حسب العلايلي أنه فكّر في منهجٍ علميٍّ في التفكير، وحسبه أنه طرح مشكلاتٍ أساسيةٍ للبحث، فكان أن رسم لنا إلى جانب الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر وغيرهما معالم الطريق. والمطلوب أن نحوِّل أسئلته إلى مؤسساتٍ مرعيةٍ ترعى شؤون الثقافة في الأمة الإسلامية.

الإجتهاد الحضاري عند عبد الله العلايلي
«كتاب أين الخطأ؟» أنموذجاً

د. وجيه فانوس[53]

لعل أكثر ما اشتُهر عن عبد الله العلايلي أنَّه عالمٌ مرجعٌ في اللغة العربيَّة؛ وبالفعل، فقد كان للعلايلي تضلُّعٌ مذهلٌ بأسرار اللغة العربيَّة، لدرجة بات بإمكانه معها أن يجتهدَ في الساَّحات المختلفة لهذه اللغة بما يُغنيها ويدفع بها إلى ساحات المعاصرة والتجدُّدِ والإبداع.

لكنَّ، وهذه حقيقةٌ لا بدَّ من الإشارة إليها، أنَّ العلايلي يُظلمُ كثيراً إذا ما ظلَّ حبيساً في عالم اجتهاداته اللغوية! فالعلايلي، قبل أن يكون عالم دينٍ إسلاميٍّ مبرَّز، وقبل أن يكون باحثاً نحريراً في مجالات اللغة العربيَّة، هو إنسانٌ صاحب منهجٍ فكريٍّ أساسيٍّ وتأسيسيٍّ في آنٍ؛ عَمِلَ بمنهجه هذا في اللغة وأمور الفقه، كما عمل به في سائر مجالات الحياة وقضاياها مهما تنوَّعت وتعدَّدت وتباينت.

ولقد شكلت أفكار العلايلي في قضايا الحياة وأمورها تميزاً مذهلاً له في مجالات الفكر الإجتماعي والرؤية الحضاريَّة بشكلٍ عامٍ. ولو قُدِّر للعلايلي من يتابع أعماله هذه ويعيد دراستها وتحليلها وعرضها من جديدٍ، لكان لهذه الأعمال أن تُشكّلَ، بمنهجها وتوجهاتها وخلاصاتها، نبراس معاصرةٍ للوجود العربي والإسلامي لا ينضب ولا يكل من هداية السَالكين دروب العيش ومعاناة كثيرٍ من أزماته الخانقة وتحديَّاته المرعبة.

لكن منهج العلايلي ما لقي دعماً سياسياً حقيقياً من أهل السُلطة الذين بيدهم القرار، ولا لقي ما يمكن أن يشدَّ أزره حقاً من تأييد ناس المعارضة الذين بمقدورهم قيادة التَّغيير، ولم يكن هو شخصياً، يحظى بدعمٍ جماهيريٍّ واسعٍ بين غالبية الناس؛ فغلبت عليه صفة اللغوي بينهم حتَّى الثمالة، وطغى على وجوده الفقهي بين كثيرين منهم لقب»الشيخ الأحمر»، لاعتقادٍ من هؤلاء الكثيرين أنّ العلايلي إنما كان يعمل بمنهجٍ ماركسي أو شيوعيِّ!.وكانت النَّتيجة، أن فكر العلايلي ما برح موجوداً في كتبه ومؤلفاته ومحاضراته وما دوَّنه بعض خلصائه من أحاديثه الخاصة معهم، وخاصةً في المرحلة الأخيرة من حياته؛ كما كانت النتيجة أنَّ الناس خسروا بحاراً عميقة اللجج، كثيرة الخيرات، من فكر العلايلي واقتراحاته وتصوراته عن حلولٍ تواجهها حضارة عيشهم المعاصر. ومع هذا كله، فالوقت لم يفت بعد؛ إذ ثمة فسحةٍ كبرى للإغتناء بفكر العلايلي، طالما مِن الناس مَن سيسعى إلى الإهتمام باستكشاف مناهج الشيخ في التفكير والمقترحات التي قدمها الشيخ وتقدمها مناهجه في مسيرة المعاصرة الإنسانية للحياة الناشطة وسيرورتها في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، صيرورة أمورها وقضايا عيشها. ولعل للناس في كتاب «أين الخطأ؟»، الذي أصدره العلايلي لأول مرةٍ سنة 1978م، ما قد يُشكل أنموذجاً لما تمكن الدعوة إليه من تعاملٍ مع العلايلي في مجالات الإجتهاد الحضاري. ينطلق العلايلي، في منهجٍ تفكيريٍّ تأسيسيٍّ له، من مقولةٍ ذكرها سنة 1938م، في مقدمته لدرس لغة العرب؛ ومفاد هذه المقولة أن «ليس محافظةً التقليد مع الخطأ، وليس خروجاً التصحيح الذي يحقق المعرفة». فالأهم من الأمور عند العلايلي يكمن في عدم الغرق في الخطأ والدفاع عنه، بحجة التقليد ومتابعة السَّلف. ولذا، فالعلايلي باحثٌ دؤوب عن الصواب، أمَّ مقياسه في هذا البحث ضرورة تحقق المعرفة. ومن هنا، فإن المعرفة، بكلِّ أبعادها وميزاتها ومتطلباتها، هي دافع العلايلي وديدنه في أعماله، أكانت هذه الأعمال في مجالات اللغة أو الدين أو الحضارة.وإذا ما كان تحقيق المعرفة يُشَكّلُ الخطوة الأولى في انطلاق منهج العلايلي في الإجتهاد الحضاري، فإن لهذه المعرفة، عنده، أسساً تقوم على مبدأين أولهما أنَّ الانطلاق إلى المعرفة يكون من كتاب الله، من القرآن الكريم، وليس من رغبات الذات ودوافعها؛ وثانيهما أنَّ المجتمع وجودٌ سيروريٌّ، دينامي، لا يعرف السُّكون إطلاقاً.

يرسم العلايلي الخطة التنفيذية لنهجه بقيام هذه الخطة على مقولة أن في القرآن الكريم ما يسدّ جميع احتياجات السيرورة الدائمة الحية للمجتمع. وينقل العلايلي في هذا الصدد عن الإمام مالك قوله: «كان من قبلنا يعمدون إلى كتاب الله وسنّة نبيه فيتلقون الأحكام، أما اليوم فنعمد إلى رغائبنا، ثم نبحث في كتاب الله وسنة نبيه عما يسنِدُها ويشهد لها»[54].

ويرى العلايلي أنَّ الإسلام، كما هو في القرآن الكريم، يضع في خطِّ الحلِّ الواحدِ الممتد، الحياة، وما يختلف فيها، والتحرك الإنساني، وما يستشرف إليه»[55]. ثم يردف مشيراً إلى «أن مجتمعاً بهذا المفهوم الإسلامي، مجتمعٌ حركيٌّ «دينامي» ناشطٌ، لا تخاذل فيه ولا وهن، يسعى ويسعى جميعاً نحو خيره وكماله، يعمل ويعمل جميعاً في سنن هناءته وازدهاره»[56] وعلى هذا، يعلن العلايلي أنّ المجتمع يقوم، عبر ما في النَّصِّ القرآني، على أسسٍ من أبرزها:

1- حق الإنسان في الحرية.

2- حق الإنسان في الإستقلال الشخَّصي.

3- الحرية الإنسانية في العمل والإنتاج والجهد.

4- مبدأ المسؤولية الإنسانية الشخصية في الجزاء.

5- نظرية الجزاء للحق العام[57].

ويؤكد العلايلي من ثمَّ، أنَّ «هذه الشريعة [هي] القمينة برم ما يفري عالم اليوم، من سقم عياء ويستبد به من حمى برحاء.... ينعكس فعلها في الفكر والمجتمع ومناهج السلوك، إذا ظلت أسيرة قوالب جامدةٍ. وهذا ما حاذره المبعوث بها في قوله الشَّريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنةٍ، من يجدِّد دينها»[58].

ويعلِّق العلايلي على هذا الحديث الكريم بأنه «دستورٌ كاملٌ لحركّية الشَّرعيةِ» و«ديناميتها» في مجال صيرورة الزَّمن فهي تجدُّدٌ دائمٌ يدوس أصنام الصِّيغ في مسارٍ طويلٍ، فشأنها أنَّها غضَّة الأماليدِ أبداً[59]. ويرى العلايلي أنَّ عبارة «يجدد دينها» أمعن في الدلالة على «التشكل والتكيف» بحسب الموجب أو المقتضي، لأنها تتجاوز التَّرميم إلى الإبداء والإنشاء إنشاءً آخر، فلم تخصَّ التجديد بشأنٍ دون شأنٍ أو بأمرٍ دون أمرٍ، بل أحياناً في أمورها مجتمعةً؛ وهذا واضحٌ، عنده، بكلمة «دينها» الذي هو هنا بمعنى الأقضية والنظم[60]. ولا يقف العلايلي عند هذا الحد، بل هو يرى أننا «إذا ضممنا الحديث السابق إلى مثيلٍ له وهو: إنِّي بعثت بالحنيفيَّة السَّمحة، يتضح ببيانٍ جليٍّ أنَّ خاصية الشريعة الأولى هي الطواعية ومجافاة التزمت والحرج والرهق. ولقد استبانت هذه الخاصية بكل سطوعٍ عند القدماء، وصاغوها في كليَّاتٍ أصوليةٍ فقهيةٍ:

1- المشقة تجلب التيسير.

2- الضرورات تبيح المحظورات.

3- إذا ضاق الأمر اتسع.

4- الرُّخص، بمعنى أن الأخف يفضل الأشق غالباً[61].

ويستخلص من توجه العلايلي هذا، أن ثمة شريعةٍ عمليةٍ تظلُّ مواكبةً للشريعة العقديَّة، إن جاز التَّعبير؛ وهذه الشريعة العمليَّة أن «الشريعة العملية من الليان بحيث تغدو طوع البنان، إزاء الظرف الموجب، مهما بدا متعسراً أو متعذراً»[62].

يتساءل العلايلي بعد هذا كله عن كيفية ما يسميه [معالجة الشريعة العملية، توصلاً إلى حصيلةٍ يمكن أن تكون أساسا لتقديم الشريعة تقديم «الفكروية الأيدولوجية» الحاوية لعناصر الخلاص في المضمار الإجتماعي العام، المتزوبع اليوم على ذات نفسه تزوبع الأعاصير السافية][63]. ويأتي الجواب عنده من خلال تصوُّرٍ مؤسساتيٍّ وفرديٍّ في آنٍ؛ إذ يرى أن «ليس على الباحثين فقط بل على كل الدول الإسلامية إنشاء المؤسسات العاملة عملاً جاهداً في هذا الحقل، ونشر فروعها في كلِّ مكانٍ من العالم؛ وليس على أساس كون الشريعة ديناً بل على اعتبار أنها منهج حياةٍ وسلوكٍ»[64].

وبناء على ما سبق يدعو العلايلي إلى رؤيةٍ حضاريةٍ لعيش الإقتصاد الإجتماعي المعاصر تقوم على أسس من أبرزها[65]:

1- أن الفرد ليس بحاجةٍ الى الثروة، إذ الثروة ضرورةٌ إجتماعيةٌ فقط.

2- جبريّة القرض، منطلقاً من قوله تعالى في القرآن الكريم ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖﭼ[66].

3- وجوب فترة السّماح في القرض؛ منطلقاً في هذا من قول الله في القرآن الكريم: ﭽﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﭼ[67].

4- تحريم الكنز؛ منطلقاً من النَّص القرآني: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﭼ [68].

5- جبرية الحركة في تد اول الإنتاج والمال.

6- تطبيق التكافلية بين الناس، والتكافلية، عند العلايلي، غير الإشتراكية القائمة على المساواة.

واقع الحال، إنَّ هذه الأمور التي أمعنَّا فيها، لضيق الوقت وضرورة الإشارة في آنٍ، إيجازاً وتكثيفاً؛ مرشحةٌ لأن تؤسس لنظامٍ اقتصاديٍّ حيويٍّ لا يتعارض مع متطلبات السيرورة الإقتصاديَّة على الإطلاق، بل إنَّه نظامٌ يحمي سلامة حركيتها، ويؤمن رفاهية ناسها، ويضمن التطور الإيجابي للوجود الإنساني عبرها. وهذه كلها تصبُّ في بحار اجتهادات عبد الله العلايلي في مجال تطبيق حقيقة الدعوة الإلهية عبر القرآن الكريم في ساحات صيرورة العيش الإنساني وسيرورته.

العلايلي ومغنية في معترك الحداثة والتراث
«ذكريات جيل»

د. عمر المسقاوي[69]

حينما وردتني دعوة مؤتمرنا بادرت لغير تأملٍ كعادتي دائماً إلى الموافقة على الإسهام في الندوة خصوصاً حينما أعادتني إلى عهدٍ مضى من بداية الخمسينات من العام الدراسي1949- 1950م حين وافق والدي على مضضٍ أن ألتحق بكلية فاروق الاول الشرعية في بيروت كما كانت تسمى ثم سميت الكلية الشرعية بعد الثورة المصرية.

ولذا كنت اعتباراً من عام 1951م في جوار دار الفتوى فقد كنا نراقب مختلف الشخصيات التي تتردد عليها وكانت شخصيتا محمد جواد مغنية وعبد الله العلايلي ملء الإطار اتصالاً وسمة المرحلة في ضوضاء المنعطفات بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد بدأنا نشهد في أجواء ساحة الشهداء والعازارية الإطار الجديد من المؤلفات في جدلٍ حول السنة والشيعة حين كانت الأربعينات بعيدةً عنه مع الدفق الوطني الذي يواجه الحضور الإستعماري والإنتداب الأجنبي.

وهكذا بتنا نتعرف على أسماء علماء ومحققين من جبل عامل في جمهرة الكتب على ذلك الرصيف الممتد من المتروبول خلف العازارية وفي مكتبة العرفان والتي يليها وعلى أرصفة الشوارع المحيطة بالمكان إذ كانت تستوقفني هذه الكتب وهذه الأسماء تأملاً يحاجر بيني وبين حلبة البيع والشراء وضوضاء مرور الترام.

هكذا بدأنا في أبهاء عائشة بكّار ودار الفتوى نرى شخصياتٍ من الشيعة والسنة تستدعي فينا المقارنة، مقارنةٌ هي حصاد الوعي الجديد.

لقد كان المسلمون في وعينا الأربعيني في طرابلس على اختلاف مذاهبهم حقيقة أداءٍ يطرح حضوره كوعاءٍ للقضية الوطنية فأصبحوا في إدراكنا مع المسار الجديد حقيقة تنوعٍ نصنف عبره المعتدل من المتشدد من كلا المذهبين فكان الشيخ محمد جواد مغنية رئيس محكمة الاستئناف الشرعية الجعفرية في حرارة مشيته وصفاء تطلعه يستشرف فضولنا في الفسح بين الدروس في كليتنا المجاورة للدار أو نستمع إليه في مناسباتٍ مختلفةٍ ومنها احتفالٌ مسائيٌّ أقامته دار الأيتام الاسلامية في بداية افتتاح قاعتها للمحاضرات حينما كان شفيق جدايل المذيع الاول في الإذاعة اللبنانية يُمنح أداء صوته الموزون أول مكروفون احتفل به الحضور في القاعة تحت رعاية معالي نائب الحي وزير الدفاع رشيد بيضون وكان ذلك عام 1952م حدثاً لافتاً.

من هذه المقدمة أدخل إلى موضوعي محمد جواد مغنية وعبد الله العلايلي وقد باكراً وعيناً الخمسيني في مراتب الحضور الديني والعلمي واللغوي والبلاغي على السواء.

وكانت مشية العلايلي المتأنية في محيط وسط بيروت إذ نصادفه تطرح في أعيننا مهابة ما ملأ سمعنا إذ يتحدثون عن واسع مداه في المعرفة وصبر مسعاه في تقليب مكتبة التراث ودفق عطائه إذ يزاوج بين القديم والحديث ويسبر الأعماق بما يوائم الأفكار الرائجة.

لقد كانت بداية الخمسينات قد استوى بها الجدل بين القومية العربية والقومية اللبنانية وهذه الأخيرة شعار فؤاد فرام البستاني ويلاقيه عبد الله العلايلي في عروبته القومية وكلاهما فرسا رهانٍ في الأدب العربي.

كنا نتابع على رصيف العازارية روائع البستاني حول شعراء العصر العباسي حين غدا التراث في مختبر الحداثة الإستشراقية وجمالية الإشراق في العبارة وخيال السرد في عصر طه حسين والأدب القادم من مصر ثم التوصيف اليسوعي لطلاب الدراسات الشرقية وإذا كان الشعر الجاهلي مفتتح أدب الحداثة في العشرينات من القرن الماضي كان الأب لامنس في تلك الفترة يطرح الشك الديكارتي أسلوب تأسيسٍ لتطورية مشرق الرسالة في العصر الجاهلي.

لقد انصرفت الدراسات إلى توازنٍ بين الشك الوثني تجاه الرسالة في مداها المكي والقبول الإبراهيمي في مدينة الرسول P وهكذا بدأت الدراسات تهز يقين الآباء في مشرق الدعوة حين أضحى تراثنا الثقافي بيان اجتهادٍ وتحليلٍ ورِدأ تدليلٍ ولكلٍّ حجته في متنازع حفائر التاريخ.

كان العلايلي يضعنا في دراساته في هذا المحيط ليكون لنا مطلق إدراكٍ لمسيرة العصر الحديث في كتابه المختصر» مقدمات لفهم التاريخ العربي» ولعله في صفاء إدراكه المباشر للقيم العليا للعقيدة ودربته في إبراز اللغة العربية ومكوناتها في ثقافتنا قد خالطه شيءٌ من ارستقراطية الإطار اللبناني حين يداهم تصوره الصافي ما يستدرج جمالية المصطلحات على وجه الخصوص وهكذا كانت بلاغة عبارته ونبرات حبكتها تهزنا روحاً في مشاهد أيام النبوة صبوة حبٍ وصفو حنينٍ في عمق الروح المتصوفة في فلسفة الوجدان «البديعي» تعريباً منه لعبارة [sentiment esthetique] كأنما يشعرنا بأن مصطلح عصر النهضة والحداثة هو الأوفر توصيفاً وتعبيراً من مصطلحات المتصوفة في حب آل البيت.

لقد كانت هذه هي روح العصر في مطالع الخمسينات من وعينا وهكذا ذهبنا صحبة جيل نتخير المنابر لنستمع في الندوة اللبنانية إلى الشيخ عبد الله العلايلي في محاضرةٍ تحت عنوان»الوطنية في الحس» وكان آخر ما سكن في ذاكرتي من مصطلحات هذه المحاضرات الإنتخاب الطبيعي لدارون مع شبلي شميل وقد أثار جدلاً حول الخلق الأول للإنسان لدى علمائنا وأورث مع تايلور نظرية التطور صعوداً إلى سقف نموذج الحضارة الغربية ثم العنصرية القومية.

كان أول كتابٍ اشتريته هو كتاب الشيخ عبد الله العلايلي «دستور العرب القومي» في طبعة قديمة حين كان الشعور القومي في ذهني يثير لبساً بينه وبين الوحدة الإسلامية التي كانت مجلة الرسالة المصرية تنقل إلينا مقالات ساطع الحصري وردود الشيخ علي الطنطاوي مؤيداً ومستشهداً بأصفار سعد زغلول.

أيها السادة:

لقد تابعت كلاًّ من العلايلي ومغنية من مكانٍ بعيدٍ في زمنٍ من ذاكرة الخمسينات.

فالخمسينات كانت رحم ما تفاعل من تطوراتٍ ولدت بغير رحمةٍ منذ السبعينات ليس فحسب في إطارنا الوطني بل في المعيار العالمي وقد توالت النذر مع الثمانينات إلى نهاية القرن وفي ظني أن كلا من الشخصيتين في موقعه يمثلان جيلاً واحداً في إطار قضيةٍ واحدةٍ هي قضية نحن المسلمين في تداعيات العصر الإسرائيلي لقد وعى كلٌّ من الشيخين بحسه الديني كيف يخطو بقدمٍ ثابتةٍ نحو وحدة التراث على ما تباين فيه من مذاهب فالعلايلي فرش لنا بساط لغتنا العربية في بلاغته الجمالية ثم أودعها مكنون روح العترة النبوية وعهد الرسالة الأولى وآل البيت، وعلق صورتها الجميلة في تصحر حاضرنا كما يفعل صانع السجاد الماهر في إيران يعلق صنعه على حائط التراث الفني للحضارة الإسلامية.

وهكذا أضحت لغتنا معلقةً على حائط تراثنا وهي تزري بالضجيج حولها في قاعة اغترابنا عن مناهلها في عصر ما بعد الحداثة.

فالحضارة والثقافة يشكلان إلهام المناخ الذي يطبع حركة الإنسان وبلاغة لغته فحين يتخلى هذا الإلهام عن أدائه ينتهي تاريخ الثقافة واللغة.

مجتمعٌ نقول مع الدكتور عصام عيتاوي في نهاية دراسته القيمة لشخصية مغنية كما هي لشخصية العلايلي» لقد ظهرت ازدواجية فكرية ناجمة عن تيارين مختلفين كلٌّ منهما يسير بصاحبه في اتجاهٍ مخالفٍ للآخر نعبر عنها بمصطلحات الأنا والآخر وهي لا أساس لها من العلم إذ من المفترض أن كليهما في «نحن» وهو تيار الثقافة الإسلامية الأصيل وتيار التغريب التقليدي الدخيل ويشمل ذلك كل طرائق الحياة وهو ما عرف بمشكلة الأصالة والمعاصرة والتي سببت والتي لا تزال تسبب مأساة العقلية المأزومة لأنها تشكل عملية إعاقةٍ لإطلاق النهضة أو ما عرف باسم النهضة في منتصف القرن الماضي.

وفي أزمنتنا السياسية الحاضرة أدعو إلى صياغةٍ جديدةٍ لوحدة المنطلقات والمصطلحات لنبني لنا ولأجيالنا القادمة وحدة الثقافة في معايير التراث ومقادير المستقبل.

الأصالة والتحديث التاريخي
عند العالمين العلايلي ومغنية

د. زكي جمعه[70]

تفضي مقاربة الأصالة والتحديث التاريخي في نتاجات كلٍّ من العلّامة الشيخ محمد جواد مغنية والعلّامة الشيخ عبد الله العلايلي إلى اعتبار أن الأصالة هي ميزةٌ لديهما، ما أحلهما صدارة الحداثة والتحديث اللذين غيّرا في أماكن وأفكارٍ. وقد انعكس ذلك في آنٍ على معنى قراءة التاريخ ونقاشه الراقي، وعلى جعل كتابة التاريخ عندهما وعند بعضٍ ممن تأثر بهما، أكثر رقةً وقابليةً، لأن يلبس لباس الأدب ويقلع عن الجفاف قانوناً إخبارياً يضع للواقعة حدوداً ودفتر شروطٍ.

الشيخان الجليلان العلايلي ومغنية، عالمان ينتميان إلى جيلٍ من الفقهاء المسلمين الذين عملوا على تطوير رؤيةٍ متطورةٍ في مجال الإجتهاد المتفاعل مع قضايا المجتمع وقضايا الحياة المعاصرة، ولهما مكانةٌ متقدمةٌ في تأسيس الخطاب الإسلامي المعاصر، مبنيةٌ على معاقلاتٍ تتوسل تطهير الأفكار وتطويرها داخل فضاءٍ إسلاميٍّ وحدوديٍّ.

وقد وضعا معاقلاتهما بهدف كسر الحدود المصنوعة والموضوعة بين المسلمين من أجل استمرار الإختلاف والإفتراق، وأرادا من خلالها الإنتقال من حال التخيل، تخيّل الآخر ورسم صورةٍ له والتعامل معه.

وفقاً لذلك، وما دام الناس خلقوا ليتعارفوا ويعترفوا ببعضهم، ﭽ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﭼ [71]، وما داموا سواسيةً «الناس سواسيةٌ كأسنان المشط»، فإن ذلك يحتّم على المسلمين أن يكونوا كذلك.

واقعاً، بدأ الوحي بآيات القراءة والعلم والقلم، ليؤكد أن الاسلام هو دين العلم وليس دين الخرافة، دين العقل ونهجه وليس دين الأوهام والتخيل ونهجهما.

وأمام كل كلامٍ، وأمام كل ظاهرةٍ، يتفكّر العقل، «أفلا يتفكرون؟»، أفلا يعقلون؟» فما حال المسلم التاريخي والمسلم المعاصر الذي يخاطبه الوحي بخطاب العلم، وهو يمتلك العقل وإمكانات التفكير؟ أم أن المالك الحقيقي لعقله هو سلطانٌ سياسيٌ أم ماليٌ أم اعتقاديٌّ؟ لم يكن الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه «مقدمات لفهم التاريخ العربي» مؤرخاً، بقدر ما كان باحثاً عن معرفةٍ تصنع اتجاهاً، فتوغل في التاريخ الإسلامي، إلى القرن الأول الهجري، واضعاً يده على نقطة التحوّل في دولة النبي محمدٍP، معتبراً إياها تنازعاً ممدوداً بأسباب العصبية التاريخية، وكذلك جاء في كتابه «سمو المعنى في سمو الذات».

في توغلّه هذا، رغب العلايلي في الإنتقال من حال الفهم الإعتقادي الحزبي للتاريخ، إلى الفهم الواقعي للتاريخ. وجاهد في درس الواقع المأساوي لأشكال السلطة، بدءً من القرن الهجري الأول، على أساس أنها وبرأيه لا تزال مسألةً حيّةً، قابلةً للنقاش في واقعنا المعاصر.

ناقش العلايلي هذه المسألة في غير نصٍ وكتابٍ، مثيراً من خلالها ومعها، اللحظة التي تستطيع الإنسانية معها استعمال عقلها وعصبيتها في آنٍ. وهكذا، يقدّم نقداً ضرورياً ما دام يرى أن التاريخ جديرٌ بالتفكير والنقاش.

كتب العلايلي نصاً آخر، أثار فيه نقطةً معرفيةً في غاية الأهمية، على صعيد منهجه، قوامها التاريخ ليس علماً. إذ يجب أن ينظّم في نسق الآداب التي هي نتاج القوة النظرية، والبحث الإستنتاجي لما يدخله من صور الجماعات والإنفعالات والمؤثرات النفسية والإقتصادية.

فمثلُ التاريخ بالنسبة إليه، من الوجهة التحليلية، مثل التحقيق القضائي في دعوى غامضةٍ مرّ عليها الزمن ودخلت حيّز الماضي، فلن تكون نتائجها إلا استنتاجيةً خالصةً.

لعل العلايلي سعى في ذلك إلى إثبات أن التاريخ زمن الصفة العلمية التي له في الأسلوب وطرائق البحث، سيظل من حيث الموضوع فرعاً من الأدب.

هذه وجهة نظرٍ، تبدو مدخلاً منطقياً إلى تأسيس معنىً جديدٍ لفهم التاريخ، وللحوار بين أولي الألباب، الذين يسألهم القرآن الكريم مراراً وتكراراً، أفلا تعقلون؟».

هذا اعتقاد يشكّل مفتاحاً حوارياً للتحرر من الشعور بالقداسة والخضوع للأفكار. ولهذا الاعتقاد وجهان: وجهٌ منهجيٌّ فكريٌّ في تحديد معنى التاريخ، والثاني عمليٌّ قوامه مواجهة الدعوة للإنقسام والخصام، بالدعوة للحوار والفهم والتوّحد، بالإستنطاق والتحليل والإستنتاج.

إلى ذلك، لاحظ العلايلي في كتابه «أين الخطأ؟» ميلاً جامحاً إلى التقليد يبلغ «حد التطوّح....» في مجال البحث الإسلامي. فراح يقارن بحث الأوّلين ببحث الحاضرين، ونجح في تجديد منهج البحث وأساليب التعبير. فالتجديد عنده أو التحديث يماثل التعبير، أي العبور من حال التخيل والتوهم والتعصّب إلى حال المعرفة والتعرّف والإعتراف.

ومن عناوين التأصيل والتحديث لديه، أنه رأى في الإسلام فكرويةً كبرى، ونهجاً كلياً وشريعةً علميةً لينةً، ابتلت في الحقل المفهومي بمن هبطت لديهم مداركهم حتى عن حسن التناول، فكيف بالإستنباط المحض؟.....

حين نصغي للتاريخ، وما كتب عنه وفيه، نتساءل من نحن؟ وأين نحن في التاريخية الإنسانية العالمية؟ بين الغرب الرأسمالي الذي كان صاعداً والشرق الشيوعي الذي أنجز أفوله، كان الشيخ محمد جواد مغنية يقترح الإسلام طريقاً مفتوحاً أمام البشرية، لممارسة الحريات واكتساب الحقوق، وإقامة المجتمع الإنساني المتسامي.

في كتابه «التفسير الكشاف»، يرى مغنية أن الإسلام يدعو إلى اللاعنصرية والتعاطف والتآلف بين جميع أعضاء الأسرة الإنسانية بصرف النظر عن أديانهم وأفكارهم وقومياتهم. ولذا، فإن على المسلم أن ينفض عنه غبار التقليد والتغريب وأن يتوجه إلى الإسلام من جديدٍ لاعتباره محتواه [أي الإنسان] الثقافي ومجاله في الرؤية والمعرفة والحوار والتفاعل والإبداع ليكون بذلك تاريخياً، حضارياً، منتمياً إلى حضارةٍ لها مفاهيمها ورؤيتها المختلفة عن الرؤى الحضارية الأخرى.

وينبّه فقيهنا محمد جواد مغنية في كتابه «التفسير الكشاف» إلى ما بين الإسلام والظالمين من اختلاف. ولذا، تجب محاربة الظلم والظالمين ومقاومتهم، وفي طليعتهم إسرائيل والولايات المتحدة التي هي «على شاكلتها» حسب تعبيره.

في المسألة التاريخية، وفي حقيقة الأمر، المسلمون لا يزالون داخل التاريخ العام، مع زعم بعضهم أنهم أصبحوا خارجه، لكنهم يعانون من عدم القدرة على إنتاج المرجعية الذاتية التاريخية بأنفسهم، ويستندون إلى مرجعياتٍ خارج عالمهم الإسلامي بالتحديد، تصوغ تاريخهم عن طريق الغلبة والقهر.

شيخنا الجليل الكادح محمد جواد مغنية، كان مجدداً متحرراً من استبداد الأفكار وقهر الخيارات المفروضة من قبل الآخر. وكان مقارعاً ومواجهاً في مستوياتٍ متعددةٍ للإستعمار المعاصر بوجهيه: الأميركي والصهيوني. وقد وصف أميركا بأنها أخطر دولةٍ في الكرة الأرضية وأكثرها فساداً. وكذلك، رفض الإستبداد المحلي، الذي يقهر الذات الجمعية لصالح أفرادٍ حاكمين، ويحيل المجتمع إلى مجتمعٍ غير متوازنٍ، راضخٍ وتابعٍ. يبدو ذلك واضحاً في مختلف مراحل حياته، إذ كان متخذاً للمواقف منذ بداياته، مقاتلاً من أجل الحرية. من موقعه هذا، كتب عام 1947 كتابه «الوضع الحاضر في جبل عامل».

مغنية مثل زميله، عبد الله العلايلي، مجددٌ ورائدٌ في الإصلاح الفكري والإجتماعي والسياسي والديني. أقام من خلال مواقفه وكتاباته معادلةً مهمةً بين القديم والحديث.

يتمتع شيخنا وصاحب كتاب «الفقه على المذاهب الخمسة» بقلمٍ عصريٍّ متجددٍ، قويٍّ، سيّالٍ، لا يتوقف عن البحث والتنقيب. وامتلك القدرة على التكثيف بالمعاني واستعمالها، والإنعتاق من الأساليب الجامدة والجاهزة وخلو نتاجه من الإبهام والإيهام والثقل.

ضمن هذا السياق، يحتل نصّه البعيد عن التسطح، الهادف إلى الإفهام، موقعاً خاصاً يسلّط الضوء على جانبٍ مهمٍّ من جوانب التحديث. وجاءت مساهماته تلك تطويراً لصورٍ ورؤىً مع سعيه الدائم إلى إعادة صياغتها من منظور إنسان اليوم وهواجسه.

مّثل نصّه تمرداً وثورةً على التقليد والموروث، وتضمن القدرة على محاكاة التجارب الإنسانية، ما شكل انعكاساً لفعله التمردي على مستوى الممارسة للحياة اليومية التي بدأها فقيراً، كادحاً، وختمها عالماً، مفكراً.

تميّز الشيخ محمد جواد مغنية بدعوته الدائمة للحوار والتلاقي، وسعيه الدؤوب في سبيل التقريب بين المذاهب الإسلامية، حتى عُرف بصاحب الفقه على المذاهب الخمسة.

حاور مباشرةً فقهاء المذاهب وعلى رأسهم شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي ربطته به صداقةٌ قويةٌ. وكذلك مفتي سوريا الشيخ محمد أبو زهرة وغيرهم من أجل تقارب المسلمين وتوحدهم.

يشّكل سعي الشيخ محمد جواد للتقارب تحرراً من أطياف الإنقسام الذي طبع التاريخ الإسلامي بطابعه، والجنون الديني والسياسي الذي أوغل في تفريق المسلمين عن أنفسهم وتاريخهم وقضاياهم.

إن ما قدّمه مغنية على صعيدي الدعوة والحوار، يصبّ في خانة الأصالة والتحديث، ويشكّل تحصيناً للذات الإسلامية ودفعاً للفوضى الفكرية التي كانت نتيجةً للفوضى التأريخية.

يعتبر العالمان عبد الله العلايلي ومحمد جواد مغنية مساهمين أساسيين في حركة التأصيل والتجديد والتحديث للخطاب الإسلامي المعاصر في القرن العشرين. وبعضنا يمضي عمره قابعاً في لحظة وهمٍ أو تخيّلٍ أو تعصبٍ لا يتزحزح.

الشيخ مغنية حياته
«تراث مغنية بين المنهج والأسلوب»

د. عصام عيتاوي[72]

قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من لفت عنايتكم إلى أنّ علاّمتينا العلايلي ومغنية كانا على اتصالٍ دائمٍ في جل المواضيع المعيوشة، ومما قاله العلايلي في إحدى زياراتي له إن مغنية كان يهديه نسخةً من كل كتابٍ يصدره فيتداولان فيه. ولقد جمعهما قاسم مشترك في التبحر في العلم والفقه والمعرفة، والإحاطة بإشكاليات مجتمعهما، وقد ناصرا كل مفكر يدعو إلى النهضة والتغيير، ودعيا إلى التجديد في بلورة المفاهيم الإسلامية بما يتلاءم مع العصر، إضافةً إلى مساندة حركات التحرر في الدول العربية والإسلامية وغيرها والمطالبة بحقوق الفقراء والمساكين، والمساواة بين الناس، معلنين الثورة على أمراض المجتمع المتلخصة بالجهل والفقر والمرض، حتى جمعهما اتهامٌ واحدٌ، وصبغا بحمرةٍ شيوعيةٍ، بالرغم من كونهما عالمين معمّمين، وعلى مسافةٍ بعيدةٍ من الأنظمة المادية بشتى أشكالها.

وإنه من حسن الفأل أن يأتي هذا المؤتمر اللبناني الدولي لتكريمهما، في وقتٍ أشد ما نكون فيه إلى العودة إلى فكرهما وآرائهما في الإصلاح والتجديد، إلى الأصالة، والتراث، إلى الفكر الموحِّد والموحَّد في ديننا الحنيف، وفي ظل عولمةٍ تضاعف جهدها بشغفٍ، للقضاء على مخلفات ما تبقى منه في مجتمعاتنا، غير آبهةٍ بكل الفرق الإسلامية، شؤونها وشجونها، وخاصةً الشيعي منهم والسني إلا بالمقدار الذي يخدم مصالحها لمحوه نهائياً من حياتنا. فهل نبقى كما نحن عليه؟ أما حان لنا أن نعمل سوياً فنخرج لنكسر قيود المذهبية المصطنعة؟ حقاً أن سايكس بيكو كانت في المذهبية أشد وطأةً منها في السياسة والجغرافية. فمتى نعود إلى الإسلام المصلح وشريعته السمحاء. فالإصلاح والتجديد تارةً يأخذ شكل الثورة بفضل قادته ومفكريه على السلطة الحاكمة، فيحدث تغييراً سريعاً في الدولة والمجتمع، ويأخذ بالأفكار والمفاهيم الحديثة، والأساليب الجديدة في الحياة، مثلاً الثورة الفرنسية قديماً 1789م، والثورة الإسلامية في إيران حديثاً 1979م، وعادةً ما يكون لهذه الثورات تداعياتٌ على الصعيد الداخلي والخارجي، تأثراً جراء التشابه في معاناة الشعوب المسحوقة مع تباين ثقافاتها، وفي حال العكس فحريٌّ بأهلها المطالبة بالحرية والإستقلال الفعليين.

وتارةً أخرى يأخذ الإصلاح والتجديد طريقه عبر الأفكار المبثوثة في الخطابات والمقالات والإحتفالات والكتب، لتفعل فعلها في الأتباع والأنصار، على صعيد الحدث الراهن لتؤدي دورها المهم على صعيد التنشئة الإجتماعية والمناهج التربوية والفلسفية في الأمة، وهو ما يطلق عليه الوعي والتوعية الإجتماعية، وهذا ديدن جل رجال الإصلاح والتغيير في العالم عندما لا يتسامت الوعي والثورة.

والعلامة مغنية من قبيل هؤلاء الرجال العظام الذين عالجوا الجرح النازف، في عصرٍ سيطرت فيه سياسة التثاقف على مفاهيم الثقافة.

وتمشياً مع الروح وإيفاًء لحق الشخصية المحتفى بها، لا بد من وضعها في إطارها التأريخي، والنظر بعين الرعاية والدراية إلى ما أنتجت من فكرٍ، كان له الأثر الفعال في إنماء ونهضة المجتمع، والعودة به إلى أصالة التراث وكنه الممانعة وحركة المقاومة.

أولاً: حياته

مغنية من مواليد طير دبا عام 1904 قضاء صور من محافظة لبنان الجنوبي، نشأ يتيم الأبوين، توفيت والدته وله من العمر ثلاث أو أربع سنوات، وتوفي والده الشيخ محمود عام 1916، فعاش في كنف أخيه الشيخ عبد الكريم الذي بدوره تركه للسفر إلى النجف. فعاد إلى بيت والده الخالي من أي أثاثٍ حيث يقول: كنت في بيت أبي القديم أجلس على الأرض وأثني ساقي واضعاً صدري على فخذي وساعديّ على رأسي أغطي جسدي بعضه بعض، حتى أصبح كالصرة المربوطة عسى أن تخف وطأة البرد، وأصبت جرّاء ذلك بمرض الروماتيزم. وهذا ما جعله يقصد العاصمة بيروت سيراً على الأقدام ليعمل فيها بعدة صنائع حتى توفرت له أجرة السفر، فترك لبنان ودخل العراق ليلتحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف عام 1920. فكان كما يقول أفقر تلميذٍ عند أفقر أستاذٍ تتلمذ عليه وهو السيد حسين الحمامي، حتى عودته إلى بيروت عام 1936 وبقي ملازماً لكتب الفقه لحين تعيينه قاضياً شرعياً في المحكمة الجعفرية في بيروت عام 1948، ثم مستشاراً فيها عام 1949، ليصبح في العام1951 رئيساً لها بالوكالة حتى عام 1956، ثم ليعود مستشاراً حتى تقاعده العام 1968، إثر مخالفته إصدار حكم شرعي «مخالفٍ للدين» لصالح أحد المتنفذين السياسيين في صور. وانتقل إلى رحمته تعالى في 8 كانون الأول عام 1979 عن عمر يناهز السادسة والسبعين.

ثانياً: تراث مغنية الفكري بين المنهج والأسلوب:

مغنية كعالمٍ إسلاميٍّ أثرى الحياة الفكرية عبر مؤلفاته العديدة التي عكست المشكلات المحورية للمجتمع من جهةٍ، وعبرت عن تيارٍ في الإتجاه العام لتطور الوعي في تلك المرحلة وبخاصةٍ الإتجاه الإسلامي في فترة الأربعينات والخمسينات من جهةٍ أخرى، علماً أن بعض مؤلفاته منعت من التداول في إحدى دول المنطقة بعد أن تلقى وابلاً من التهديدات. ومن خلال كتبه يمكن وضع شخصية مغنية من الفترة الممتدة بين سنة 1904 حتى سنة 1979 بين طورين: طور التحرر الوطني من المستعمر، واستحقاقات المرحلة فيه كانت تستلزم الثورة، وما بعدها هو طور التقدم والتيار الإجتماعي الذي يستلزم العقلانية.

ففي المرحلة الأولى من سنة 1904 حتى سنة 1943، وهي المرحلة التي عنون فيها كتابه، الوضع الحاضر في جبل عامل في مطلع الإستقلال بداية القهر والحرمان عام 1947، و هذا الكتاب وإن دل على شيءٍ، فإنما يدل على نضجٍ في الوعي الإجتماعي والسياسي المبكر، ما جعله يتسلم منصب القضاء عام 1948.

أما الطور الثاني، فهو الإستقلال الذي تبدأ فيه الأمة أو الوطن، بالبناء والتقدم الإجتماعي، فجاءت مؤلفاته الـ»47» بعد إخراجه من رئاسة المحكمة العليا، وذلك بما يزيد عن كتابين سنوياً، تباعاً بعد الوضع الحاضر في جبل عامل، كما يأتي:

- في عام 1956م، أهل البيت ومنزلتهم عند المسلمين.

- في عام 1958م، المجالس الحسينية.

- في عام 1959م، الله/ النبوة / الآخرة/ المهدي المنتظر والعقل.

- في عام 1960م، «الفقه على المذاهب الخمسة»، معالم الفلسفة الإسلامية.

- في عام 1961م، «الإسلام مع الحياة» الشيعة والحاكمون.

- في عام 1962م، فلسفة المبدأ والمعاد «مع بطلة كربلاء» مع علماء النجف الأشرف.

- في عام 1963م، «علي والفلسفة».

- في عام 1964م، «الأحوال الشخصية» بين الله والإنسان، الحج على المذاهب الخمسة، هذي هي الوهابية.

- في عام 1965م، «فقه الإمام جعفر الصادق».

- في عام 1968م، من هنا وهناك، التفسير الكاشف.

- في عام 1971م، «فلسفة الولاية».

- في عام1973م، «الإسلام بنظرةٍ عصريةٍ».

- في عام 1974م، شبهات الملحدين والإجابة عليها، الحسين والقرآن.

- وصدر كلٌّ من الكتب الآتية دون تاريخ: نظراتٌ في التصوف الإسلامي، الفصول الشرعية على مذهب الإمامية، مع الشيعة الإمامية، الإثنا عشرية، الشيعة والتشيع، عليٌّ والقرآن، إمامة عليٍّ والعقل، مذاهب ومصطلحاتٌ فلسفية.

- في عام 1975م، صفحاتٌ لوقت الفراغ، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، قيمٌ أخلاقيةٌ في كلمات الإمام الصادق، فلسفة الأخلاق في الإسلام.

- في عام1978م، التفسير المبين.

- في عام 1979، الخميني والدولة الإسلامية، من ذا وذاك.

هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانيةٍ شكل الإطار الإجتماعي إرهاصاً لقوى التغيير وقتها أثراً وتأثيراً على مجمل البنى الإجتماعية من أحداثٍ وقضايا، كما عبر عنها بأنها قضايا ساخنةٌ وعاصفةٌ بل قاصفةٌ. وهي كانت بمثابة التحديات، منها ما هو داخليٌّ، ومنها ما هو خارجيٌّ.

فالتحديات الداخلية تمثلت في القهر والحرمان والجشع والتسول والطغيان والظلم والنظم الجائرة والإختلاف بين المسلمين «الطوائف والمذاهب»، مرض العصر الراهن.

وعلى المستوى الخارجي الإستعمار والنكبات والحروب، فمنذ ولادته في ظل الإحتلال العثماني، من بعدها الفرنسي، الحرب العالمية الأولى»كان عمره عشر سنوات»،ثم حرب 1948م، «كان عمره إثنين وثلاثين سنةً» عودته من النجف الأشرف إلى بيروت، ثم حرب سنة 1956م، «كان عمره إثنين وخمسين عاماً»، ثم حرب 1979م حرب القوميين العرب ضد الجمهورية الإسلامية في إيران»كان عمره خمسةً وسبعين عاماً».

ففي ظل هكذا تحدياتٍ، خاصةً نكبة 5 حزيران 1967م، أين نضعه من تاريخنا؟ هل نضعه مع سقوط القدس على يد الصليبيين في المشرق؟ أم مع سقوط قرطبة على أيديهم في المغرب؟ أم مع سقوط بغداد عل يد التتار في المشرق؟ وهذا اليوم أخطر من سقوط قرطبة عام 1237م؛ لأن التتار كالصليبيين لم يكن أمامهم بدٌّ من أمرين:

أما الذوبان أو الإرتداد، فأذابهم الإسلام بسرعةٍ. أما هزيمة حزيران 1967، فلا نواجه ثقافة الغرب فيها في تيار، بل نواجه الإنسان الغربي نفسه، ونواجه الحضارة الحديثة في فكرها وأخلاقها وعلمها. ولا نواجهها كثقافةٍ، بل كحركة تثاقفٍ وككتلةٍ بشريةٍ، واحتلال وضعنا أمام احتمالين لا مفر منهما: الأرض أو الحرب. والأرض هنا تعني التراب والتاريخ والشعب. كان الإسلام ما يرى مغنية، قادراً بلا شكٍ على رده في حينه لولا العزلة العثمانية. فالإسلام إيمانٌ ومبادئ، هو الحياة والفطرة، هو الفكر والنور والحق والبعث.

وكان العالم العربي حينه قادراً على رده يوم صاح به جمال الدين الأفغاني، لولا عملية الصرف والإلهاء التي قام بها الغرب، عبر السياسة الرمزية وهي [نشاط الإستبدال الذي يقدم ترضياتٍ تعويضيةٍ، في حال عدم تحقق النتائج المرجوة أو الموعودة، ويمكن أن يفسح المنطق الرمزي المجال للخدعة والمناورة فـ»الجامعة الإسلامية» تحولت إلى الجامعة العربية وعندما يحصل الغموض عمداً، بين الواقع والخيال، بفضل الخطابات والقصص أو المعتقدات الخرافية].

ولولا عملية الصرف والإلهاء، التي قام بها الغرب عن طريق الغزو الثقافي والتبشير والإستشراق والحرب النفسية والإستعمار والإعلام، الذي أوجده تيار التغريب، الذي انصرف عن قضية النهضة إلى الإنشغال بمشكلاتٍ وهميةٍ، كالمادية التاريخية/ اليمين/ الرجعية/ التقدمية/ المثالية/ الوضعية/ الوجودية/ الغثيان/ الماركسية/ الشيوعية/ الديمقراطية/ البراغماتية. كل ذلك ينطلق من واقع الآخر الغربي، لا من واقعنا العربي الإسلامي.

وكان رد الفعل الطبيعي عليه، هو تيار الدفاع الإسلامي عنها وقتها، حركة العلماء في العراق/ حركة الإخوان المسلمين تجمع العلماء المسلمين اليوم وغيرها....

وبالتالي تعددت رموزه التي منها في لبنان العلامة محمد جواد مغنية، وهو ما يعرف بتيار الدفاع الإسلامي.

من هذه المعركة الكلامية عند الإسلاميين أراد الغربي دائماً أن يخلق لهم ألهيةً تصرفهم عن قضيتهم الأساسية للتحدي. كما أن تيار التغريب ذا الإتجاه الليبرالي استطاع أن يلهي الفكر الإسلامي زمناً طويلاً، وكذلك حاول التيار الإشتراكي الثوري، أن يصرفه بدوره مرةً أخرى. وبينما نحن منشغلون بهذه المشكلات الوهمية كان الغرب قد نصب لنا شركاً، فجاء لنا بتياراته وقذف بهم في القلب من أمتنا، حتى إذا أخذنا الأمر مأخذ الجد، وطرحنا ألهيات التغريب جانباً، واجهنا خطراً حقيقياً آخر وهو التغريب بالقوة في فلسطين، ومن ثم السلام أو الإستسلام وأصبح العرب وإسرائيل بين روسيا وأميركا، هذا قديماً أما اليوم في أحضان أمريكا، وهنا استطاع مغنية أن يربط العلاقة ويوطدها بين الفكر والواقع، فالنكبة آخر التحليل هي انعكاسٌ حقيقيٌّ لا لفساد النظم والأنظمة والمنظمات وحسب، ولكنها نتيجةٌ حقيقةٌ لمأسسة الفكر كمقدماتٍ تأتي منسجمةً مع النتائج آخر التحليل.

فالمقدمة الأولى للبنى الفكرية/ الوضع/ والوضعية والحضور/ الحاضر/ وفي الظرفية ومظروفها/ جبل عامل، تعكس لنا نضجاً مرتبطاً مع الواقع الإجتماعي متلازماً خاصةً في مرحلة/ الإستقلال/ والتلازم الذي يكشف لنا عن مدى الهم لأمور المسلمين/ بدايةً/ وقهراً/ وحرماناً. وكانت النتيجة منسجمةً مع مقدماتها على حافة الموت الذي هو بداية الحياة/الخميني والدولة الإسلامية/ وما بينهما يشكل البديل الإسلامي في مواجهة الليبرالية العلمانية، التي ضغطت على الواقع الإجتماعي، بأفكارها ونظمها وعسكرها، وحراها، مما دفع بالمفكرين الإسلاميين والقوميين لاتخاذ مواقف، فالإسلامي الذي وقع بالإنكفاء الذاتي على الإسلام، كردٍ حقيقيٍّ للغازي، أما التيار الثاني القومي فقد اندفع في اتجاهٍ مضادٍ، وهو الإشتراكية الثورية. ما جعل مغنية يقف مع القوميين، بل وقف أيضاً مع الشيوعيين ضد مشروع أيزنهاور. ومن هنا أتته التهمة بالحمرة التي تحدثت عنها بدايةً. وما بين الوضع الحاضر في جبل عامل، والخميني والحكومة الإسلامية، ينحصر التراث الفكري لمغنية. ولكي نتحسس النظرية من خلال القضايا التي كانت تشغل وقتها الحركات الإسلامية خاصةً ورموزها الفكرية، على مستوى البدائل والطروحات وحلول المشاكل والأطر المنهجية/ المنهج العلمي في الإسلام/ من اجتهادات الإمامية/ التقليد وأصول العقيدة/ ومبدأ الإعتراف بالواقع/ ولا نجاح بلا تخطيط/ والمسؤولية السلبية في الشريعة/ وبعض القوانين/ والأحكام الوضعية.

هذا عن المنهج من بُعده السلمي، فماذا عن الأسلوب في بُعده الحركي التغييري، نحن أعداء الظلم/ تعالوا نحاسب أنفسنا/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ والثورة على الظلم/ في رد كيد العداء/ شهداء العقيدة/ لتكتمل الصورة/ في النهاية مع سيرة الحسين لأنه يؤمن/ بالفقهاء والتجديد/ وتصبح المنهجية أداةً في مواجهةٍ بين /المؤمنين/ والملحدين/ للدفاع عن الدين، والتمييز بين الإنسان الخرافي والإنسان الواقعي/ فلا حياة بلا عمل/ ولا عمل بلا علم/ ولا إيمان بلا احترامٍ. لذلك فتراث مغنية قدم البديل لمشكلات العرب والمسلمين. إن هذا الإحساس المنصهر بآلام الأمة المنعكس في منهجه وأسلوبه في مرحلة البناء والتقدم الإجتماعي الذي يستلزم العقلانية بالضرورة، ومن خلال التسلسل الزمني التسجيلي التأريخي، لزمكنة عناوين هذه الكتب كما تقدم، نكشف بعين الراصد ماذا يحمل هذا التراث، فالتقدم كما حمل عنوان الكتاب الثاني: «أهل البيت ومنزلتهم عند المسلمين»، يحمل رؤيةً إجرائيةً عند الممارسة والواقع، تترجم مذهبياً قبالة الإيديولوجيات الوافدة، التي رأت في أهل اليمين أو اليسار منطلقاً ومبدأً، ورمزاً كشرطٍ مسبقٍ لخصائص الإتجاهات التقدمية وقتها. والمجالس الحسينية هي قبالة التنظيمات والمنظمات الحزبية، ومقرراتها لعمليات التعبئة والتحريض والتنوير والأدلجة والمذهبية، والعقلانية التي وسم بها التوحيد/ النبوة/ الآخرة/ المهدوية، هي قبالة الأصول الفلسفية الدينية والماركسية والرأسمالية، وكتبه الله والدين قبالة اللادينية العلمانية، ومذهب أهل البيت هو قبالة المذهب السارتري المادي. والأخلاق الإسلامية هي الضمان لممارسة الإنسان المؤمن في سلوكه وحركته، قبالة فلسفة الإلحاد في العصر الحاضر، وأما أصول الدين التي هي الإيمان والفقه الذي هو العمل، قبالة الفكر والممارسة أو ما عرف وقتها باسم النظرية والتطبيق. والفقه على المذاهب الخمسة هو إطلالةٌ على نافذة العالم الإسلامي، لا شيعةً ولا سنةً، ولا اشتراكيةً ولا رأسماليةً. وعالم الفلسفة الإسلامية عنده يتجه باتجاه المثل العليا، وليس حائراً بين المادية والمثالية حيث ترتكز الحياة عنده على ذاكرةٍ تاريخيةٍ في كتابه الشيعة والحاكمون، والممتدة بين نقطتين مركزيتين هما الكتابان، المبدأ والمعاد وبين الله والإنسان. وطرح فلسفة الولاية بديلاً عن فلسفات وعقائد المفكرين الذين وقعوا في شبهات الملحدين والإجابة عليها وكذلك الوجودية والغثيان، أما الرصيد الضخم الذي سطّره في السيرة حول عليٍّ والحسن والحسين وزينب بطلة كربلاء والصادق، ما هي إلا الوقائع التطبيقية لهذه النظرية المغنوية، التي تكمن في الفقه والأحوال الشخصية، كما تظهر أيضاً في التفسير وأصول الفقه والفلسفة والتصوف والأخلاق. ولهذا يمكننا مما تقدم القول: إن العلامة مغنية، قد اقترب كثيراً من وضع تصورٍ عقائديٍّ يلملم شتات معارف متناثرة، إطارها المعرفي رؤيةٌ إسلاميةٌ تنزع نحو/ التغيير/ التجديد/ التقدم/ الوعي/ التطور/ علاج المشاكل الإجتماعية/ الدعوة/ المجددون/التقليم والتطعيم/ العصرنة/ التقليد الأعمى/ الإنحطاط/ المصلحة/ التنظيم/ الإستقلال/ الجهاد/ والإجتهاد. هذه المفردات التداولية لخطابه في الحقل الإجتماعي، مع تحديده لقوى التغيير من الزعماء والعلماء والشباب والمهاجرين والمرأة جاعلاً لكلٍّ منهم دوراً لا بد من القيام به للوصول إلى النتيجة المرجوة.

ويظهر لنا من كل ما تقدم إمكانية صياغة مشروع حكمٍ أوليٍّ على شخصية العلامة مغنية، وفق منظومةٍ إجتماعيةٍ وتأريخيةٍ محددةٍ بدءً من سنة 1904 حتى 1979، أي ما يقارب ثلثي القرن العشرين من الناحية الزمنية، ولعلاقة الزمان بالمكان والأحداث فقد أثرت ثلاث بيئاتٍ إجتماعيةٍ كلٍّ منها وبدرجةٍ ما برسم معالم هذه الشخصية المغنوية انطلاقاً من الضيعة والمؤسسة التعليمية الحوزوية، ومن ثم المدينة والمؤسسة القضائية؛ لذلك جاء نشاطه المعرفي حافلاً بالمضامين الإسلامية والإجتماعية والتأريخية والتوعوية والنهضوية ما يجعله بحقٍ من رواد الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي الحديث.

موقعية الفلسفة
في فكر العلامة محمد جواد مغنية

أ. محمود حيدر[73]

لو كان لنا أن نقترب من أعمال الشيخ محمد جواد مغنية لنقيم وإياها صلة معرفةٍ، لظهرت على الجملة في وعاء الفلسفة. قد يبدو هذا الكلام مفارقاً للمأثور من الشيخ. فأنتم بإزاء حوزويٍّ حصَّل علوم الدين ليدفع بها عن الدين مقالة الجاهدين والنظار والمخالفين. فهو بهذه الصفة سوف يتبوَّأ مقام العالم، أو الفقيه، أو القاضي، أو المتكلم، أو الداعية، أو تلك المقامات على الجملة. فمن أين إذاً جاءنا الفيلسوف، وما الذي حمله إلى ما عزَّت مطارحه في فضاء التقرير الديني المألوف في مدرسة النجف؟

وثمة من يمضي بالسؤال إلى مسافةٍ أبعدَ: كيف لداعيةٍ أن يدنو بالمساءلة من شأنٍ لا يُرى عنده إلا على وجه اليقين. أو كيف لفقيهٍ أن يواجه بعلامات الإستفهام ما هو مركوزٌ في القلب، ومثَّبتٌ بالإيمان ومسلَّمٌ به على الفطرة؟

لا شيء في السيرة العلمية للعلامة مغنية يبدو خارج نطاق التساؤل. كان ذلك حاضراً لديه منذ الطفولة المسكونة بالفقر. حتى إذا ضمه القدرُ إلى محاريب الحوزة لم يغادر السؤال ولا فارقه السؤال لحظةً. كما لو أنه وعى مبكراً أن الدين الذي أسلم له الفؤاد لا مناص له من عارفٍ. وأدرك أن العارف لا يكون له التعرُّف إلاّ بطي منازل الجهل، منزلةٍ منزلةٍ، وإشكالٍ إثر إشكالٍ حتى يأتيه اليقين.

في امتداد الستين كتاباً وأكثر، مجاهداتٌ مؤِيَّدةٌ بشغف البحث عن حقائق الكلمات والأشياء. مرجِعُه الأول في التساؤل القرآن. «والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلنا». فاستيقن الشيخ من أن التساؤل هو تقوى الفكر وهداية العقل. وأن الهداية موصولةٌ بالمجاهدة والبذل. ولما كان ذلك كذلك، راح يوسع من أرض القراءة فصارت له مراجع أخرى. لم يكتفِ الشيخ بالمقرَّر الحوزوي الذي امتلأ به وفاض، بل هو ذهب في ما يتعدى كلمات الحوزة وأسفارها. ليغترف المزيد مما أشكل على الإنسان من بحور الحداثة الغربية ومنجزاتها. لم يكن العلامة مغنية، لماَّ نحا هذا المنحى، مأخوذاً بفضولٍ عارضٍ للمعرفة. كان على وعيٍ بفضيلة الأخذ بالقول الفلسفي سبيلاً إلى كمال التعَّرف. لأن الأخذ بالقول يعني دفعه إلى حقول الإشتغال. ولذا سنجد كيف سرت نصوصه وكتاباته مسرى الممارسة الفلسفية حتى وهو يتناول أدق المسلمات من العقيدة.

لعل قراءة ما في الجغرافيا الفلسفية الغربية من إنجازاتٍ هو بالنسبة الى عالِمٍ كالشيخ مغنية ضرورةً لوعي الذات الثقافية الإسلامية. فهذه الذات السارية في الزمن العالمي لم تعد ضمن قلعةٍ مغلقةٍ في خلال الحقبة التاريخية التي عاشها. فإنها شاءت أو أبت هي في قلب الإحتدام. ولذا لا بد لها من استكشاف مطارح الغير[خصيماً كان أو ودوداً] لكي تكتمل صورتها عن نفسها. فصورة الذات تُصنع أيضاً وبنسبةٍ ما على عين الآخر. مع هذا الإقرار العقلاني بجدلية الصلة بالغير، كان الشيخ يؤدي فعلاً فلسفياً لا مراء فيه. فعلى حكم العقل يبقى إدراك الشخصية الحضارية أمراً ناقصاً لو اكتفى المتعرِّف بما لديه من أنباء ورواياتٍ عن الغير. فلا بد من حضور المقابل لكي تكتمل المعرفة. ذلك لأن مثل هذا الحضور هو بنسبةٍ ما يُعتبر هويةً أخرى للذات. فالتعرَّف بمدلوله الفلسفي الواقعي هو فعلٌ لحدثٍ أصله الإعتراف بنظيرٍ. إما ليثبته في حقله على الود والمشاركة، أو ليظل وإيَّاه على الإختصام، إلى أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً.

على هذا المدرج في النظر إلى الآخر، بما هو قيمةٌ معرفيةٌ، يحيل العلامةُ مغنية عملية إنتاج الأفكار ِإلى فضاء التفلسف العملي. وبهذا المدلول يكون قد قرَّر بأن مهمته الفلسفية تكمن في العمل الدؤوب على إنتاج السؤال سعياً إلى جوابٍ ما عبر ولاداتٍ فكريةٍ ومعرفيةٍ تجتاز عماء العصبيات الإيديولوجية الصمَّاء.

في مقدمة كتابه» فلسفة المبدأ والمعاد» يعود الشيخ مغنية ليذكِّر بما بيَّنه في مجمل أعماله، من أن الفلسفة إنما تقوم على البديهيات. بها يُبرهن على صحة النظريات، وبها تعالج مشاكل الوجود. وفي رده على منكريها يرى أن الذين شككوا في حكم العقل، وأسقطوه عن الدلالة والإعتبار هم أنفسهم من استعمل منهج الفلسفة ومنطقها، ونقدوا العقل بالعقل. فمثل هؤلاء كمثل من قيل فيهم: «من أنكر الفلسفة فقد تفلسف».

مزيَّة الشيخ مغنية أنه أدخل الفلسفة في مجال الإستعمال. لم تكن بالنسبة إليه كتلةً من المفاهيم الساكنة في مقام التجرُّد. لقد أمسك بناصية الفلسفة الأولى، ثم راح يُنزلها من عليائها، لتسري في حقول الحياة الخضراء. فما جدوى الفلسفة لو ظلت صامتةً في كلياتها. لقد فعل ما فعلته الحداثة الفلسفية لكن على نهج التدبُّر القرآني. كأن تتحول المفاهيم الساكنة في سماء الأذهان إلى حركةٍ تملأ الزمان والمكان. حيث تستحيل الآيات والأفكار والمفاهيم حضوراً حيّاً في أدق مفاعيل النشاط البشري. لقد أراد أن تكون الفكرة الفلسفية، حركة لقاءٍ واجتماعٍ وصانعة حدثٍ، وفاعلةً في حوادث التاريخ.

ها هنا على وجه التعيين نصل إلى موقعية الفلسفة في فكره. إنها تتمثل في مسعاه إلى هندسةٍ معرفيةٍ فلسفيةٍ للفكر الديني بأحيازه ومراتبه المتعددة. بل يمكن القول، إن غايته من الفلسفة هي تأييد العقيدة بعناصرَ إضافيةٍ من أنوار العقل، لقد استطاع مغنية أن يرتفع بالبحث الفقهي الكلامي إلى التجريد الفلسفي ثم ليعود به كرةً ثانيةً إلى الواقع التفصيلي الضاج بالحياة. لم يكن مغنية فيلسوفاً دينياً، كذاك الذي دخل عالم الدين من باب الفلسفة. وكان قصده في ذلك أن يدرس العقيدة وفقاً للمقولات الفلسفية انطولوجياً ومعرفياً وتاريخياً... كما لم يكن في المقابل شأن من يعمل بمقدماتٍ فلسفيةٍ من خارج الدين ويصل إلى الدين من دون أن يقصد بالضرورة إثبات العقائد الدينية. لقد تخيَّر العلامة مغنية منطقةً وسطى من الإشتغال بالفلسفة، هي درس الدين فلسفياً على أرض المقولات الدينية. وبمعنى أكثر وضوحاً استحضار الفلسفة كتقنيةٍ عقليةٍ فائقة القدرة على توليد المفاهيم، لتؤدي مهماتها في خدمة العقيدة. وهو حين ذهب إلى توصيف مهمته المعرفية بأنها «فلسفة العقيدة» فقد كان كمن يموضع الفلسفة بوصفها الخريطة الإستراتيجية لفهم العقيدة.

لعل ظهور علم أصول الدين في مرحلةٍ متأخرةٍ من تطورات الفكر الإسلامي إنما يقترب إلى حدٍ بعيدٍ مما قصده من «فلسفة العقيدة´».

لقد أيقن العلامة مغنية بجدوى الفلسفة في تمكين العقل الديني من إدراك حقائق النص. وبالتالي في تمكينه عن طريق الفلسفة من إحراز تحولات التجديد والإحياء في الفكر الإسلامي المعاصر.

ولسوف يدرك العلامة مغنية الفلسفة على أتم أطوارها في حقبةٍ متأخرةٍ من عمره العلمي. ففي قم سينفتح له فضاءٌ معرفيٌّ غير مألوفٍ لدى المدرسة الفقهية الكلاسيكية، عنيت به فضاء الفلسفة الصدرائية الذي وضع هندسته صاحب الحكمة المتعالية محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بصدر المتألهين. فهو يعترف بأن جل كتبه الفلسفية ما كانت لتظهر لولا أن أتيح له الإطلاع على آثار هذا العظيم. مع هذا الإدراك أنجز العلامة مغنية الشطر الأخير من المصالحة بين مهمة الفلسفة في الفقه. لتكون فضيلة الأولى تسديد الفقه وعقلنته.

ولسوف تؤدي هذه المصالحة إلى إنجاز سلسلةٍ من التطورات في الفكر التجديدي لدى العلامة مغنية. كانت الفلسفة هي الباب المفتوح على تكاملية الفكر الديني كذلك كان التصوف، بما هو منجزٌ تأويليٌّ عظيم الشأن في الثقافة التاريخية الإسلامية. موقفه من التأويل يتوضح بعد إجراء التحليل المقارن بين الفريقين التأسيسيين في علم الكلام الإسلامي: الأشاعرة والمعتزلة. فهو يميل إلى الأخذ بنظرية أهل الإعتزال لجهة قولهم: إذا تعارض ظاهر النص مع العقل وجب تأويله بما يتفق مع منطق العقل. فذلك ما يتفق برأيه مع قول الإمامية بأن الشرع والعقل لا يتصادمان بحالٍ، ولا يفترقان، لأن العقل شرعٌ من الداخل والشرع عقلٌ من الخارج. والعقل يهتدي بالشرع والشرع يُعرف بالعقل. فهما أبداً ودائماً متحالفان متآزران، كلٌّ منهما يحكم بما يحكم به الآخر.

وإذاً فالتأويل عند مغنية ضرورةٌ لفهم الدين. وقاعدته تقول إن ما يستغلق من الشريعة على الفهم يتولاه العقل بالتفسير والجرح والتعديل، وصولاً إلى التأويل حتى تُرى حقيقتُه.

فلو قرأنا ما يستهل به جل ما أصدره، لوقعنا على شغفٍ حميمٍ بتكثير طبقات التعرُّف على النصوص والأفكار. إذ المعرفة عنده تنطلق من منظورٍ قرآنيٍّ وفلسفيٍّ قوامه بسط النفس والعقل على فضيلة الإختلاف. فالمفكر الإسلامي برأيه لا يفلح بأمره إلا إذا أحرز ثلاثة شروطٍ:

- أن يكون على علمٍ بحقيقة الإسلام.

- أن يكون على علمٍ بالتيارات والمذاهب الحديثة ومدى سلطانها وتأثيرها.

- أن يكون عالماً بعيوب المجتمع الإسلامي كالتعصب والإيمان بالبدع واللامبالاة.

حتى إنه لشغفه بالنقد بما هو أساسٌ في نظرية المعرفة راحت تراوده فكرة إصدار مجلةٍ باسم «هدم وبناء» مهمتها مثلثة الأضلاع:

- الأولى: الدفاع عن الإسلام.

- الثانية: تبسيط وتوضيح مبادئه وتعاليمه.

- الثالثة: نقد العيوب، وهو المراد بالهدم.

لقد عرف الشيخ مغنية أن حضور الإسلام في الزمان، وعلى الخصوص في أزمنة الحداثة التي عاشها بامتلاءٍ لا يكون إلا ضمن جدلية الإحتدام والإختلاف والتعرُّف. وحده المتعصب من يرفض الإنصات لكلام الغير. فلو تكلم المغلَّق فلا يسمع إلا أصداء كلماته ترتد اليه صافيةً من أي شائبةٍ أو لونٍ حتى ليأخذ الأمر إلى العُجب بما أنشأ من كلماتٍ ثم ليظُنَّ أنه أدرك الحقيقة. التأويل بالنسبة إلى العلامة مغنية هو ممارسةٌ فلسفيةٌ فضلاً عن كونه سلوكاً ونظراً عن كونه في آنٍ.

لقد تعامل مع مواقع الإختلاف سواءً بين مذاهب المسلمين أو بين الأديان والتيارات الفكرية والفلسفية والعلمانية، وفق مبدأ التعرُف قبل الدخول معها في ميادين المجادلة، كأنما استعاد مقالة ابن الهيثم من: إن من الواجب على الناظر في كتب العلوم إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصماً لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه، وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم نفسه أيضاً عند خصامه...

[1] مستشار قائد الثورة الإسلامية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ورئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

[2] الفقه على المذاهب الخمسة (ص89 ط7).

[3][م.ن]، ص: 180.

[4][م.ن]، ص: 192.

[5][م.ن]، ص: 193.

[6][م.ن]، ص: 212.

[7][م.ن]، ص: 234.

[8][م.ن]، ص: 310.

[9] سورة البقرة، الآية 232.

[10] الفقه على المذاهب الخمسة، ص: 322.

[11] الفقه على المذاهب الخمسة، ص: 326.

[12] الفقه على المذاهب الخمسة، ص: 365.

[13][م.ن]، راجع مثلاً الصفحات: 387،388،394،395،396،416،484،592 وغيرها كثير.

[14][م.ن]، راجع الصفحات: 142،106،188،194،199،201،202،218.

[15][م.ن]، ص: 188.

[16][م.ن]، ص: 202- 203.

[17][م.ن]، ص: 297.

[18][م.ن]، ص: 302.

[19][م.ن]، ص: 411.

[20][م.ن]، ص: 304-350.

[21][الفقه على المذاهب الخمسة]،، ص: 82.

[22][م.ن]، ص: 271.

[23][م.ن]، ص: 282.

[24][م.ن]، ص: 371.

[25][م.ن]، ص: 86.

[26][م.ن]، ص: 360.

[27][م.ن]، ص: 528.

[28][م.ن]، ص: 625.

[29][م.ن]، ص: 360.

[30][م.ن]، ص: 344.

[31][م.ن]، ص: 91.

[32][الفقه على المذاهب الخمسة]، ص: 165.

[33][م.ن]، ص: 368.

[34][الفقه على المذاهب الخمسة]، ص:18.

[35][م.ن]، ص:70.

[36][م.ن]، ص:295.

[37][م.ن]، ص:514.

[38][م.ن]، ص:90.

[39][م.ن]، ص:95.

[40][الفقه على المذاهب الخمسة]، ص:103.

[41][م.ن]، ص: 112.

[42][م.ن]، ص: 230.

[43][م.ن]، ص: 232.

[44][م.ن]، ص: 294، 317 وغيرهما.

[45][م.ن]، ص: 597.

[46][م.ن]، ص: 497.

[47][الفقه على المذاهب الخمسة]، ص: 499.

[48][م.ن]، ص: 502.

[49][م.ن]، ص: 521.

[50][الفقه على المذاهب الخمسة]، ص: 515.

[51] أستاذ جامعي.

[52] سورة طه، الآيتان 5- 6.

[53] أستاذ جامعي.

[54] عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟، دار الجديد، الطبعة الثانية 1992م- بيروت، ص: 13-14.

[55] أين الخطأ؟، ص: 14.

[56] أين الخطأ؟ ص: 15.

[57] أين الخطأ؟، ص: 15.

[58] أين الخطأ؟، ص: 15.

[59] أين الخطأ؟، ص: 15-16.

[60] أين الخطأ؟، ص: 17.

[61][م.ن]، ص: 18.

[62][م.ن]، ص: 18.

[63][م.ن]، ص: 20.

[64] أين الخطأ؟، ص: 21.

[65] أين الخطأ؟ ص: 29-40.

[66] سورة المزمل، الآية: 20.

[67] سورة البقرة الآية: 280.

[68] سورة التوبة الآية: 34.

[69] نائب رئيس المجلس الشرعي الأسلامي.

[70] كاتب وباحث إسلامي.

[71] سورة الحجرات، الآية 13.

[72] أستاذ جامعي.

[73] كاتب وباحث في الفكر الفلسفي ورئيس مركز دلتا للأبحاث والدراسات المعمقة.

الفصل الثالث

الإصلاح عند مغنية والعلايلي

الأبحاث:

مقومات الشجاعة الفكرية في شخصية
«الشيخ محمد جواد مغنية»

الشيخ حسن موسى الصفار[1]

يتكون الرأي عند الإنسان حول أي قضيةٍ من قضايا المعرفة والحياة، إذا اتجه بفكره نحوها، واجتهد في فهمهما، حيث منح الله تعالى الإنسان قدرةً عقليةً خارقةً، تمكنه من معرفة الأسماء كلها، أي المعاني والمسميات، كما يقول تعالى: ﭽ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭼ [2] فالكون والحياة كتاب مفتوح أمام عقل الإنسان، يحتاج لفهم أي سطرٍ من سطوره، إلى تركيز الفكر، وإمعان النظر، وبذل الجهد.

لكن مشكلة الإنسان تمكن في غفلته عن قدراته وإمكاناته التي ينطوي عليها، وفي انشغاله والتهائه ببعض المغريات والمكاسب الضئيلة، ثم في حالة الكسل والخمول التي تعوقه عن التقدم والإنجاز.

لكن معظم أفراد البشر لا يجدون أنفسهم معنيين بالتفكير فيما حولهم، ويكتفون باجترار الأفكار المتداولة، والقبول بها كمسلمات وثوابت لا يمكن تجاوزها.

ولا يقتصر هذا الحال على عامة الناس، بل هو داءٌ تعاني منه حتى النخب الإجتماعية التي يفترض فيها التخصص في اهتماماتها العلمية أو العملية.

لكن معظم أفراد هذه النخب لا يهتم بأن يصنع لنفسه رأياً، ولا يجد نفسه مؤهلاً لإعادة النظر في شيءٍ من الآراء السائدة. وبهذا تستمر حالة التخلف والركود، وتنعدم فرص التقدم والتطوير.

إن الحاجة ماسةٌ إلى تشجيع صناعة الرأي خاصةً في الأوساط العلمية والثقافية، وتجاوز حالة الركود، وتوارث الآراء، واجترار الأفكار.

إن أهم وأول عائقٍ يواجه الإنسان في مجال الإبداع الفكري، هو الرهبة الداخلية الناشئة من ضعف الثقة بالذات، والوقوع تحت تأثير الإنبهار بشخصياتٍ أخرى ذات قداسةٍ ونفوذٍ، تصبح سقوفاً تمنع انطلاق التفكير. ثم تواجه الإنسان عوائق خارجيةٌ في محيطه الإجتماعي، تقمع لديه حرية التعبير عن رأيه، وتضعف حماسه لإنتاج رأيٍ جديدٍ. وتتجذر هذه المشكلة بصورةٍ أعمق في ساحة المعرفة الدينية، والتي تعاني في معظم نواحيها من ركودٍ مزمنٍ، وتتصلب فيها عوائق الإبداع والتطوير.

إن حقل المعرفة الدينية كأي حقلٍ آخر من حقول المعرفة والعلم، يعتمد في تطوره وتقدمه على إعمال الفكر والنظر، وتراكم الخبرة والتجربة، وعلى التجديد والإبداع.

من هنا كان باب الإجتهاد في الدين ضمن ضوابطه العلمية مفتوحاً على مساحة الزمن كله، أمام جميع أجيال البشر، لا يحتكره قرنٌ من القرون، ولا يختص بعصرٍ من العصور. إن معارف الإنسان في اتساعٍ مطردٍ وحياته في تطورٍ دائمٍ، مما يجعله في مواجهة تحدياتٍ جديدةٍ كل يوم، فلا بد وأن يستوعب الدين واقع الصيرورة والتغيير في حياة الإنسان، وهذا ما يحصل عبر ممارسة الإجتهاد، والذي يعني استمرار حال القراءة والمراجعة للنص والتراث الديني دائماً وأبداً، بحثاً عن فهمٍ جديدٍ، وتلافياً لثغرات آراء السلف، واستكشافاً لمعالجات النوازل الحادثة.

وقد ورد أن رجلاً سأل الإمام جعفر الصادقQ قائلاً: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضةً؟ فقال: [لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمانٍ، ولا لناسٍ دون ناسٍ، فهو في كلِّ زمانٍ جديدٌ، وعند كلِّ قومٍ غضٌّ إلى يوم القيامة].

الركود في مسيرة المعرفة الدينية:

لقد كانت المعارف الدينية محدودةً في عصرها الأول، ثم اتسعت مع تطور حياة الأمة، واتساع رقعة الإسلام، وانفتاح المسلمين على سائر الأمم والشعوب، وهكذا تواصلت مسيرة النمو والتقدم في المعرفة الدينية.

لكن هذه المسيرة عانت من الركود وطول التوقف في الكثير من محطات الزمن تبعاً لواقع حال الأمة.

فقد تأثرت حركة المعرفة الدينية بواقع الإستبداد السياسي، وحال التخلف الإجتماعي، حيث شلّت فاعليتها، وتراجع إنتاجها، وتغيّرت وظيفتها أحياناً كثيرةً، من مواجهة الإستبداد والتخلف، إلى تبريره وشرعنته.

وكان من أخطر آثار هذه الحال توقف حركة الإبداع والتطوير، والتمسك بالموروث دون تحقيقٍ وتمحيصٍ، وإضفاء القداسة على آراء السلف، وتجريم أي مخالفةٍ لرأي المشهور. إن الأجواء السائدة في معظم الأوساط العلمية لا تشجع على ممارسة العملية الإجتهادية ضمن إطارها العلمي بحريةٍ وانطلاقٍ، بل تكبّل حركتها بقيودٍ ثقيلةٍ من الأعراف والتقاليد، واحترام آراء القوى النافذة، وعدم تجاوز طروحاتها التقليدية. وحين يتمرد باحثٌ على تلك الأجواء الضاغطة، تتخذ بحقه إجراءاتٌ قاسيةٌ، تبدأ من التشكيك في الكفاءة العلمية، إلى الإتهام في الدين، وصولاً إلى إسقاط الشخصية والعزل الإجتماعي.

وقد واجه عددٌ من العلماء المصلحين حملاتٍ شعواء تستهدف شخصياتهم، من قبل أوساطٍ دينيةٍ، بجرم التعبير عن رأيٍ آخر في مجال العقيدة أو الفقه أو سائر مجالات المعرفة الدينية.

ولم يقتصر الأمر في هذه الأوساط الممانعة للتغيير والتطوير، على مواجهة الرأي الجديد والفكرة الحديثة، بل تعداها إلى مقاومة أي تغييرٍ وتطويرٍ حتى في الوسائل والأدوات، حيث تم الإعتراض مثلاً في عهد مؤسس الحوزة العلمية في قم الشيخ عبد الكريم الحائري [1276هـ-1355هـ]. على تعليم اللغة الانجليزية لطلاب الحوزة، كما تم الاعتراض في النجف الاشرف على تأسيس منتدى النشر بمبادرة الشيخ محمد رضا المظفر [1322هـ -1383هـ].

وحين أراد الشهيد السيد محمد باقر الصدر[1353هـ-1400هـ] أن يبدأ بحثه العلمي في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، وأن يتناول[فقه العقود] كبحثٍ مقارنٍ بين الشريعة والقانون، جرى الضغط عليه للعدول عن فكرته، وأن يبدأ بحثه وفق النهج المألوف من كتاب الطهارة في الفقه، لأنه بغير التقيّد بالمنهج السائد لن يُعترف له بمكانته العلمية. وهناك أمثلة وشواهد كثيرة لوأد محاولات التغيير والتجديد في الأواسط الدينية، على مستوى الآراء والأفكار، وعلى صعيد البرامج والأساليب.

إن هذه الأجواء القامعة هي المسؤولة عن ركود حركة المعرفة، وتوقف مسيرة التطوير والتغيير في ساحتها.

ويجب أن نقف إجلالاً وإكباراً لأولئك العلماء الأبطال، الذين واجهوا ظروف الإرهاب الفكري، وتحلّوا بالشجاعة والبسالة، في التعبير عن آرائهم وقناعاتهم التي توصلوا إليها من مداركها الشرعية وفق اجتهادهم.

مغنية يتحدى التحجر والجمود:

ويأتي في طليعة هؤلاء العلماء الرواد في هذا العصر الفقيه المجدد الشيخ محمد جواد مغنية[1322هـ-1400هـ]، والذي توفرت في شخصيته درجةٌ عاليةٌ من الشجاعة والإقدام، تجاوز بها كل التحفظات والعوائق، وتحدى أجواء الإرهاب الفكري، وترغيب وترهيب النفوذ الإجتماعي وقدّم أروع مثلٍ لعالم الدين الحرّ الشجاع الذي لا يساوم على قناعاته ومبادئه، ولا يتنازل عن حقه في التعبير عن آرائه وأفكاره.

لقد امتشق الشيخ محمد جواد مغنية حسام القلم، وامتطى صهوة البيان، واقتحم ميدان المعرفة، ليصدع بما يعتقده حقاً وصواباً، وليواجه ظلام الخرافات والأساطير، التي ألصقت بالدين فشوّهت صورته النقيّة. واتجه الشيخ مغنية بخطابه وبيانه إلى جمهور الأمة، ليكتب للمثقفين، ويؤلف للشباب، ويحدث الناس بلغةٍ واضحةٍ، وبيانٍ سهلٍ ممتنعٍ، بعيداً عن أساليب التعقيد والغموض، حتى يمكن القول إنه يمثل نموذجاً فريداً قلَّ نظيره في أوساط الفقهاء، لجهة يسر اللغة والقدرة على الإيضاح والتبيين، حتى عند تناول القضايا الفلسفية والعقدية، والأبحاث التخصصية العلمية كأصول الفقه، وعرض أدلة المسائل الفقهية.

وامتاز خطاب الشيخ مغنية بشفافية نادرة، لم تألفها الأوساط الدينية، حيث يكون العالم الشخصي لعالم الدين، في مشاعره وأحاسيسه واهتمامه ورغباته، بعيداً عن الأضواء، لا يرى الناس منه إلا مظاهر القداسة والإلتزام، لكن كتابات الشيخ مغنية تظهره بشفافية أمام جمهور القراء، حيث يحدّثهم عن انجازاته وإخفاقاته، ويصارحهم بمشاعره وأحاسيسه، ويكشف لهم عن الكثير من تفاصيل حياته اليومية.

وتجد نماذج ذلك في مختلف كتبه ومؤلفاته، وفيما كتبه عن سيرته الذاتية تحت عنوان [تجارب محمد جواد مغنية بقلمه].

إنه يسجل على نفسه بعض نقاط ضعفه وينشرها لقرائه، ومن شواهد ذلك قوله:

[وربما كان ينبغي أن أكون أكثر مرونةً في معاملة الناس ومداراتهم، وأن لا أخاطب كل واحدٍ على المكشوف إلى حدٍّ يشبه البله خاصةً بعدما عانيت في حياتي ما عانيت بسبب هذه الجرأة والصراحة، ولكني أشهد بالله أنه يحدث هذا مني عفو الطبيعة ودون اختيارٍ].

مقومات الشجاعة الفكرية:

شجاعة الرأي وقوة الموقف في شخصية الشيخ مغنية وسيرته، كانت نابعةً من مقوماتٍ ذاتيةٍ، ولم تكن نتاجاً لبيئةٍ مساعدةٍ، ولا إفرازاً لقوة منصبٍ أو موقعٍ، مما يجعله خير قدوةٍ وأسوةٍ، لمن يتطلع لهذه الصفة العزيزة، أو يطمح للتحلي بهذا الخلق القويم.

إن هناك من يتمنى تهيأ الفرص ومساعدة الظروف، لكي ينطلق معبراً عن آرائه وقناعاته، ويحمّل الأجواء المحيطة به مسؤولية تقاعسه عن قول ما يعتقده حقاً وصواباً، وعن عدم اعتراضه على ما يراه خطًأً وباطلاً.

فيحلم بالعيش في مجتمعٍ تسوده أجواء الحرية، ليمارس حرية التعبير، وينتظر تراجع اتجاهات الإرهاب الفكري ليتحدث بشجاعةٍ، ويأمل في أن تثنى له وسادة الزعامة، أو يمتلك موقع القدرة والنفوذ، لكي يجهر بالحق، وهذه أحلام الكسالى الفاشلين، وتمنيات الضعفاء العاجزين.

إن رواد التغيير والتجديد في المجتمعات البشرية، ينطلقون من موقع الإخلاص للحق، ويتحمّلون مسؤولية الإصلاح للظروف والأوضاع المحيطة بهم، ويوطّنون أنفسهم على التضحية بالمصالح الخاصة من أجل خدمة المعرفة والدين. وهكذا كان الشيخ مغنية والذي تنطلق مقومات شجاعته الفكرية من صفاته الذاتية التالية:

1. الثقة بالذات:

يدرك من يعيش في معظم أجواء الأوساط الدينية، أو يقترب منها، كيف تستلب فيها ذات الإنسان، ليذوب في محيطه، وليتماهى مع شخصيات أساتذته ومرشديه، وليلتزم بعادات وأعراف بيئته الحوزوية حتى في جزئيات المظاهر السلوكية، ويتربى على تقديس وتعظيم آراء الكبار، دون أن يسمح لنفسه بالتفكير في المناقشة أو الإعتراض إلا ضمن حدودٍ معينةٍ في إطار البحوث العالية [بحث الخارج].

هذه النشأة تسبب ضمور التفكير، وإضعاف الثقة بالذات، لذلك غالباً ما تكون آراء التلامذة إعادة إنتاجٍ لآراء أساتذتهم، ويكون المبدعون منهم قلةً نادرةً تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة في كل جيلٍ من أجيال الحوزة، فيؤرخ لأجيال الحوزة بتلك الأسماء النادرة، فيقال: تلامذة النائيني، أو الآخوند الخراساني، أو السيد الخوئي.

وقد تمرد الشيخ مغنية على هذه الأجواء، فتمسك بالثقة بذاته، وأطلق العنان لفكره، ولم يمارس القمع لنفسه في داخله، بل كان يُعمل عقله ويحترم نتائج بحثه، دون أن يعني ذلك الإستهانة بآراء الآخرين.

2. الإنطلاق من العلم:

إذا كان السكون والخمول ضاراً بساحة المعرفة، فإن القول الجزاف، والرأي الفارغ، والإفتاء بغير علمٍ، هو أشد ضرراً وأكثر خطراً، يقول تعالى: ﭽ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭼ [3].

لقد كان الشيخ مغنية عاشقاً للعلم والمعرفة، درس المناهج الحوزوية دراسة فهمٍ واستيعابٍ، وحضر أبحاث الفقهاء حضور وعيٍ وانتباهٍ، وأفنى عمره في المطالعة والبحث، حيث قرأ حسب كلامه آلاف الكتب والمجلات، في مختلف مجالات المعرفة.

وحين يريد الكتابة في موضوعٍ، أواعطاء رأيٍ في مسألةٍ، فإنه يبذل كل ما في وسعه من جهدٍ لبحثها، حتى إذا ما تكونت له قناعةٌ، وتشكل لديه رأيٌ، من خلال أدوات البحث العلمي، فإنه يبادر إلى إعلانه وإظهاره بكل شجاعةٍ وإقدامٍ، إنها شجاعة الإنطلاق من العلم، والثقة بسلاح الدليل والبرهان، والقبول بالنقد العلمي، والإستعداد للإعتراف بالحق يقول M: [أما النقد فلا أخشاه ما دمت قادراً على الإعتراف بالحق والواقع].

3. قوة الشخصية:

التعبير عن الرأي في مجتمعٍ قمعيٍّ وبيئةٍ محافظةٍ، يسبب ردود فعلٍ مناوئةٍ من مراكز القوة والنفوذ، وذوي المصلحة في استمرار واقع الجمود والتخلف، ومن خلفهم من الأتباع والمتملقين. عادةً ما تكون الضغوط من قبل هذه الجهات عنيفةً قاصمةً، ولا يصمد أمامها إلا من يمتلك قوة الشخصية، وصلابة الإرادة.

لقد اضطر بعض العلماء للتراجع عن آرائهم تجنباً للمواجهة، واتقاءً للضرر والخطر. وينقل عن السيد البروجوردي حديثه عن التقية من الداخل، وأنها مورد ابتلاءٍ للفقهاء والمراجع أكثر من التقية من الخارج.

أما الشيخ مغنية فقد عقد العزم على تحدي هذه الضغوط الداخلية، ولم يكن يأبه بها، ولا يكترث بصخبها، بل يتحدث عنها بنبرة التهكم والتحدي، كقوله مثلاً: «لكن بعض الشيوخ رأوا في كتبي وأقوالي خروجاً عن الأصول وتقاليد العلماء الأبرار، وهنا تكمن البدعة والضلالة في نظرهم، فانبرى إليّ العلماء والزعماء والرجعيون».

وهو يبادر تلك الجهات بالهجوم على تخلفهم وتحجرهم كما يقول: «وكتبت عن لبنان وجنوبه المنكوب، ورسمتُ صورةً لبعض الشيوخ المتبحرين في السخف والجهل»

ويسجل بعض اتهامهم له قائلاً: «واشتدت محاربتي من العملاء والرجعيين... الرجعيون وأذناب الإستعمار في وجه الأشراف والأحرار... واتهموني باني يساريٌّ وشيوعيٌّ هدّامٌ».

وترتفع لديه نبرة التحدي تجاههم فيقول حين اُتهم بحمرةٍ شيوعيةٍ: «هذه الفرية وألفٌ من أمثالها، لا تؤثر فيَّ، بمقدار تأثير الغبار في حذائي، لأني على يقينٍ من ديني وإيماني وعدلي، وإني أحمده تعالى على حظي عند شرار خلقه).

4. الزهد في المواقع والمكاسب:

عادةً ما يكون السكوت عن بيان الحق ثمناً للوصول إلى مواقع القوة والنفوذ، فعادةً ما يتواصى أبناء الصنف الديني فيما بينهم، بضرورة الحذر من التعبير عن أي رأيٍ قد يعرقل الطريق إلى الزعامة، أو يمنع كسب الأتباع، أو يؤثر على الصيت والسمعة، وحين يتجرد الإنسان من هذه الأطماع، ويخرج من أسر هذه الطموحات، يكون أملك لحريته، وأقدر على التعبير عن ذاته. وقد تمتع الشيخ مغنية بهذه الملكة، فلم يطمح أن يكون مرجع تقليدٍ، ولا إمام جماعةٍ، ولا قابضاً لأخماسٍ، ولا رئيس مؤسسةٍ، ولا صاحب منصبٍ... وحين دخل في سلك القضاة، لم يقبل أي مساومةٍ مع باطلٍ أو فسادٍ، لذلك لم تتجاوز مدة عمله الفعلي في القضاء سنتين...كانت حرية الرأي والموقف أولويته المطلقة، ولا قيمة من دونها لأي مكسبٍ آخر.

العلامه العلايلي:
«سمو المعنى في سمو الذات»

الشيخ محمد علي التسخيري[4]

قرأت للشيخ العلايلي كتباً كلها رائعةً ولكني ركزت على واحد منها يتناسب وهواي الوجداني وهو كتاب سمو المعنى في سمو الذات أو أشعة من حياة الحسينQ تماماً كما ركزت على كتابٍ واحدٍ من كتب الشيخ مغنية وهو كتاب الفقه على المذاهب الخمسة وهو يتناسب أيضاً مع هواي التخصصي وهو الفقه المقارن وسأتحدث قليلاً عن الكتابين معاً بمناسبة تكريمهما معاً.

أما الشيخ العلايليM فقد وجدته كعنوان كتابه سامياً في معانيه وتأملاته، عميقاً في تحليلاته، مؤمناً أشد الإيمان بقناعته ينسى ذاته وعالمه عندما يتحدث عن تأملاته في القرآن الكريم، وشخصية الرسول الأكرمP ورسالته السماوية، وشخصية الإمام عليٍّ والحسين عليهما السلام، فتراه يهيم ويحلق في آفاق العظمة الإنسانية التي رباها الوحي حتى حولها إلى نماذج عليا تحرك الوجدان والتاريخ والإنسان في مسير الزمان.

وها أنا أشير إلى بعض ما استوقفني من أمورٍ من خلال مطالعتي أراها جديرةً بالملاحظة والتعمق وهي:

أولاً: جمعه بين شخصية المؤرخ الناقد الصريح الذي يقول ما توصل إليه تحليله العلمي دونما أي مواربةٍ، حتى لو خالف المتسالم عليه ولكنه يحتفظ لنفسه بمساحةٍ يتجلى فيها إيمانه العقائدي متغلباً بها على ما انتهت إليه تحقيقاته التاريخية.

فهو يصدر أحكامه القاسية على شخصياتٍ صحابيةٍ معروفةٍ ومجللةٍ من قبيل طلحة والزبير وأبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص(رض) ناقلاً ما توصل إليه تحليله التاريخي دونما خشبيةٍ، ولكنه يعلن بصراحةٍ في مطاوي الكتاب ما يعتقده من نظرةٍ تكريميةٍ لعموم الصحابة الكرام ولا يرى في تحليلاته أية نقيصةٍ في تجليلاته فيقول مثلاً بعدما انتهى من مقدمته المفصلة «هذه المقدمة ليس من وكدي فيها أن أتناول صحابياً، وكلهم كرامٌ بررةٌ، وإنما الغرض منها أن نعارض ونفهم أسباب الإنقلاب الأموي وعناصر الثورة الخطيرة في ذلك المحيط، ثم لا يسعنا إلا أن نثني على جميعهم، كما وقف أمير المؤمنين عليٌّQ وأبّنهم وأرسل في كلٍ منهم كلمةً مشكورةً ودمعةً حرى».

ويقول في ص 107 ولقد قدم النبيP في نفسه نموذجاً للمسلم الكامل على تاريخ الاسلام ﭽ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ [5] ثم طبع أصحابه غراره فجاؤوا كما لو مروا تحت الطابع الواحد لا يتفاوتون في أنهم معانٍ بحسمة له وفيهم الشاهد منه.

وإذا تفاوتوا فبأشياء تمت إلى الطبيعة والعنصر، كالكتاب يجيء في أصنافٍ من الورق وألونٍ من الحبر ولكنه الكتاب نفسه لا اختلاف فيه ولا عليه ولقد جاء في كلام النبوة «الناس معادن».

ويقول في ص 88: «وبذلك تم للصحابة ما لم يتم لغيرهم حينما كانوا هياكل توزع فيهم ما كان في الذات النبوية مجموعاً».

ثانياً: الروح العرفانية المتسامية العاشقة التي تطفح بالشوق حينما تدرس النماذج السامية.

فهو يقول عن رسول اللهP في ص87 «نحن مع الحسينQ في دور نشأته أمام النبوة في دور كمالها واستوائها، فقد ولد والنبيP تتسامى به منازله وتتعالى به أبراجه وبعبارةٍ من صور المنظور كان النبيP كالشعاع قبل الشمس يملأ جانباً من الفضاء ثم يذر قرنها حتى تتكور في عقابيل الأفق فتنتظم الأفلاك وتصل ما بين الآفاق بخيوط النور»وعند حديثه عن الامام عليٍّ Q يقول في ص43»:علي بن أبي طالبٍ مظهرٌ فذٌّ من مظاهر التكامل الإنساني ونموذجٌ بارعٌ من نماذج التفوق البشري ومثالٌ لبلوغ الإستعداد الكامن في النسم. وقد اجتمعت إليه أسبابٌ عديدةٌ من الطبيعة أو الفطرة والوراثة والبيئة والتربية حتى قدمت فيه تلك الشخصية الكبيرة والتقت عنده الطبيعة القابلة بالتربية النبوية الفاضلة والوراثة العريقة بالبيئة السلمية وكانت حقيقته من وراء ذلك تمده بما يتناهى به حيث تقصر الأخيلة وتنحسر التصورات. وفي أخصر عبارةٍ، كان إنساناً ذا أنحاءٍ تلتئم بطانه على العالم والحكيم والعبقري المحرر والمفكر الجريء والمتشرع والخطيب والمغامر والمجاهد. هذه أمةٌ من الأبطال تجيء في بطلٍ من الأمة فلا عجب إن عددناه عنوان الكفاءة والبطولة العربية في كل التاريخ».

وعن الحسينQ يقول في ص 88 ولقد كان النبي P يمده من وراء النبوة، ويغمره بالحب ويسقيه من نبعة الشعور حتى يجيء حقاً قدسياً لمعنىً قدسيٍّ يقدم فيه المثالية العظمى التي ينشدها الإنسان بالجد، ولا يخوض منها إلا في السراب والآل.... ويقول كلمته «إني أحبه» منبهاً الماضي ومسمعاً المستقبل أو كأنما توجّه بوجهٍ صوب الأبدية في غير اعتبارات الزمن ليبعث فيها كلمةً أثيريةً أو موجةً شعاعيةً تمر في كل جيلٍ حتى تستقر في أعماق اللانهاية ويسمعها من كل قبيلٍ من له في شعوره المرهف جهازٌ لاقطٌ كالروان الدقيق ويقصد بالروان جهاز المذياع وعندما يقف أمام كتاب الله ينسى الشخصية التي يتحدث عنها ويغرق في أنوار القراّن الكريم فيقول في ص94 متحدثاً بشكلٍ مفصلٍ عن تعاليمه «والقرآن قبسٌ علويٌّ سبقت الإرادة ليكون روحاً أخرى لتتم نقص الإنسان وهو بعد ذلك تجربةٌ من الغيب لسياسة النوع وإعطاء صنف من الناس أكمل منهم أو هو تربيتٌ للملائك في هياكل البشر».

ثالثاً: ثقافته اللغوية العريقة وإشرافه على الكتب التاريخية واستيعابه لها وقدرته الرائعة في الإستفادة من القرآن والحديث النبوي الشريف وكذلك اطلاعه الواسع على آراء الغربيين ومحاولة الإستفادة في تحليلاته التاريخية وهؤلاء من أمثال فان فلتون وشارل سينوبس، والسنيور مازيني، ومونتسكيو وماربين، والسيرمور وغيرهم. وكل ذلك يكشف عن علمٍ واسعٍ وثقافةٍ حديثةٍ جامعةٍ.

رابعاً: ومما تجدر الإشارة إليه تلك الحرية التي يتمتع بها في قبول الآراء أو ردها حتى ولو كان في ذلك مخالفةٌ للمشهور.

فهو يرفض أن يرجع عملية اغتيال الخليفة عمر(رض) إلى مجرد أحقادٍ فارسيةٍ لأبي لؤلؤٍ كما هو المشهور لدى المؤرخين وإنما يؤكد على كون فعلته تدبيراً من سيده المغيرة بن شعبة ومؤامرةً من الحزب الأموي لاسترجاع السلطة، والإنقلاب على الإسلام.

كما يرفض ما يطرحه المستشرقون من أن سياسة الامام عليٍّQ كانت ضعيفةً لا تنسجم مع تلك المرحلة.

وهو عندما يكون أمام رأيين في مسألةٍ ما يختار بقوةٍ الرأي الذي ينسجم معه، ففي مجال تفسير كلمة [حنيفاً] في الآية الشريفة ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﭼ [6] يقول في ص 101: (هذه الكلمة أي حنيفاً لم تتحققها اللغة أو لم يتحققها الرواة فهي غامضةٌ كالغموض، وما أغمض من الشيء إلى نفسه وما أوضح من الشيء إلى هو ولكن جاءت بها الإستعمالات على أشكالٍ تأخذها بمعنى غير ما تثبت منه اللغة وتترك ومن ثم ظنَّ بعض مؤرخي اللغة بأنها إسلاميةٌ لا قبل لوجودها وعلى كلٍّ فالذي نرى فيها أنها كلمةٌ إشراقيةٌ تفيد أدقّ معاني التقديس وهي تجمع على معناها الاخاص والإستشعار بالخشية وتعلق القلب الدائم بالتنزيه).

وبعد هذا أكد أن المراد بالوجه ليس ما أشار إليه الزمخشري وأمثاله باعتباره من الجوارح بل إن المراد هو ما أشار إليه المرتضى في أماليه وهو القصد أو الذات أو النفس.

فرحمه الله تعالى وأجزل له الثواب على ما قدم.

النزعة الإصلاحية والتجديد

عند محمد جواد مغنية

د. خنجر حمية [7]

1 - مدخل:

إن أية دراسة للنزعة الإصلاحية عند محمد جواد مغنية، تتطلب في الأساس معرفة واعية بعناصر شخصيته واطلاعاً مستوعباً لمحطات سيرته الذاتية من جهة، وللظروف التي أحاطت به والأوضاع التي قدِّر له على مدى مسيرة إنتاجه وعمله أن يعاينها مراقباً قارئاً أو فاعلاً مشاركاً. ومن غير ذلك سوف لن يتضح لنا الكثير من الأبعاد الفكرية المعرفية أو السياسية الاجتماعية لمواقفه ولنتاجه. ذلك أن نزعته الإصلاحية كانت تميل في جوهرها إلى أن تكون عملية ومباشرة، تنأى عن التنظير، وتبتعد أشد الابتعاد عن أن تكون مجرد تصور مثالي للخير، أو رؤية مجردة للعدالة، أو للكيفية التي يحقق بواسطتها اجتماع ما نهوضه، أو للعناصر التي تكفل لأمة من الأمم أن تخرج من انحطاطها وتراجعها وتخلفها، وتتجاوز مأزقها على غير صعيد.

فكر مغنية إذن مباشرة تجزيئي وعيني... وهو شيء يسمح لنا بأن نغلب، عند وصفنا لشخصيته، صفة المصلح على صفة المفكر... لأن قيمة الفكر عنده إنما تكمن في المقدار الذي يتصل به هذا الفكر بقضايا الحياة الحيّة، وبمشكلات المجتمع في أشد صورها واقعية وتعيناً... وقيمة الرأي أو القناعة أو الموقف إنما تستمد بنظره من مدى استجابتها للمعيش الراهن الحي.. والمعاين... فهماً لطبيعته، وفحصاً لعناصره، وقراءة واعية لآثاره ونتائجه ولأسبابه ومولداته، وإدراكاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض. وأهمية تجربة الإصلاح لا تكمن، وفق تصوره، في تماسك الرؤى التي تدعو إليه، أو تتطلبه، أو تنحاز له، ولا في القدرة النظرية على تكوين تصور شامل للحاجة التي تولده، والمقاصد التي يرجوها، من خلال وعي المأزق الحضاري الذي يقوم طلب الإصلاح استناداً إليه. هذا مهم، لكن الأهم بإطلاق هو فعل الإصلاح نفسه، بما هو تجربة وانخراط مباشر في صميم الحياة وموقف نقدي آني من ظواهر المجتمع وآفاته ورهاناته وتشظياته، وقراءة واعية حية متدفقة تواكب سيرورته صعوداً وهبوطاً، ارتفاعاً وسقوطاً.

ولأن مغنية كان يرى إلى الإصلاح وفق هذا المنظور، فإنه يصعب علينا أن نستخرج من جملة ما تركه من نصوص نظرية شاملة في الإصلاح، أو رؤية مجردة نسقية في التجديد، من غير أن يعني ذلك غياب الرؤية وخفاء المقاصد، أو التقليل من قيمة المواقف الإصلاحية التي عبر عنها وأعلنها في مدى مسيرة حياته، والتي ضمنها قناعاته ورؤاه والقيم التي كان يؤمن بها ويعتقد.

ولد محمد جواد مغنية في عصر مضطرب غاية الاضطراب، وفي بيئة تحيط بها الأزمات من جهاتها الأربع، وتعصف بنسيجها العواصف.وقدر له وهو في بداية وعيه أن يدرك طبيعة الفوضى التي كان يعيشها العالم من حوله في مستويات وجوده كافة، وأن يرى بأم عينيه المآلات الكارثية التي انتهى إليها مثل هذا الاضطراب، في الاجتماع والسياسة، والأمن والاقتصاد، والقيم والأخلاق[8] معطوفاً على تجربة حياة شخصية مليئة بالآلام، وهجرة دائمة طلباً للرزق، أو بحثاً عن علم يعوض به جوانب المرارة التي طبعته بطابعها وغاصت بعيداً في أعماقه، ويتم مبكر ومعاناة جذرية مع الفقر، وتشرد حياة لا تكاد تستقر على حال، وصراعات مع السلطة وأصحاب النفوذ ورجال الدين والإقطاعيين... إلخ. من هنا نفهم النزعة الوجودية الطاغية على نتاجه وفي وعيه، والقلق والتوتر الدائمين اللذين صبغا مواقفه، وحدة النبرة في عرضه للجوانب المأساوية من حياة البشر، وما تولده من ألم وشقاء، وما تنتجه من كوارث. وهو كان له منها نصيب لا بأس به في صغره وشبابه وفي مراحل اكتماله ونضوجه... وفي مراحل عمله وإنجازه[9].

ومن هنا نفهم كذلك الحساسية المفرطة التي كان يبديها تجاه كل انتهاك للعدالة أو تجاوز للإنصاف أو تغييب للخير، أو مداهنة ومراوغة فيما هو الحق الذي لا تقوم الحياة إلا به، ولا تستقيم إلا من خلاله، والعاطفة الجياشة تجاه مظاهر الشقاء التي حفل بها العالم من حوله، موضوعة في سياق اجتماع أصابه الانحراف، وسلطة عشعش الفساد في أعطافها، تولده وتقيم وجودها عليه[10].

يقول: «إن نزاهتي كقاض تشهد عليها سجلات المحاكم الشرعية، ومواقفي تدل عليها شدة النقمة على الظلم بشتى أنواعه، وعن صرامتي وجرأتي في قول الحق، وعدم خشيتي لائماً ولا حاكماً مهما تكن العواقب»[11].

ولأن محمد جواد مغنية خبر كذلك من الداخل ما آلت إليه التجربة الدينية في عصره، في بعدها المؤسسي والإصلاحي، فإنه وبحكم طبيعة تكوينه، وجد لزاماً عليه أن يكون صاحب موقف من العلم الديني الذي راحت تبني المؤسسة الدينية صرح نفوذها عليه، ومن تجربة الإصلاح الإسلامي التي تولد من رحمها وارتكز إليها وإلى مكانتها، وراهن في أهدافه على المكانة التي كانت ما زالت تتمتع بها في مجتمعنا.

2 - ظروف العصر:

كان عصر مغنية مضطرباً غاية الاضطراب، مجتمعات شرقية عانت آثار الحرب العالمية الأولى وحصدت شيئاً ليس بالقليل من عواقبها، بعدما كانت أثقلتها قرون من الهيمنة العثمانية التي أحكمت قبضتها بلا هوادة على مرافق الحياة كافة، سامت الناس البسطاء العذاب الأليم. ثم ما لبث العالم أن اندفع إلى حرب مدمرة ثانية، لم تكن أهوالها الكونية ولا نتائجها وآثارها أقل وقعاً مما ولدته سابقتها... كانت مجتمعاتنا المجال الحيوي الذي وظفت فيه الدول الكبرى المتصارعة مردود حروبها نفوذاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، وخططاً للهيمنة والاستئثار، ومشاريع لتقاسم النفوذ. ولقد كانت النتائج مدوية على كل صعيد، في مجمل بلداننا على اختلاف يسير بينها هنا وهناك.

عاش مغنية في خضم هذه الظروف، وكابد آثارها وتداعياتها، واختبر في حياته الشخصية مرارة نتائجها، فتشكل وعيه من وحيها وعلى ضوئها، وتركت بصماتها جلية في شخصيته ومواقفه...

لقد كانت فترة الخمسينيات من القرن الماضي حاسمة في ما يتصل بتجربة إعادة تشكيل المجتمعات العربية الإسلامية بعد تحررها من الاستعمار... عوامل عديدة وجهت المواقف والرؤى والتجارب... منها وعي طبيعة المشكلات التي تراكمت على مدى قرون ودفعت بهذه المجتمعات إلى ذروة انحطاطها، ومنها وعي الانكسار الذي ولده زمن من الهيمنة السياسية والعسكرية على الإرادات، ومنها إدراك مجالات التقدم التي أحرزها الغرب في العلم والثقافة والتنظيم، ومنها وعي الحاجة إلى الإصلاح وضرورته. ولقد كان مغنية قارئاً نهماً للأحداث، يمتلك من الذكاء وحدة النظر ما يكفي لفهم دلالاتها وأبعادها... ومن حس النقد ما يعينه على تمحيص المواقف والتجارب ونخلها. ولقد عاين، بتوسع، تجارب النهوض التي عرفها العالم العربي والإسلامي، والتي حركتها شخصيات انخرطت في الأحداث من بابها الواسع، ووعى بدقة ركائزها وأهدافها وطبيعة عناصرها، والنتائج التي آلت إليها، موضوعة على خلفية الأزمات التي كانت تستشري في واقع الاجتماعي العربي الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. ولأجل ذلك جاءت مواقفه متنوعة شاملة في السياسة والاجتماع، والاقتصاد والتاريخ، والفلسفة والحضارة، والدين والقيم، والإدارة والتنظيم. في التجديد والإحياء، التراث والعصر، التخلف والتقدم، المجتمع والسلطة، الفقر والغنى، الحرية والعبودية، العدل والظلم... إلخ. وهي يجمع بينها على تنوعها عنصران، نقد جذري للتجارب، وطموح عارم إلى الإحياء والتجديد، أو النهوض والتقدم. وهما عنصران هيمنا على مجمل تجربته ونتاجه.

3 - شخصيته:

ولقد كان للظروف الخاصة التي أحاطت بنشأته الأثر الحاسم في تكوينه، ولد لعائلة علمية معروفة، في فترة شديدة الاضطراب، وفي بيئة لم يكن لها من الاستقرار نصيب يذكر، مات أبواه وهو، بعدُ، فتى في أول العمر فكفله أخوه، فعانى اليتم وهو صغير، ثم كان عليه أن يكابد منفرداً صعوبات الحياة ومشقاتها، أقلها الفاقة والفقر والعوز وشظف العيش، والتي دفعت به مجتمعة إلى العمل منذ صغره في مهن متفرقة لا تكاد توفر له الحد الأدنى من الكفاية، متنقلاً بينها على غير هدى ولا سراج منير، مكابداً ما كانت تجره عليه من ألم ومعاناة. شيء واحد كان يشغل تفكيره ويأخذ بمجامع قلبه، وهو أن تسمح له الظروف بطلب العلم تأسياً بأسلافه، ممن عرفهم جبل عامل علماء أعلاماً، حتى إذا ما سمحت له الفرصة بذلك وبلغ النجف الأشرف بعد عناء، انكب على العلم ينهل منه بشغف، مدركاً أن المعرفة هي الميدان الذي يستطيع أن يحقق فيه طموحه، وأن يؤكد من خلال وجوده، والمجال الذي يستطيع أن ينجز من خلاله ما لم تسمح له الحياة بإنجازه في ميادين أخرى. سنوات قضاها هناك محصلاً دارساً منتفعاً، من غير أن يشغله ذلك كله عن متابعة الأحداث التي كان العصر يضطرب بها في مجمل ميادينه. ولما عاد إلى وطنه كان يملك من المعرفة بالعصر وأحداثه ما يسمح له بأن يكوِّن عنه رؤية واضحة، ومن العلم ما يستطيع أن يؤسس عليه لبناء قناعاته والمشاركة في الرأي والموقف، فيما يتصل بشؤون الحياة والمجتمع والعلم والسياسة والثقافة والإرادة... إلخ. ولأنه كان يدرك أن مثل هذه المشاركة تتطلب شيئاً من الاستقلالية والاستقرار، فلقد قبل أن يعمل في القضاء، وهو على بينة من أن ذلك يوفر له أيضاً فرصة المشاركة في الشأن العام من موقع مسؤول، ومعاينة هموم الناس عن كثب، والمساهمة في رفع الكثير من الظلم الذي كان يحيط بهم. ولأن حساسية شخصيته ورهافة حسه ونزعته النقدية هيمنت عليه هيمنة شبه تامة. ولأن الوظيفة تتطلب انضباطاً لم يكن مغنية يجيده، ترك القضاء أو صرف عنه وأخرج منه، ليتفرغ بعدها للكتابة والعمل، مطلقاً العنان لمواقفه، من غير حرج أو خوف أو مداراة، فوضعه ذلك في مواجهة سلطات كان يخفيها في العموم كل رأي حر مجرد، وكل موقف واضح لا يجامل، كما كان حال مغنية[12].

وبغض النظر عن الموقف الذي يمكن أن يتخذ تجاه شخصية من هذا القبيل، فإن من الطبيعي أن يختلف فيها الناس بين مؤيد ومعارض، إذ ليس من المعقول أن تجتمع الآراء على شخصيته تطلق مواقفها علناً من غير تحرز، وليس من الطبيعي أن ترضي شخصيته حادة المواقف، مواجهة وصارمة، صادقة ومستفزة، كل الأهواء والأمزجة، ومن غير العادي كذلك أن تسلم شخصية بهذه المواصفات من النقد أو الافتراء.

مثل ذلك طبيعي في سياق اجتماع تغلب عليه الانتماءات الطائفية الضيقة، والعصبيات السياسية، ويتوزعه أصحاب نفوذ من إقطاعيين ورجال دين وسياسيين، وتقوم فيه الحياة العامة على التبعية والاستزلام.

ولقد كان مغنية يعي ذلك وعياً تاماً، ويدرك أن تجربته سوف تضعه في مواجهة تحديات جمة عليه أن يتحمل أعباءها بتوازن العالم، وباستقامة المصلح، وبهدوء الذي يعرف أهدافه التي يعمل لأجلها... فما فتَّ من ذلك في عضده، ولا قلل من حضوره، ولا دفعه إلى التراجع أو الانكفاء أو اليأس والإحباط.

وما أشرت إليه في بداية هذا النص، من أن تجربة الإصلاح عند مغنية كانت تجربة عمل لا فعل تنظير، ومشاركة حية فاعلة في الأحداث لا مجرد تأملات مثالية حالمة، يستدعي أن ندرس قناعاته على ضوء الوقائع التي ولدتها، والظروف التي حرضت عليها وأوجبتها... وبذلك وحده ندرك قيمة ما قدمه الرجل، وما أسهم به في سياق عصره، وما أضافه من جديد نافع، ومن أثر مفيد. ولا يجدي بتصوري أن نبحث كما أسلفت عن تصور كامل لمشروع إصلاح في نصوص مغنية، فهو لم يكن يقصد أن يصنع مشروعاً من هذا القبيل، ولا طمح إليه، ولم يكن يرغب في إنجاز تصور للتجديد يتطلب تماسك الرؤية على حساب حركية الوقائع، أو يتطلب التناسق المنهجي والإقناع على حساب التجارب الحية والأحداث. وقناعتي أن شخصية مغنية كانت تنفر من مثل هذا الشكل من أشكال الاشتغال الفكري المجرد الذي لا تولده دواعي الحياة أو تتطلبه، والذي يطمح أصحابه من خلاله إلى تأكيد حضورهم الخاص كمنظرين يملكون كفاية العلم والمعرفة وعمق النظر والفكر، من غير أن يكونوا قادرين على ترجمة شيء من رؤاهم وتصوراتهم وعناصر مشروعاتهم تجربة حية في حياة الناس، أو ملكة تنزيلها على الوقائع. ولأجل ذلك أرغب في أن أوزع عملي هنا على مسارات، تحددها الميادين التي شغلت تفكير مغنية، وحركت مواقفه، وحددت قناعاته، وكونت وعيه... وهي ميادين عملية في الأعم الأغلب، أعني ميادين تتصل بحياة الناس، وبالمشكلات التي ترتبط بالمعيشي والملتصق من الأحداث. سواء منها ما يتصل بالسياسة والمجتمع، بالسلطة أو المؤسسة، بالظلم والهيمنة والاستئثار، بالدين ورجاله، بالتقدم والتأخر، بالتراث والحاضر، إلخ. وهي موضوعات لا يكاد يخلو منها مؤلف من مؤلفاته، أو مقالة من مقالاته، أو خطبة من خطبه، أو موقف من مواقفه، على مدى مساحة حياته كلها.

4 - مواقفه السياسية والاجتماعية:

كان مغنية يدرك طبيعة التشكلات السياسية التي نشأت بعد الاستعمار، فلقد ترك الأجنبي في بلداننا نخباً سياسية وإقطاعية نمت في كنفه، وراكمت نفوذها وسلطانها وثروتها في ظل حضوره وهيمنته. وهو يعبر عن ذلك بوضوح فيقول: «إن الاستعمار يختار من أهل البلاد خائناً، ثم ينصبه على الشعب، ويمنحه اسم الاستقلال، فيكون للخائن الاسم، وللمستعمر الحكم وتبقى الأوضاع كما كانت بل أسوأ»[13].

ولقد راحت سلطات كهذه ترسخ نفوذها وسلطانها من غير أن تكون معنية من قريب أو بعيد بتوفير ظروف العدالة لمن تحكمهم، أعني لمجتمع عانى طويلاً من الظلم والاضطهاد، ولا بتحقيق الحد الأدنى من الإنصاف فيما يتصل بحق المشاركة في الخير العام... شيء من ذلك كان يقوم في بنية تركيبها كطبقة حصدت مغانم الاستعمار حين كانت شريكة له في إدارة شؤون مستعمراته، وشيء منه يتصل برؤيتها لطريقة الحكم وأهدافه، ووعيها لمعنى السلطة ومقاصدها في مجتمع يقوم على الخضوع والولاء التام للحاكم. وما كان يعني مغنية من هذين العنصرين هو الأول... لأنه لم يكن يهتم جداً بشكل نظام الحكم، ولا بطبيعة السلطة ومضمونها، ولا بعناصرها وأدواتها والمنطق الذي تقوم عليه، كما تصنع الفلسفة السياسية، بمقدار ما كان يعنى بالنتائج، وما يمكن أن يتحقق في ظل نظام سياسي، من تقدم في مستوى ممارسة العدالة وتحقيقها وتوفير الإنصاف ورفع الظلم والحيف عن البشر، وتأكيد حق المشاركة في صنع القرار وتوليده... لقد كان هاجسه ينحصر في هذه النقطة بالذات، ونقده للسلطة ولممارساتها كان موجهاً بالدرجة الأولى إلى انتقاصها الجوهري من ظروف العدالة، وإلى فسادها الذي راح يولد الظلم والآلام والكوارث، ويؤبد الحرمان والعوز والفاقة، وعجزها عن توفير ظروف حياة مناسبة للناس تكفل لهم كرامتهم وتوفر لهم الحد الأدنى من أسباب العيش وموارده[14].

ولقد وعى مغنية تجربة السياسة في بلده عن كثب، وخبر رجالاتها، وكان له معهم صولات وصولات من النزاع والتخاصم، وانتهى به الأمر دائماً إلى أن يدفع ثمن مواقفه وجرأته في مواجهته استبداد السلطة وفسادها من رزقه وموقعه، لكن ذلك لم يكن يثنيه عن أن يقول كلمة الحق حيث يجب أن تقال، وأن يعترض على ممارسات السلطة ورجالها ورموزها بالموقف والكلمة مهما كانت النتائج...

لقد كان هم السياسيين بنظره على تنوع سلطاتهم الحفاظ على مكتسباتهم، وتوسيع دائرة نفوذهم ومراكمة الثروة. كان ذلك عندهم مقدماً على كل هدف وغاية، يتوسلون إليه كل وسيلة نافعة، ويستغلون العامة عبر إثارة النزاعات والخلافات بين شرائحهم، وعبر تحريض العصبيات، تحصيناً لمواقعهم وصوناً لمكانتهم السياسية أو الطائفية، لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد ما كان يصيب الناس من حولهم من نكبات بفعل سياساتهم، ولا ما كان يعصف بهم من مشكلات اجتماعية واقتصادية بفعل ممارساتهم. ولقد كان الهجوم الأبرز الذي شنه مغنية هو هجومه على رجال السياسة الذين يستثمرون العصبية الطائفية البغيضة للوصول إلى مناصبهم، ثم عندما يصلون يتركون طوائفهم نهباً للفاقة والعوز والحرمان والجهل، ومرتعاً للتخلف والأمية، وهؤلاء لم يكن يعنيهم بنظره من طوائفهم سوى أن يصلوا من خلالهم إلى السلطة، ثم يتخلون عنها عند أول منعطف. يقول: «هم مجتمعون ويصطلحون أيام الانتخابات ثم يتفرقون ويتخاصمون عند النيابة... ولم نرهم اجتمعوا ثانية في الدهر، فوقفوا صفاً واحداً مطالبين بحقوق البلاد العامة...»[15].

ولأن الفساد السياسي كان طاغياً راسخ الجذور، فإن مغنية لم يكن يثق بقدرة الجماهير البسيطة على التغيير، سواء منهم القروي أم المديني، المتعلم أم الأمي. ذلك أن «أهل القرية، العارف منهم رجلان، رجل اتكالي ضعيف... اتخذ من النائب ولياً لنعمته، ورجل مذبذب ليس له نية صادقة ولا عزم ثابت ولا هدف معين، ينطق بالحق إذا آمن، ويماري إذا وجد القريب وخشي المعارضة[16]».

«وأما الشباب المتعلمون فانقسموا أحزاباً عديدة، وفرقتهم المشارب والأهواء، وأشغلوا أنفسهم بالقيل والقال، وتعداد المناطق الانتخابية ومعارفها، وكمية أصواتها، ومن الفائز والمنهزم والغالب والمغلوب»[17].

لكن ذلك لم يقضِ عنده على الأمل بتغيير ما، شأنه شأن كل مصلح موقن بالتغيير، بالرغم من أن منطق الجموع بنظره هو أن الأرض ومن عليها للملك، وأن العبد وما ملكت يداه في قبضة سيده ومولاه. فالأمل إذن موجود، لكنه ضعيف بانبعاث الحركة الإصلاحية من بينهم، إلا أنهم في القريب العاجل سيكونون العامل الوحيد على تنبيه الأفكار ونشرها من القبور كما يقول[18].

ولا يفرق مغنية في موقفه هذا بين سياسي وآخر، كلهم عنده سواء، في أي موقع كانوا، ومهما كانت السلطات التي يمارسونها، وهو يشخصهم بقوله: «لست أعني بالزعماء بعضهم دون بعض، فإني لا أستثني أحداً من أحكامي الآتية»[19]. وإذا كان موقف مغنية بهذه الحدة من السياسيين والزعماء، ومن التجربة السياسية الداخلية في بلداننا، وما أورثتنا إياه من إخفاقات، فإن موقفه من الأحداث السياسية المحيطة في الإقليم والعالم لم تكن أقل حدة... وهو كان يدرك بوضوح أن للتهديدات الخارجية والسياسات الدولية المتبعة في بلداننا دوراً في المفاسد التي تغرق بها أوطاننا، ليس في السياسة فحسب، بل في مستويات الحياة كلها. وهو يعدد الوقائع التي يفترض أنها تشكل إحدى عناصر نكباتنا المتتالية فيقول:

«فالاستعمار هو الخطر، ووقوع العرب بين أمريكا وإسرائيل والصهيونية، عدا النكبات العسكرية، بدءاً من 1948ت 1956 و1965، 1973. فهذه المرحلة تستلزم تعابير مثل: دروس من الماضي، وتعبئة الطاقات، فالمال العربي إلى أين، والثورة على الظلم من ثورات العرب ضد الطغيان»[20].

ولقد كان ينعى مغنية على العالم سياساته المزيفة القائمة على المصالح، وهو كان يشهد الصراع حينها بين الشرق والغرب في صورة حرب باردة، تنفق المليارات فيها على «التسلح»، وجزء كبير من العالم يقبع فريسة للفقر والعوز والتخلف «تتسابق القوتان إلى التسلح، وتخصص المليارات والمقدرات لأسلحة الخراب والدمار بالجملة، والناس يموتون جوعاً بالملايين»[21].

وهو يرى أن انقسام العالم إلى شرقي وغربي إنما يقوم على المصالح، لا علم المبادئ، ولقد تبين له: «أن هذا التقسيم في غير محله، لأن من شروط القسمة أن يكون بين الطرفين تضاد، ولا تضاد بين الدول الشرقية والغربية.. إنما تقدم الدول وتحجم بوحي من مصالحها الشخصية، أما المبادئ فما هي منها في شيء. إن صاحب المبدأ هو الذي يضحي بنفسه من أجله، أما من لا يعمل بوحي من حقيقته فهو نفعي لا مبدئي...»[22].

ومصالح الغرب بنظره كانت تكمن في الاستعمار الذي لم يكن له هدف إلا التخريب «والتدمير بالجملة، إنه الموت الأكبر والفناء الشامل، إنه جريمة لا تعادلها كل الجرائم مجتمعة»[23]. حتى إذا ما فشل الغرب في سياسته الاستعمارية، وفي تحقيق أغراضه من خلالها لجأ إلى «المعاهدات، والحصول على الصكوك التي تحمل تواقيع الرجعيين والإقطاعيين، الذي يحققون له أغراضه بالوكالة، ويدافعون عن مصالحه، وينهبون شعوبهم من أجل إرضائه، ويقمعون أبناء جلدتهم ويسومونهم العذاب خدمة للمستعمر وأهدافه[24].

ولأن المستعمر لا يرى إلا بعين مصالحه فهو لا يتورع عن خلق الفتن والحروب من أجل أن يروج سلامه أو يبيع سلعه، وهو لذلك يقمع بنفسه أو عبر وكلائه كل حركة إصلاح تطمح إلى بناء مجتمع مستقر آمن... تلك هي أهداف المستعمر أينما حلَّ، وفي أية بقعة وجد.

وبنظر مغنية فإن أول من تقع عليهم مسؤولية مواجهة أهداف الهيمنة الخارجية هم رجال الدين، مسيحيين ومسلمين، إذ عليهم تقع مهمة أن يقفوا «للمستعمر بالمرصاد، ويحاربونه بدافع من العقيدة والإيمان»... وعليهم أن يعلنوا مساوئه أينما حل، وأن يصرخوا في وجهه أينما اتجه... إلى الكونغو أو كنيا... ولا يفرقون بين شعب وشعب مهما كان الدين، لأن الظلم كله حرام...»[25].

ولا شيء أبغض إلى الاستعمار بنظره «من ذوي المعرفة والوعي الذين يعتمدون على الملموس والمنظور، ويؤمنون بالتطور، ويعملون على إزاحة الألغام والعراقيل التي تعيق ممارساته، والسير في ركابه، ولا أحب إلى قلبه من المغفلين الأبرياء، الذي ابتعدوا بأحكامهم ومداركهم عن الواقع، وسبحوا في بحر الخرافات والأوهام»[26].

وإذا كان موقف مغنية صارماً من الاستعمار وأدواته فهو حاد كذلك فيما يتصل بالاستشراق. ولعل مغنية كان على قناعة تامة بأن الاستشراق غزو فكري، وخادم للمستعمر، يقدم له المعارف التي تسهل له استعماره، وتوفر له المعلومات الكافية عن الشعوب المستعمرة. يقول: «وأول طريق استعمله المستعمر توصلاً لهذا الهدف هو طريق المستشرقين، وخصص لهم الأموال، وأرسلهم إلى الشرق بحجة زائفة وتمويه كاذب، هو دراسة اللغة العربية، وتحقيق التاريخ ونشر الثقافة. أما الدافع الحقيقي فهو الطعن بالإسلام وتشويه أهله وتشتيتهم، بإثارة النعرات وتدبير المؤامرات»[27].

وهو يهزأ من دعاوى المستشرقين بقوله: «غريب عن الدين واللغة، وعدو للإسلام ونبيه... يحقق لنا ديننا، ويفهمنا مقدساتنا، ويعرفنا تاريخنا، ويرشدنا إلى ثقافتنا... إذن أين الصحابة والتابعون؟ وأين الفقهاء والمؤرخون؟ وأين الفلاسفة والمتكلمون؟»[28].

ثم يجزم أن هدفهم من دراسة المذاهب إنما هو التفرقة، وهم يؤلفون في الفرق بدافع الشقاق وتفريق الكلمة[29].

لكن مغنية يستدرك على نقده هذا بالتفريق بين المسيحيين الغربيين من المستشرقين، وبين المسيحية نفسها، معتبراً «أن لا خطر على المسيحية من الإسلام، ولا على الإسلام من المسيحية، وإنما كل الخطر يكمن في وعي الشعوب المسلمة وغير المسلمة، ورغبتها في التحرر من الذين يسلبون الأرض من ملاكها، ويسرقون الأقوات من أصحابها، أو يتآمرون على الأبرياء الآمنين»[30].

5 - مواقفه من المؤسسة الدينية «التراث وتجديد الوعي الديني»:

شكلت المؤسسة الدينية التقليدية، المكان الذي نهل منه مغنية علومه الدينية، أو القسط الأكبر منها، شارك في حلقاتها، وتلقن دروسها التقليدية كما يتلقاها أي طالب علم في زمنه... وحضر حلقات أساتذتها الكبار مع جموع الطلاب الذي كانوا يفدون إليها من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي... وعانى فيها ما كان يعانيه غيره من الطلبة من ضيق ذات اليد، والحاجة والعوز...

وهو بالرغم من دفاعه الجذري عن استقلالية هذه المؤسسة إزاء أية سلطة أو جماعة أو حزب... وضرورة عدم تبعيتها... كان يدرك بحسه النقدي ما تعانيه من مشكلات وما كان يعصف بها من ضروب الفوضى... سواء في مستوى أهلية طلبتها وحسن انتظامهم وترقيتهم وتحصيلهم، أم في مستوى المناهج والدروس والكتب المقررة للدراسة، أو في مستوى أساليب التعليم وطرائقه، أم في مستوى الوظيفة المنوطة بها وبرجالاتها وعلمائها، والتي ينبغي لهذه المؤسسة أن تنهض بأعبائها تجاه المجتمع الذي تعيش فيه، أو تجاه العلم الذي تحمله وتنشره ليكون قادراً على الاستجابة لمتطلبات الحياة ومشكلاتها الملحة وللمستجد من قضاياها.

ومواقف مغنية هنا متشعبة جداً لا تكاد تنحصر، وهي مواقف كانت تولدها أوضاع مباشرة، وظروف آنية، وأحداث جزئية ووقائع، فيدلي إزاءها برأي معلقاً منتقداً، أو موصفاً شارحاً، أو موجهاً مرشداً. ويمكن لنا نحن أن نحصر هذه المواقف في خمس، موقفه من الطلبة ومستوى تحصيلهم وطبيعة سلوكهم، وموقفه من التنظيم الذي كانت تقوم عليه المؤسسة في إدارة شؤونها، وموقفه من المناهج والبرامج والكتب والعلوم التي كانت مقررة لتنشئة أجيال الطلبة والعلماء.، ثم موقفه من الوظيفة التي ينبغي لهذه المؤسسة أن تنهض بها. وهو كان يرى أن من واجبه أن يكشف عن ما تعانيه هذه المؤسسة من هنات بالرغم من حرصه على دورها واعترافه بأهميتها ومكانتها... إن ذلك لا يعني بنظره «السكوت والصمت عما نحن فيه من عيوب وأخطاء، حرصاً على الهيئة الدينية والحوزة العلمية كما يقولون... فالسبيل للقضاء على الأخطاء هو أن نعرفها ونعترف بها ونشعر بوجوب الخلاص منها، أما السكوت والصمت، أو التجاهل أو غض الطرف عن العيوب، فمعناه الإمضاء لها والإبقاء عليها، ومعناه أيضاً، تشجيع الأغيلمة ومن إليهم على تعدّي الحدود والفضول والتطفّل»[31].

أ- الطلبة ومشكلاتهم: ينعى مغنية على طلاب العلوم الدينية شغفهم بالألقاب مع قلة زادهم من العلم، وهو يعبر عن نفوره من هذه الظاهرة المنتشرة بين الطلبة فيقول: «أنا أكره الألقاب وأشعر بنوع من الكراهية الصارمة لمن يحبها ويتهالك عليها، وأراه شيئاً غريباً ومنفصلاً عن واقعه، وكل إنسان ينفر بفطرته ممن يخرج عن الاعتدال إلى التطرف...»[32]. ومن مثل ذلك ما يطلقه العلماء على أنفسهم حين يصنفون كتاباً ويضعون أسماءهم على ما يجمعون ويطبعون، فنقرأ: «تصنيف فلك الفقاهة، قلم التحقيق والنباهة، شيخ الطائفة، مجتهد الفرقة الناجية... إلخ»[33].

ومغنية استناداً إلى موقفه هذا يدعو الطلبة والعلماء إلى أن ينظروا: «إلى الحقيقة والجوهر، لا إلى الشكل والمظهر، فلا تخدعهم الألقاب والكلمات البراقة.. كسماحة الشيخ وفضيلة العالم... وما إلى ذلك مما تتداوله الألسن وأقلام الكاتبين»[34].

ولقد رأى مغنية أن استعمال هذه الألقاب عمَّ واضطرب حتى بات يطلق على من لا حظ له من معرفة أو علم... ومن المهزلة بنظره أن يطلق لفظ «علامة، حجة الإسلام، على كل طالب، وإمام وآية على كل فارغ متزمت، ومجتهد أكبر على كل مدع، وصاحب السماحة والفضيلة على كل جاهل سخيف»[35].

وإن دل ذلك على شيء فهو يدل بنظره على نقص المكانة الاجتماعية عند من يدعون مثل هذه المواهب... مفترضاً «أن مكانة الإنسان وشخصيته تنبعان من ذاته ومواهبه لا من الأزياء والألقاب، ولكن الذي يشعر بالنقص في نفسه قد يخيّل إليه أن الكلمات والألقاب تسد ما فيه من فراغ»[36].

والرغبة حسب مغنية في حمل الألقاب والتزين بها قديمة، عرفها العرب في الجاهلية، وورثوها في الأصل عن الأعاجم، وجاء الإسلام يحذر منها ويبين مفاسدها، وما تحمله في جوهرها من تدمير للملكات والطبائع، وما تؤدي إليه من تفتيت لقوة المسلمين وتشتيت شملهم عندما ينشغلون بالألقاب والقشور ويتركون الجوهر»[37].

وفي الخلاصة، إن طلب العلم لم يعد رغبة في المعرفة والبحث، ولا سعياً في سبيلها من أجل أن يرتقي الإنسان فيها بوعيه وملكاته، فيساهم في تطوير مجتمعه والنهوض به، وبث الوعي في نفوس بنيه. وجزء كبير من ذلك إنما هو من أجل الأبهة والفخامة، وحمل الألقاب والعناوين.. التي تكفل لصاحبها الاحترام الشكلي والمكانة والمنزلة والجاه والسلطان، وهو شيء يأسف مغنية لأن الحوزة لم تكن قادرة على تجاوزه وإصلاحه.

ب - المؤسسة الدينية والتنظيم: تخضع المؤسسة الدينية لإدارة مباشرة من المرجعية الدينية، وهي مرجعية لا يرتبط صاحبها حسب مغنية بأية فئة أو جهة أو سلطة، والمرجع هو من يحدد هويته الشخصية وطريقة معرفته. ولا ترجع عظمة المرجع إلى علمه فحسب، بل كذلك إلى صلابته ومقدرته على مجابهة المغريات، وكبح شهواته[38].

ولقد حددت الأوساط العلمية في الحوزة صفات من يقوم بهذا المنصب بواحدة من ثلاث، بالحس والتجربة، أو بشهادة العدول من أهل الخبرة، أو بالشياع المفيد للعلم، يجمعهن السيرة الحسنة وقوة الشخصية... إلخ. وأن تكون له خبرة بالناس والأشخاص، وحس اجتماعي تعرف به المقاصد والأهداف، وأن يلم بأوضاع عصره وأحداثه المهمة، وأن يكون قيادياً... إلخ»[39].

وتوفر المرجعية نفقاتها والدخل لمنصبها «من الأخماس والزكوات والأوقاف، وتبرعات يقبضها المرجع ويوزعها على الطلاب». فهو إذن يمثل «دور الجابي والموزع في آن واحد، ويسوغ له أن يتناول منها بمقدار الكفاف، ليسد الحاجة الشخصية»[40].

وما كان يراه مغنية حينها أن مثل هذه الأموال التي تجبى لم تكن تصرف بكفاءة، حتى لو كان المرجع ذات خبرة تامة بالإدارة والتنظيم، لأنه كان يصعب على المرجع القيام بمهمتين اثنتين معاً، التدريس وإدارة الجامعة، ولقد كان المرجع يستقل في التصرف بالأموال، ولا يسأله أحد كم هي، ولا أين هي،... ولا يعني ذلك بنظره الشك في المرجع وأمانته، لكن العدالة والكفاءة شيء، والتنظيم والإدارة شيء آخر[41].

ويقترح مغنية علاجاً يراه نافعاً لمثل هذه المشكلة، وهو أن «يختار المرجع الأكفاء لهذه المهمة، ينفذونها بدقة وأمانة، ويقدمون له الحساب عما يقومون به من أعمال وينصرف هو للتدريس والفتيا»[42].

ولا تنحصر فوضى الرئاسة الدينية في جباته الأموال وإنفاقها وإدارتها، بل تتعدى ذلك إلى الهيكلية التنظيمية لموقع المرجعية نفسه، التي ليست على نسق واحد من النظام، وهي ليس «لها تخطيط معروف ونظام معين يتلزمه رئيس الحوزة، والمرجع الأول، فكل من يتولى الرئاسة له نظام مستقل قائم بنفسه، يقوم عليه خليط من الحواشي والهوامش والمتنفذين المقربين[43]».

ج- وظيفة المؤسسة الدينية: وإذا كان هذا هو حال التنظيم في المؤسسة الدينية، فعلاقتها بالمجتمع ليست أفضل حالاً. ومغنية يفترض أن مشكلة المؤسسة تكمن في عزلتها والتزامها الصمت وانطوائها على نفسها، وهو يرى أنه لو كان المرجعَ الأعلى للمؤسسة «لرفض المعونات من أيد قذرة، ولأنشأ محطة للتلفزيون، ومحطة للإذاعة، وداراً للنشر، ولأختار جماعة من ذوي الاختصاص بالتربية، وهيئة تتحدث عن المسلمين وأوضاعهم وبلدانهم ومشاكلهم»[44].

وهو يستفهم بجمل مترادفة عن دور المرجع ووظيفته، فيقول: «أين المصادر في موضوعات التجديد وأين قانون جامعة النجف، وتحديد اختصاص المرجع الأعلى، وأين الدولة والجامعة التي تعترف بشهادة النجف، أما البعثات النجفية إلى البلاد الإسلامية، وأثر النجف في الثورات التحررية، واللغة العربية، والشريعة الإسلامية، والقوة الشعبية في النجف، والشهادات العلمية فهي بمثابة قصة وغصة»[45].

إن أهم دور بنظره للجامعات الدينية وللمؤسسة المرجعية يكمن «في أنها تقوم بالمحافظة على استقلاله الأمة في طور الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وتقوم بالمحافظة على التراث في طور البناء والتقدم الاجتماعي. إلا أنها لم تمد آفاقها في قيادة المجتمع، كمساهمتها في ثورة العشرين في العراق، بل ظلت في حدود ردود الأفعال، التي ينتهي مفعولها بانتهاء مبرراتها التي قامت من أجلها الانتفاضات، لأنها لم توظف مشاريع برامجية إسلامية كمثيلاتها، تؤهلها لقيادة المجتمع في التجمعات غير المنتظمة على امتداد المنطقة العربية والعالم الإسلامي»[46].

والكلام على وظيفة المؤسسة الدينية عند مغنية يحيلنا على وظيفة العلماء. ومهمة رجل الدين ووظيفته تعرف من تعريفه. «إنه مثال الحق والخير، والداعي إلى الحق والخير، باسم الإنسانية لا بدافع الطائفية، إنه ظل الله على الأرض»[47].

وعلى العالم حسب مغنية أن يتحمل المسؤوليات تجاه الناس المسلوبة حقوقهم. والشعب يحترم العالم الشجاع الحازم الذي يناضل في سبيل إحقاق الحق، ويضحي من أجله، وإن الشعب يقدر رجل الدين الذي يتبنى قضاياه»[48].

لكن رجال الدين عند مغنية ليسوا على نسق واحد في ذلك، وكثير منهم يتنكر للدور المنوط به، ولوظيفته، فيؤثر ذلك في إقبال الناس عليه أو ابتعادهم عنه، إذ من رجال الدين «من لم يستمع الناس له، ولا أثر له في نفوسهم، لأنه لا يمت إلى شؤونهم المعيشية بشيء، ومنهم من ابتغى الرئاسة أو الوظيفة فلم يحصل منها على شيء، ومنهم من ضاقت عليه سبل العيش، وآخرون تهالكوا على التعظيم والتقدير، وكان نصيبهم الحرمان، لأن الرأي العام لا يراهم أهلاً لذلك... ومنهم معمم يكون ذيلاً لأمير... أو رئيس... أو ملك... ومنهم من اتخذ سلم الدين وسيلة للارتزاق وستاراً للخيانة والعمالة. ومنهم من ألف المنظمات والأحزاب التي تعمل بوحي من الصهيونية، وفي نفس الوقت حمل اسم الإسلام للخداع والتضليل...».

ومن هؤلاء من عرف واجبه تجاه نفسه ودينه وأمته، فأوقف حياته للصالح العام، وسعى لإعلاء كلمة الحق... فلا يسوغ إذاً الحكم على العلماء بحكم واحد، وجعلهم في الميزان سواء...»[49].

وإذا كانت وظيفة العلماء هي وراثة الأنبياء، فينبغي التنبه من بعض الطفيليين الشواذ ممن يلبسون ثوب الدين من غير أن يكونوا مؤهلين لذلك[50].

موقفان يبقى من الضروري الإشارة إليهما، الأول علاقة المؤسسة الدينية بالتراث، وعلاقتها بمناهج المعرفة الراهنة وتطور المعرفة وتقدم العلم.

لقد كان أسلوب الدراسة في الجامعة الدينية حسب مغنية من الأساليب النافعة التي نشأ عليها جيل كبير من العلماء وهو أسلوب جمع بين الروعة والإبداع، روعة الملاحظة ودقتها، والإبداع في التنسيق والترتيب، إذ كان يتم عادة تحرير المسألة وتحديد مفهومها، ثم ذكر أقوال العلماء، حتى لو بلغت عشرة،... فيختار الأستاذ إحدى المسائل ويستدل على صحة اختياره، ويبطل الأقوال الأخرى بالرد عليها حلاً ونقضاً، وينقسم الطلاب إلى موالين ومعارضين، ويحتدم الجدال»[51].

لم تكن مشكلة مغنية إذن مع التراث المتداول من كتب ومراجع إنما هو في أسلوب دراستها وتعليمها، بل في عدم تطويرها في كمها وكيفها، مع توسع المعرفة، وتعاظم الأفكار وتشعبها وهو يعبر عن ذلك فيقول: «والدروس من ناحية الكم والكيف مسلمات متوارثة جيلاً بعد جيل، لم تمسها يد التقليم والتطعيم إلا نادراً»[52].

وما كان يعوز مثل هذه الكتب إنما هو أن تتناول بالنقد والتمحيص بغية تطوير مسائلها وقضاياها، والتخلص مما لم يعد فيه نفع يرتجى ولا فائدة تطلب من المطالب والتصورات والمباحث والمعالجات. وما كان يعوزها كذلك أن تدرس لتناقش وتطور، لا لتحفظ مضامينها وتكرر محتوياتها من غير فهم ولا تمحيص.

يقول: «كنت أعتقد أن العلم هو حفظ الكلمات المطبوعة في الكتاب، عن ظهر قلب وكفى، ولا أدري من أين جاءني هذا الاعتقاد»[53].

ولقد نعى مغنية كذلك على هذه الكتب تعقيدها اللفظي والمعني، واستغلاق مضامينها على عامة طلاب العلم الذين يدرسونها، فلا يبقى أمامهم إلا الترديد والحفظ من غير فهم ولا دراية «وهكذا كان التعليم، الكتاب طلاسم، والأستاذ يلقي، والتلميذ يحفظ دائماً كالببغاء، أما الفهم والتطبيق فخارجان عن القصد، ويتركان لجهد التلميذ وإن كان فوق طاقته وعقله»[54].

ويعيب مغنية كذلك على الكثير من مناهج الدرس الديني احتفاظها بمطالب عفى عليها الزمن[55]، كبعض مطالب علم الأصول، التي ما زالت تدرس في المدارس الدينية[56]، من غير أن تتضح منافعها، كمباحث المعنى الحرفي، وبعض مطالب الفلسفة الموروثة من أرسطو وأفلاطون وملا صدرا. وفي الفقه تتكرر المباحث والمطالب كما هي، من غير توسع يذكر بالرغم من توسع مشكلات الحياة وتعقدها.

يقول: «احتقر أفلاطون وأرسطو، ومن علم فلسفتهما، العمل ونفروا منه، لأنه بشتى أنواعه عار يختص بالعبيد. والشريف من يحيا حياة الفراغ والبطالة، ويعفيه الأرقاء من كل جهد جسدي. إذن فلم يبق للعلم الأعلى يعني الفلسفة أية ثمرة، إلا مجرد النظر والتفكير والتحليل. وأية محاولة لاختبار قيمة الفكرة في عالم التطبيق والعمل تهوى بالعلم إلى أسفل»[57].

إن الإسلام حسب مغنية «يطلق العنان للعقل، ولا يقيده بنقل أو عرف أو إجماع، وإن تعارض مع ظاهر الوحي، فالعقل هو المقدم، بحيث يؤول بما لا يصطدم مع العقل، مع المحافظة على قوانينه اللغة»[58].

والعلم حسب مغنية لا حدود له، إذ «الكون ينطوي على أسرار وآفاق، لا تبلغ العدو الإحصاء، وكلما بلغنا منها أفقاً غابت عنا آفاق وآفاق»[59].

لكن العلم كذلك مسؤوليته تسير وفق ضوابط، فلا يصح استغلال العلم لهلاك البشر، ولا ينبغي محاربة الدين وقيم الإنسان باسم التقدم... «فالعلم والدين كلاهما يهدفان إلى المعرفة التي هي سبيل السعادة، وإن اختلف الموضوع والمنهج يلتقيان على خدمة الإنسان ومصلحته. إذ الدين يهدي إلى حياة أفضل ويبارك كل ما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، والعلم يسهم في هذا الميدان إلى أبعد حد»[60].

ويذكرنا مغنية بتعليله هذا للعلاقة بين الدين والعلم، بتعليل ابن رشد للعلاقة بين الدين والفلسفة الذين يتوحدان في الغاية والهدف، وهما معرفة الحق على ما هو عليه، ويختلفان في المنهج والطريق.

وحاجة العالم الآن إلى العلم وفوائده وعوائده كحاجته إلى الدين سواء بسواء، وبه يقاس مقدار تقدم المجتمعات وتأخرها... وليس تقدم الغرب علينا سوى بالفكر الموضوعي، أعني بالعلم والعقل وعوائدهما[61].

وبنظر مغنية، فإنه بالعلم وحده تخرج الأمة من تخلفها وجهلها... «وسنبقى مستعمرين ما دمنا جهلاء، إذ لا استقلال مع الجهل، ولا جهل مع الاستقلال»[62].

ولأجل ذلك فإن تقدم العمل الديني في مؤسساتنا رهين بمواكبة ما يتكشف عنه العلم الإنساني في مسيرة تقدمه، فلا يمكن بحال تكرار علوم الماضيين بجمود وتحجر. ذلك بنظره لا ينفع ولا يفيد. بل لا بد من استحضار التراث موضوعاً على خلفية ما أنجزه العقل البشري عبر العصور، من تقدم معرفي وعلمي، يمكن استغلاله لحل مشكلات الإنسان والارتقاء باجتماعه.

ولأننا لسنا في وارد التفصيل في ما يخص حسنات التقدم وآفاته هنا وعلاقته بالتراث، فسوف نكتفي بهذا المقدار في هذه الفقرة، لنخصص الفقرة الأخيرة من نصنا، لعرض منهج الإصلاح والتجديد عند مغنية، ولأبعاده المتنوعة، في خلاصات موجزة، ثم نعرض لبعض نماذج من رؤى التجديد عنده في الاقتصاد والفكر.

6 - منهج الإصلاح والتجديد عند مغنية:

لقد عكف مغنية في جملة مؤلفاته ومقالاته وخطبه ومحاضراته، على كشف مواطن الخلل الذي يصيب الأمة في حاضرها ومستقبلها، والأمراض التي تحول دون تقدمها في ميادين الحياة والعلم، والآفات التي تعيق ازدهارها ورفاهيتها واستقامة نظامها،... فتحول دون تحقيق متطلبات العدالة. ولقد كان مغنية يواجه في مقاربته لمشكلات العالم الإسلامي تحديين، داخلي يتمثل بالقهر والحرمان والفقر، وخارجي يتمثل بالاستعمار وأدواته والنكبات والحروب. وهو واجه كلا هذين التحديين بأسلوب حركي عبر عنه بقوله: «نحن أعداء الظلم، تعالوا نحاسب أنفسنا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثورة على الظالم ورد كيد الأعداء... إلخ...»[63]. ولقد استخدم مغنية كم كبير من المصطلحات التي شاعت عند مصلحي عصره ومفكريه ضمنها كتبه وعالج مضامينها ودلالتها في حدود علاقتها بالإصلاح والتجديد. كالتغيير والتبديل، والتقليد والتحديد، والتأخر والتقدم، والماضي والحاضر، والمحافظة والتحرر إلخ.. ولأن مغنية لم يكن يستخدم هذه المفردات لغرض معرفي، فهو لم يتحرَّ الدقة دائماً في استعمالها في السياقات التي تناسبها. كان الهم الذي يشغله هو أنه كيف يتأتى لعالم الإسلام أن يتجاوز مشكلاته التقليدية داخلية كانت أو خارجية، وكيف يتسنى له أن يوائم بين تراثه وبين تقدمات العالم من حوله؟. وكيف يستطيع أن يخرج من دائرة تخلفه بواسطة المعرفة التي توفر له فرص التقدم والازدهار؟. وما هو موقع الدين في العصر الراهن وما هو دوره؟ وكيف يمكن استثمار مقولاته وتشريعاته ومفاهيمه وقيمه وفق ما تقتضيه الظروف المتجددة والمتغيرة بتسارع لم يسبق له مثيل؟..

ولقد حث الإسلام حسب مغنية على العلم من أجل التطور والتحول نحو الأفضل[64] ومن أجل اكتساب المزيد من الثبات والقوة، لكنه كان حريصاً على أن يبين أن ذلك لا يطال بحال من الأحوال أصول الاعتقاد، فيما هو جوهري من الدين، ولا تشريعات العبادات المنصوصة المكتملة «إذ لا تغيير ولا تقليم ولا تطعيم في العقيدة مهما طال الزمن واختلفت الظروف، لأن طبيعة الموضوع تأبى ذلك وترفضه، ولا تجديد كذلك في القيادة بعد أن حددت خطواتها بصورة حتمية ونهائية»[65].

وأول خطوات التغيير حسب معنية وأهمها تغيير الأنفس استناداً إلى قوله تعالى: } ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ {(الرعد، آية 11).

«إذ من المبادئ التي أقرها الإسلام واعتمدها طريقاً للتقدم والتغلب على مشاكل الحياة مبدأ الثورة، ولا تنحصر هذه الثورة بحمل السلاح، وإنما هي قبل كل شيء أن يثور المرء على نفسه، ويغير ما بها من خوف وجبن، وقناعة بالوضع الذي هي عليه»[66].

ويستند مغنية في تحديد مفهوم الإصلاح إلى رواية عند الإمام الصادق، ويستنتج منها: «أن الإسلام يقر كل مفيد يحقق صالح الجماعة والفرد، قال الصادقQ: وكل ما فيه صلاح للناس من جهة من الجهات فهو جائز مفترضاً أن هذا إنما هو أصل عند أئمة التشريع كافة»[67].

وكل إصلاح حسب مغنية يتطلب تخليص التراث الديني من شوائبه، فهناك عادات وتقاليد وأعراف ليست من الدين في شيء، وعلى المصلحين من رجالات الإسلام «تنقية الدين من هذه الشوائب، ومن تحريفات المبطلين، وعليهم أن يقيموا الأحكام الشرعية بقياس الكتاب والسنة، لا بما جاء به كتاب قديم أو بما قاله عالم كبير، ولم يتغلب على عقله ودينه شيء من السياسة والوراثة»[68].

فتقديس الماضي، أو نتاج مفكريه أو آراء علمائه، عادة ترسخت في مدى الزمن، وظاهرة منعت، في مدى قرون، العقل من أن يمارس وظيفته في فحص المعرفة ووزنها، وتمحيص الآراء والأفكار ومناقشتها وتحليلها... ولقد وقف ذلك حاجزاً أمام التجديد والابتكار، والإبداع والخلق، ومنع معرفتنا من أن تتطور وفق مقتضيات الأزمان لتستجيب لمشكلاتها وتجيب على قضاياها وأسئلتها.

ومن شروط الإصلاح وعناصره حسب مغنية أن تكون فكرته واضحة لا لبس فيها ولا غموض، يدركها الخاصة والعامة، وأن تعتمد على قوى تؤيدها وتنصرها، وأن تهدف إلى خير الناس، وأن تتوفر لها القيادة الصالحة[69]. والقيادة عنده مضمون قيمي، فمن نختاره للقيادة هو «من يعمل بوحي من مصلحة البلاد، ولا يعنيه من المنصب والحكم إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل. أما إذا فسدت الضمائر فنحن وحدنا المسؤولون، إذا لم يغير الله ما بنا من ضعف وانحطاط...»[70].

وكل حركة إصلاح لا بد لها من رؤية وأهداف، وأن تتبصر تجارب التاريخ لتعتبر منها وتستلهمها. وبنظر مغنية، فإن الإسلام كان سباقاً إلى تجربة إصلاح متقدمة وفريدة. والتاريخ «لم يعرف مبدأً ولا مصلحاً ولا جماعات ولا جمعيات كافحت المظالم بأنواعها، وناصرت المظلومين كما كافح الإسلام»[71]. والسبب في نظر مغنية أن جوهر الإسلام يتحدد قبل أي شيء باعتباره حركة تحرر إنساني[72]. ولا يستقيم بنظر مغنية إصلاح استناداً إلى اندفاع عاطفة ورغبات عابرة «إن النوايا الصالحة وحدها لا تكفي، والنقمة على الأوضاع الفاسدة لا توصل إلى هدف، إذا لم يكن معها وعي وعلم بالحقائق والأسس التي تقوم عليها تلك الأوضاع. فعلى من يتصدى الإصلاح أن يوفر اهتمامه لدراسة هذه الأسس، ثم يعمل على هدمها بشتى الوسائل، وإلا فإن الإخلاص والنضال بدون وعي ومعرفة، كالوعي والمعرفة بلا إخلاص، كلاهما لا يؤدي إلى خير»[73]. وكل إصلاح يجب أن يهدف إلى خير الناس وصلاحهم، وأن يعبر عن إرادتهم. والإسلام نفسه بنظر مغنية «يعتبر أن ذلك يعتبر ذلك هو الطريق القويم إلى الله، والناس عيال الله، وأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله»[74].

والإصلاح في جوهره عمل ومكابدة لا كلام وصراخ، وهو نضال وكفاح مستديمان لإزالة الفساد وتطوير حياة البشر والارتقاء بها والارتفاع بمستوى الكرامة الإنسانية وبالقيم التي توجهها، ومواجهة حاسمة مع الغش والخداع والتضليل... وهو يستند في مشروعيته إلى الحق والصدق والصراحة مع أنفسنا ومع الناس من حولنا، وإلى التعاون المثمر الخلاق بين شرائح المجتمع وقواه... «ذلك هو الإصلاح في حقيقته ومعناه، ولأجله شرعت الأديان وأنزلت الكتب وأرسل الرسل»[75].

وعلى كل تجربة إصلاح أن تأخذ بعين الاعتبار ظروف الواقع وأن تقف على أسباب الانحطاط في تجربة الأمة نفسها وفي سلوك أفرادها «فالأوضاع الاجتماعية هي المسؤولة عن الشر، وليس الإرادة الإلهية، والمصلحون الطيبون هم الذين يضحون ويستميتون من أجل تغيير هذه الأوضاع، وتحويلها إلى الخير والصلاح...»[76]. ويتم ذلك بنظره بالتربية والتوجيه، وإن «مهمة المصلحين والأديان أن تهذب الغرائز، وتضع حداً للنزوات، وأن تحول بين الإنسان وبين ما يؤدي به وبالمجتمع إلى الشقاء... وسيلتهم إلى ذلك أن يخلقوا في الإنسان الوازع الرادع عن أسباب الفوضى والفساد والانحراف...»[77].

وللمصلحين حسب مغنية خصال، لا يؤدي الإصلاح غاياته دون أن تتوفر فيهم. إن من يدعي الإصلاح، دينياً كان أو سياسياً، لا يكون مصلحاً حتى ينكر ذاته، وينسى شخصيته، ويحاسب نفسه وأهله وولده وكل من يلوذ به قبل أن يحاسب الناس من حوله «وإن من تظاهر بالإصلاح والصلاح وعمل بالخفاء لحساب شهواته وملذاته، فهو مراء منافق وظالم لئيم. إن نكران الذات هو الأساس (إذاً) الوحيد الذي يجب أن تبنى عليه دعوة الداعين إلى الخير والصلاح والإصلاح»[78].

ولا يغيب عن بال مغنية أن يناقش بعض ما يعتقده عقبات في طريق كل إصلاح للمجتمع أو تقدم لبنيه، وفي طريق كل تقدم للدين وقيمه ليواكب الحياة وتعقيداتها، وليجيب على المستجد من أسئلتها ومشكلاتها. أبرز هذه العقبات بنظره هو التقليد، وهو من أعظم الآفات التي تحول دون الإصلاح، بل هي بنظره إحدى عوامل الانهزام والتراجع والانحطاط.

والتقليد في جوهره ركون للسلف في كل ما قاله وتمجيد للماضي بلا تفكير ولا اعتبار... مع أن في ما قاله السف حقاً وباطلاً، وصواباً وخطأ، «فليس كل ما قاله السلف حقاً وصواباً، ولا هو صالح لكل مجتمع وعصر، وعلينا أن نراجعه ونتأمله بصرف النظر عن قائله، وأن لا ننطلق منه على أنه حقائق علمية، ومبادئ دينية مسلمة، فإن السلف والخلف في الدين والعلم سواء. فنقبل منه ما نراه خيراً لنا، ونرفض منه ما نراه شراً، ولا سبيل إطلاقاً إلى قوة الإسلام والمسلمين إلا بالتحرر من التقليد والتعصب»[79]. والإسلام حسب مغنية يرفض مثل هذا الشكل من أشكال التقليد الأعمى للأسلاف، والركون إلى ما كان عليه الآباء من تقاليد ومعارف وقناعات. وهو يمجد العقل ويحث على التجاوز والنقد، ويدعو إلى التجدد في مدى الحياة، وإلى الاجتهاد في الدين ليستجيب بنفسه وبآفاقه الغنية ودلالاته لكل حادث من الوقائع، ويعلن عن نفسه في كل زمن بصورة من الصور. والإسلام في الحقيقة يتجدد بنفسه، ولا يفتقر إلى من يجدده بل إلى من يستوعب دلالاته المرئية، لأنه «أبداً جديد لا تتحدد قيمته بزمان ولا مكان، لكن عقولنا وأفهامنا هي التي تحتاج إلى تجديد»[80] كما يعبر مغنية. وهو يقصد من التجديد في الأفهام «أن نجتهد وسعنا في استيعاب دلالات الدين، وأن نبذل طاقتنا في تنزيل أحكامه على الوقائع، وأن نحرر عقولنا من قال وقيل، ونفسر القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، ولا نحصرها في حفظ أقوال السلف وتردادهما... إننا بأجسادنا وأرواحنا في هذا العصر، ويريد البعض أن يعيشوا بأجسادهم في العصر الجديد وبأرواحهم في العصور القديمة...»[81]. ومثل هؤلاء حسب مغنية لا يصغى إلى فلسفاتهم، وهم كذلك لا يعملون بمواعظنا وإرشاداتنا[82].

ومشروعية الاجتهاد عند مغنية لا تكمن فقط في أن الإسلام يراعي كل جديد حادث، وأنه قابل للاستجابة لكل طارئ بل لأن «الحوادث لا تنتهي، والحياة تقفز من جديد، إلى جديد والإسلام يربي في الإنسان روح الاجتهاد والاستقلال ليواكب ما يطرأ على حياته من تعقيدات، وروح التمرد على كل ما يعطل قدرته على توفير أسباب تقدمه وازدهاره»[83].

والأمة التي تطمح للتغيير نحو الأفضل، وتسعى إلى التقدم والتطور يجب أن تعتمد على إمكاناتها ووعيها، لا على إمكانات الماضي ووعي أهله، وأن تراعي ظروفها، لا ظروف السابقين التي انقضت، وأن تتحرى كل قول أو رؤية لا تتفق مع حياتها المعاصرة الحاضرة، وصالحها»[84]. وعلى هذا جرى حسب مغنية الدين في جميع مراحل تطوره[85].

والتجديد ينطلق كذلك من تطوير أدواتنا في فهم الشريعة لتستجيب للأسئلة الملحة المستجدة، وعلى الفقهاء معالجة «مشكلة الإنسان في عصره وما تولده من أسئلة وحاجات وأن يستأنسوا بما وضعه الإنسان نفسه من قوانين لتنظيم حياته، وأن يهيلوا التراب على كل قضية تحدث عنها الأقدمون ما دامت لا تمت إلى حياتنا بسبب...»[86].

والقديم والحديث، بنظر مغنية، وصفان عارضان لا أثر لهما في قيمة الأشياء ووزنها، وإنما تقاس الأشياء بفعاليتها ونتائجها وآثارها ومنافعها، ومقدار الحاجة إليها، فضوء الشمس قديم، ولا غنى للحياة إلا به... [87].

ومن القديم ما كان نافعاً في وقته، فلقد كان في سالف الزمان للأقيسة التقليدية مثلاً شأنها، وكان لعلم الكلام وزنه ومكانته يوم كانت الكلمة في ذاتها علماً وثقافة، بل نبوغاً وعبقرية. أما اليوم فالعلم والثقافة صواريخ موجهة، وسفن فضاء، وأنابيب معامل ومصانع[88].

«وعلى سدنة الدين وعلمائه حسب مغنية أن يعرفوا هذه الحقيقة، وأن يلموا بالاتجاهات الحديثة والفلسفة الشائعة، وأن يطوروا أسلوبهم في الدعوة والدعاية»[89].

وينعى مغنية علم المتصدين لترويج العلم الديني قلة عنايتهم بتقدم العصر وتطوره، وبعدهم عن مناخات التجديد فيه، ويعتبر «أن كل شيء تأثر وتجاوب مع عصره وبيئته، إلا علومنا ومدارسنا وكتبنا ورسائلنا، التي تدور في فلك الأقدمين، ولا تتعداه. مع علم القيمين بأن آفاق الإسلام أوسع وأشمل مما هو مدون في كتب السلف والخلف»[90]. ثم يختم خطابه هذا قائلاً: «وبعد... فلا موضوع للعلوم الدينية إلا الشؤون الدنيوية، والجهل بهذه الشؤون يستدعي الجهل بالدين نفسه»[91]. وإذا كان مغنية يرى أن الإسلام يستجيب في كل عصر لمتطلباته المتجددة، فهو يعتقد أن ذلك إنما هو لطواعية في تشريعاته تسمح له بمثل هذه الاستجابة. فخارج إطار الأصول الاعتقادية والعبادات التي شرعت تفاصيلها وتفاصيل عناصرها وأركانها، والتي لا تتغير بتغير الأزمان، فإن في الإسلام مبادئ عامة وقوانين كلية ومقاصد وغايات تستوعب كل تبدلات الحياة، وتستجيب لكل متغير فيما يتصل بحياة الناس وحاجاتهم ومصالحهم وأوضاعهم التي تتبدل في مدى الزمن... وثمة ما ترك الإسلام له فسحة في تشريعه يتكفلها جهد البشر ووعيهم وإدراكهم، مما تولده الحياة في مسار حراكها. ولأجل ذلك اعتبر «أن لا نظرية مستقلة للإسلام في الملكية، وإنما نظره فيها تابع للعرف وجوداً واستمراراً، وبالتالي فلا مذهب اقتصادياً في الإسلام، لأن الملكية هي الدعامة الأولى لكل نظام اقتصادي، وبعد... فلا أثر في الإسلام ولا في غيره لنظام اقتصادي عالمي ومثالي كامل وثابت لا يتغير ولا يتبدل بتبدل الأوضاع والمستحدثات، بل هو يرتبط بها ارتباط الحكم بموضوعه والفرع بأصله[92].

وسبب ذلك حسب مغنية أنه «ليس للتشريع، بجميع أنواعه، وجود مستقل في الخارج يرى ويلمس كوجود الطبيعيات، وإنما هو يوجد في عالم الإرادة والاعتبار، ولهذا أمكن فيه التبديل والتعديل حسب مقتضيات الظروف والمصالح»[93].

وكل مجتمع حسب مغنية «تتبدل أوضاعه وتتغير مع الزمن ويغدو النظام الذي كان صالحاً بالأمس غير صالح اليوم»[94].

والإسلام «بمرونته يستجيب لكل تطور عبر عمومات وكليات ومقاصد، وهو لم يتعرض للمعاملات إلا بطريقة إجمالية عامة، بحيث لا يمكن أن يشكل نظاماً شاملاً مفصلاً»[95].

وهذا يعني حسب مفهوم مغنية أن الإسلام ترك للبشر تحديد أساليب تعاملهم، وقوانين تبادلهم، بما يحقق لهم مصالحهم، ولأجل ذلك: «أقرَّ وأمضى جميع أقوال الناس وعاداتهم وأنظمتهم ما وجد منها في عهد الرسالة، وما وجد بعدها ويوجد، ما دام لا يخرج عن القاعدة العامة...» التي قررها، والمبدأ الذي صدر عنه والمقاصد التي شرع لأجلها وقنن[96].

واعتبار مغنية أن مفهوم الملكية مفهوم غير حقيقي فكرة موفقة، إذ ليس لأحد منا ملك للمواقف الجدية التي تواجهه، بدءً من اسمه، وانتهاءً بجسده. وما الملكية في عالم الثروة إلا ملكية استخلاف، }ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ{(فاطر:39). «فالملك الحقيقي لله وحده، وهو الذي أباح للإنسان أن يتصرف في المال وينفقه على نفسه وأهله بالمعروف، شريطة أن يصل إليه عن طريق ما أحله الله...»[97].

ولقد أولت الشريعة الإسلامية بنظر مغنية عناية خاصة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وحرمت استغلال الإنسان للإنسان... وهي إنما فعلت ذلك لأنه حجر الزاوية لدعم النظام العادل وتطبيقه[98].

وإذا كان الإسلام يملك هذه الخاصية للاستجابة، فإنه يوفر لنا قدرة استثماره على ضوء الحياة، عبر اجتهاد حر، «يتكيف حسب حاجاتنا وظروفنا، وعلى أساس مبادئه العامة ومقاصده الكلية، وتشريعاته السمحة، من غير كثير اكتراث بقول من تقدم وقول من تأخر، ما دام فعل الاجتهاد يقوم على بينة من الشرع والعقل على السواء[99].

إن فعل الإصلاح والتجديد عند مغنية فعل حركي يتطور بتطور الزمن كذلك والوقائع والأحداث، وتستدعيه الحاجات والضرورات. وهو يتطلب وعياً واسعاً عميقاً بتجارب الماضي في نجاحاتها وإخفاقاتها، وبنتاج البشر وما قدِّر لهم إنجازه من تراث، النافع منه وغير النافع، المفيد وما لا فائدة فيه، ما يقبل الحياة وما لا يقبلها. ويتطلب كذلك بصيرة نافذة تحيط بأسئلة الراهن ومشكلاته وهواجسه... وهو يتجسد على الدوام كمكابدة تتخذ شكل صراع مع ما يحول بين الإنسان وبين أهدافه السامية ومصالحه المشروعة، ومتطلبات كرامته ووجوده، من وجوه الظلم والقهر والوهن والكسل وغير ذلك. وإذا كان مغنية لم يترك لنا برنامجاً شاملاً للإصلاح يقوم على نسق نظري متماسك يبرزه ويدعم خطواته ويبين مآلاته، فهو ترك لنا تجربة حية لفعل المواجهة هذا، وللرغبة الملحة في رؤية الإنسان ونَعُمَ بالعدالة، وحقق أهداف وجوده، وأنجز متطلبات كرامته البشرية، في أفعاله وأقواله على السواء.

الإصلاح السياسي
في فكر محمد جواد مغنية

د. هادي فضل الله [100]

لم يشتغل مغنية في السياسة وكان قد ترفع عن الإنغماس في أهوائها وأعمالها معطياً المثل الأعلى لمهمة العالم الديني الحقيقية فقصر نشاطه على التوجيه الروحي وبناء النفوس وفق جوهر الدين وقواعده وأبى أن يجعل من الدين واسطةً لبناء نفوذٍ سياسيٍّ ومزاحمة السياسيين على سلطاتهم قائلاً: «ما نحن والسياسة والمسوس... ما نحن والأحزاب والمتحزبون نحن سفراء الله في أرضه نستمد النور والهداية من زيتونةٍ مباركةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ»[101]، ولم يكن ذلك الموقف بنظرنا إلا نتيجةً لشعور مفكرنا بالسخط لما لاحظه عند معظم المشتغلين في السياسة في عصره من خطل الرأي أو خبث الطوية إذ ربط مغنية بين السياسة في زمانه وبين الدجل والنفاق والأنانية يخاطب مغنية فلّاح الجنوب اللبناني قائلاً: «أيها الفلّاح المسكين أتحترم النائب وتهتف باسمه وهو يسخر منك لفقرك ويهزأ بك لجهلك، ... اسأله عن المجهود الذي بذله لتحسين زراعتك وزيادة إنتاجها وإن كان لا يطمع بأموالك وأتعابك فإذاً لماذا وافق على زيادة الضرائب وجعلها أضعافاً مضاعفةً... أليأتيك بالماء فها أنت تموت عطشاً! أم ليفتح لك الطرقات؟ وهذه الأشواك والأوعار تمزق ثيابك»[102] وعلى الرغم من أن مغنية لم يخض غمار السياسة كما ذكرنا إلا أنه وبسبب وعيه الوطني والقومي فقد كان صاحب رأيٍ إصلاحيٍّ فيها، كيف كان ذلك؟:

لقد بدأ محمد جواد مغنية حياته السياسية إصلاحياً يرسم للدولة العادلة صورةً استوحاها من مبادئ الدين الإسلامي فحدد في ضوئها واجبات وحقوق كلٍّ من الحاكم والمحكوم.

كما حثّ على العمل الثوري ليدفع الظلم معتبراً أن «الثورة على الخائن فرضٌ وحتمٌ وإلا عمَّ الفساد في الأرض [مؤكداً] أن جريمة المظلوم القادر على دفع الظلم عن نفسه تماماً كجريمة الظالم من حيث إن كلاً منهما يمهد لإشاعة الظلم والفساد»[103] وغمز من ناحية القوة واستنهض الهمم لتحقيق التضامن الوطني، ناشداً التحرر والخلاص من الإستعمار.

وعموماً فقد تنوعت مواقف مغنية السياسية وتعددت فإذا سعينا لاستخراج مناحيه الفكرية فيها ومواقفه الإصلاحية ومن ثم إظهار مذهبه السياسي كان علينا أن نحللها من خلال طرحنا لمسائلَ ثلاثٍ هي على التوالي:

«مغنية والإستعمار، مغنية والوحدة الوطنية، مغنية والوحدة العربية».

أولاً: مغنية والإستعمار:

يصور مغنية الإنسان في ظل الإستعمار وحكمه إنسانٌ مسلوب الإرادة عديم الشخصية لا يمكنه الوقوف بوجه الحاكم وإلا كان جزاؤه الموت أو النفي، فلم يكن أمامه إلّا الإستسلام للظالم المفتري، يقول مغنية «كنا في عهد الإستعمار وعهد الإنتداب نسير وفقاً لإرادة حاكمٍ لا نملك لأنفسنا معه ضراً ولا نفعاً فلا وجود للشخصية الفردية ولا أثر للجموع وإن عدّواً بالملايين ومن جابه الحاكم ينقد ما يقع في أعماله من جورٍ واعتسافٍ فجزاؤه القتل أو السجن أو النفي. فسبيل السلامة الصمت وكمّ الأفواه والإستسلام للظالم والطغيان»[104].

هكذا أكدّ مغنية أن الرعية كانت في ذمة الراعي «يوم كان التركي والفرنسي».

ويؤكد مغنية أنّ الإستعمار قد عاملنا معاملة الضعيف المهزوم المغلوب على أمره، إلى درجةٍ بلغت بنا حداً لا نحتمله ظناً منه أن القوة يدوم سلطانها؛ وغاب عن باله أن النصر النهائي لن يكون إلاّ للحق إذ إنه من المستحيل أن يستمر الإستعمار ويدوم» فنحن لو تتبعنا على رأي مفكرنا انهيار الإمبراطوريات في التاريخ لاستطعنا أن نقول إن [105]الولايات المتحدة الأمريكية التي هي أقوى دولة في العالم وأغناها سوف لن تندم. يقول مفكرنا في هذا الصدد: «ما يدريك أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول الباغية هي في أمنٍ وأمانٍ؟ وأي عاقلٍ يأمن الغوائل؟ وهل دامت الإمبراطورية الفارسية والمكدونية والرومانية بل والبيزنطية وغيرها حتى تدوم غطرسة الولايات المتحدة الأمريكية ومفاسدها»[106]

وعموماً كانت مواقف مغنية من الإستعمار وقد هدفت إلى زعزعة الحكم الإستعماري في لبنان بل والمنطقة العربية والعالم بأسره نذكر من هذه المواقف نقد مغنية لسياسة كُلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وتركيا وكل الدول الإستعماريّة.

إن مواقف مغنية المعادية لسياسة الولايات المتحدة الأميركية قديمٌ فهو لا يتوانى عن توجيه النقد لسياستها الإستعمارية لقد عملت أميركا على إقامة دولة إسرائيل القوية بأهدافها العدوانية التوسعية والتسلطية والعنصرية «فهل نسكت عن قيام دولة إسرائيل في قلب البلاد العربية وغض الطرف عن اللعبة الأميركية التي شردت مليون عربي عن ديارهم؟»[107]، ولا تزال إسرائيل تعتدي على معظم الدول العربية وتوجد الفتنة في بعضها لا سيما لبنان[108] كما لا تزال رابطة فوق جزءٍ من جنوبه تمارس على أبنائه شتى أنواع القتل والدمار وأقصى درجات الضغط إذ أنها تكيل لهم الضربة تلو الأخرى بغاية الحفاظ على أمن قراها كما إن أطماعها لم تتوقف عند ابتلاع فلسطين بكاملها أو قضم أجزاء من مصر وسوريا ولبنان وإنما تهدف لإذلال العرب جميعاً وإخضاعهم للصهيونية والإستعمار سياسياً واقتصادياً، إنها تطمع في نفط الكويت وقطر وأبو ظبي والسعودية وفي السوق العربية الإستهلاكية وفي أيدي العرب العاملة الرخيصة»[109].

ورغم ذلك فإن الإلتحام بين أميركا وإسرائيل على حد قول مغنية: «هو في المبدأ والهدف والنظام»[110] إذ أن أميركا لم تتوقف عن تدجيج إسرائيل وجعلها ترسانة للأسلحة ليتسنى لها القضاء على روح الإستقلال فينا، من هنا رفض مغنية زيارة الأسطول السادس الأميركي في الشاطئ اللبناني للقاء السفير الأميركي سنة 1953م قائلاً لمن حمل له الدعوة «إن أميركا هي قوة إسرائيل وما هذه إلا مخلبٌ في يدها... وبعد هذا تدعوني إلى زيارة الأسطول السادس»[111].

إن مغنية لم يتوقف عن التشهير بأميركا وربيبتها إسرائيل وأعمالهما الدامية إلى إفشاء الفتنة والتخريب والدّمار على كل الأصعدة، كما لم يمتنع عن التشهير بعملاء إسرائيل والإستعمار في الداخل إذ ان مغنية قد ندد بكل فردٍ خان أمته ووطنه ووالى المستعمر ورضي أن يكون عوناً له، فالخائن في نظر مغنية ليس هو الذي يبيع بلاده بثمنٍ بخسٍ للمستعمر وإنما الخائن أيضاً من يكون سبباً في تثبيت خطى العدو على أرض الوطن أو من يدَع قدماً لمستعمرٍ تستقر على أرض وطنه رغم قدرته على المقاومة. فيا للعار على كلّ من يسعى إلى تمكين الإستعمار من احتلال وطنه إما غفلةً منه أو رغبةً في منفعةٍ رخيصةٍ. لقد عجز مغنية ومنذ ما يزيد على الستين عاماً من زاوية بعض السياسيين اللبنانيين الذين اتبعوا أسلوب الإستعمار في ممارساته سيما بعض نواب الجنوب اللبناني الذين كان همهم على رأي مفكرنا أن يفرقوا الناس ليسودوا[112]. ويؤكد مغنية لكل خائنٍ يعمل ضد وطنه وبلاده فيقول «أكره كل خائنٍ ومارىء وحقودٍ وحسودٍ ولو كان على ديني ومذهبي ولا مكان عندي إلاّ للإنسان الإنسان»[113].

دع عنك ما فعلته أميركا عندما زرعت إسرائيل في وسط المنطقة العربية وانظر إلى ما فعلته مع اليابان في «هيروشيما».

هذا وليس الإستعمار الفرنسي بأفضل حالٍ من الإستعمار الأميركي يبدو ذلك من معاملة فرنسا القاسية للشعب اللبناني كما يبدو من تضييقها على الشعب الجزائري حيث منعته من حرية التكلم باللغة العربية فضلاً عن ممارسة شعائره الدينية[114].

أما تركيا فحدّث عن ظلمها ولا تسَلْ، لقد استولت على معظم البلاد العربية من خلال القرن السادس عشر الميلادي فعم الظلم والقتل والتشرد وكما يقول مغنية فإن «الحديث لا ينتهي عن مظالم العثمانيين في البلاد العربية بعامةٍ وتعصبهم ضد الشيعة بخاصةٍ فقد أقصوهم عن جميع وظائف الدولة كبيرها وصغيرها حتى الوظائف الدينية ومنعوهم من ممارسة شعائرهم المذهبية في بلاد الشام وغيرها، وامتد تنكيل العثمانيين بالشيعة طوال سيطرتهم على العرب[115]، إلى ذلك، يشير مغنية إلى تأثير الضرائب التي فرضتها تركيا على الشعب والتي لم يكن بمقدور المواطنين دفعها ويسوق مغنية نفسه مثالاً على المواطن الذي لم يتمكن من دفع ما عليه من ضرائب نظراً لضخامتها مما اضطره عندما قصد العراق طالباً للعلم إلى السفر خفيةً لانه لم يتمكن من الحصول على جواز سفرٍ من دون تسديد الضرائب المتوجبة عليه[116]، كما إن حالة البلاد العربية في عهد الأتراك ساءت من الناحية السياسية والأخلاقية فالنفوس البشرية قد بلغت من فساد الطبع ما بلغت، تلك الحالة المزرية دعت مغنية إلى التذكير بمساوئ المحتل وما جرى على الناس من وراء المستعمر.

أما استعمار بريطانيا للهند وكينيا ففيهما من المآسي والقهر والإذلال والحرمان ما يكفي لإبراز تسلط الإستعمار وظلمه وتعسفه وخنقه للحريات ومصادرته للممتلكات.

لقد مات في الهند في خلال الإستعمار البريطاني لها عشرات الملايين جوعاً وعندما تظاهر الجوعى تصدت لهم نيران المستعمر فحصدت منهم المزيد ضمتهم إلى قوافل الموتى.

أما في كينيا فقد حولت ملكية الأرض من الشعب الكيني للعرش البريطاني وأبيح لحاكم كينيا بأن يؤجر الأرض لمن يشاء فكان نصيب الكيني من تلك الأرض قليلاً جداً فيما إذا قيس بالنسبة لنصيب الأوروبي.

من هنا مقت مغنية كل أشكال الإستعمار مؤكداً أن الإستعمار وأربابه هم وراء الطائفية في لبنان فضلاً عن أنه وراء إضعاف الشعوب الإسلامية.

نعم لقد أكَّد مفكرنا بأن الإستعمار خلق الطائفية في لبنان «وأدخلها في صلب الدستور»[117] كما أنه عمل بكل ما استطاع من قوةٍ على إضعاف الشعوب الإسلامية والعربية[118].

لقد ركز مغنية على إبراز مواقف الإستعمار في البلاد العربية، تلك المواقف السافلة المنحطة التي هدفت في أساسها إلى تقسيم الأراضي والبلاد العربية وإقامة الحواجز فيما بينها وخلق الأحزاب في المجتمعات العربية وتغذية الطائفية يقول مفكرنا: «جاء الإستعمار والنفود الأجنبي فقسم البلاد العربية إلى دويلاتٍ وأقام بينها الحدود والسدود، قسم أراضينا وخلق منا الأحزاب المتناحرة وغذى الطائفية وأرادنا متنافسين يلعن بعضنا بعضاً، يهدم قوتنا ويمزق أشلائنا ويقيم عليها كيانه واستقلاله»[119].

ولم يتوقف الإستعمار عند هذا الحد فعمد إلى زرع إسرائيل في وسط الامة العربية فاختار فلسطين بحكم موقعها الإستراتيجي ليأمن بذلك تباعد العرب وعدم إمكانياتهم من توحيد طاقاتهم وجمع صفوفهم[120].

ويتساءل مغنية عن سبب وقوف الإستعمار ضد الشعوب الإسلامية؟.

ويؤكد مفكرنا أن الإستعمار الغربي قد أدرك أن الإسلام خطرٌ كبيرٌ على الظلم والبغي والإستغلال بل ثورةٌ على كل من يحاول ممارسة السيادة على المسلمين، فالتعاليم الإسلامية تهدف إلى تحقيق الحرية في المجتمع وإقامة العدالة ونشر المساواة بين المواطنين جميعاً، المسلمين منهم وغير المسلمين[121]، فالمسلمون أعداء الإستعمار وظلمه وجوره وتضليله وبالتالي فالإسلام بتعاليمه يقف سداً منيعاً في وجه الإستعمار إذ في قدرته وحيويته أن يكون حاجزاً في وجه تقدم المستعمر ونيله مراميه «إن روح الإسلام تأبى أن يقع على وجه الأرض ذرةٌ من ظلمٍ، وشائبةٌ من استعمار، ورائحةٌ لإقطاعٍ، إنه يريد أن يحقق العدالة والحرية للناس أجمعين: للمسلمين وغير المسلمين»[122] نعم «إن الإسلام خطرٌ كبيرٌ... على الظلم والإستعمار والمستعمرين أعداء الحرية والعدالة»[123].

وإذا كان الإستعمار قد استطاع أن يجد ثقوباً ينفذ منها إلى المجتمعات المستضعفة، ويخلف فيها تياراتٍ مناهضةٍ للتيار الإسلامي الصحيح هادفاً إلى هدم التوحيد وفصل الدين عن الدولة والمجتمع فإن مغنية الذي بقي مخلصاً لتعاليم الإسلام وملتزماً بمقومات الفكر الإسلامي ومبادئه، راح يبين كما ذكرنا مساوئ الإستعمار وظلمه ويحث على إيقاظ الوعي في أبناء أمته بغية العمل على مقاومة الإستعمار وطرد المستعمر.

وعموماً فإن الإستعمار بمختلف أشكاله وألوانه، وعلى رأي مغنية لا يقدم للشعب المستعمَر أية فائدةٍ، وإذا قام ببعض المشاريع الحيوية فإن الشركات والمصارف والمصانع، فليس إلا في سبيل استغلال واستثمار الشعب المستعمر حتى أن الجامعات التي تعمل على إنشائها بعض الدول الإستعمارية، فلتقوية النزعة الأنانية الفردية في مقابل تفكيك الروح الجماعية. فإن الإستعمار لا يعدو كونه تضليلاً ورياءً ونفاقاً و مكراً وفتلاً. إنه التخريب والتدمير بالجملة، إنه الموت الأكبر والفناء الشامل، إن جريمته لا تعادلها كل الجرائم مجتمعةً «[124].

إن مواقف مغنية المناوأة للإستعمار نابعةٌ ولا شك من القيم والمبادئ الإسلامية، فالإسلام لا يهادن الإستعمار وأذنابه، ولا الإقطاع وأتباعه، كما يكافح الظلم والفساد ويحارب كل معتدٍ، وينصر كل مظلومٍ ويعمل على إعادة الحق إلى صاحبه، من هنا كان شعار مفكرنا «سنبقى أحراراً أحياد لا مع الشرق ولا مع الغرب»[125].

لقد كان مغنية عدواً لسيطرة الإستعمار، فقارع المستعمر التركي وناهض الإنتداب الفرنسي وذكر بمساوئ الإنكليز واليهود و الأمريكان، فانتقد كل أشكال الإستعمار، وكان له ولرأيه وموقفه من الإستعمار أثرٌ بالغٌ في إحياء الشعور الوطني كما سبق وذكرنا.

هكذا بحث مغنية في جدلية العلاقة بين المستعمر والمستعمَر، فأتى على ذكر مساوئ الإستعمار في معظم مؤلفاته دون تمييزٍ بين مستعمرٍ وآخر وأكد أنه لم تبقَ طبقةٌ من طبقات المجتمع المستعمَر إلا ومسها الضر من الإستعمار ومساوئه وأطماعه.

لكن كيف يستعيد المظلوم حقه وكيف يمكن للشعوب المستعمرة أن تتحرر من نير العبودية والظلم والطغيان، لا شك في أن الحق يجب أن يكون مدعوماً بالقوة في نظر مغنية، وبخاصةٍ في هذا العصر إذ «لا حق في الأمم المتحدة، ولا في مجلس الأمن إلا للقوة»[126]، أما في حال افتقاد الشعب إلى القوّة، فعليه أن يعمد إلى تحقيق التعاون والتضامن والتوحد، فمغنية يعتبر أن من أفضل ما نفعله للناس ونبثه في نفوسهم هو حاجتنا إلى التعاون في وجه العدو المشترك، الإستعمار وربيبته إسرائيل، هذا الإستعمار الذي يعمل باستمرارٍ على تفتيتنا وتمزيقنا وتشتيتنا من هنا فإن «من فضول القول أن نعلن بأنّ أحوج ما نحتاج إليه اليوم هو التعاون والتعاضد والوقوف صفاً واحداً في وجه العدو المشترك الإستعمار وربيبته إسرائيل»[127].

ثانيا: مغنية والوحدة الوطنية:

ما كان الشعور الديني القوي عند مغنيّة ليسيطر على مشاعره الوطنية الرفيعة وإنما على العكس من ذلك، كان باعثاً على حب الوطن والتضحية في سبيله، كيف لا وهو يقول: «حب الوطن من الإيمان»[128]، تلك الوطنية التي حيّاها الكثيرون فيه، والتي جسدت الشعور الحي بوجوب اتحاد اللبنانيين وتعاونهم جميعاً دون تمايزٍ طائفي على القيام برسالة التمدن الروحي والإصلاح القويم والدفاع عن الحق. وعليه «فإن المواطن الصالح هو الذي يعمل باخلاص لخير الوطن، ورفع مستواه، ويسلك سبيل الوحدة والإخوة بين المواطنين جميعاً ويناضل كل من يتخذ الدين والوطن وسيلةً لمآربه وشهواته»[129].

هذا ويؤكدّ محمد جواد مغنية «أنّ وطن الإنسان هو راحة الإنسان وأمنه وحرّيّته وكرامته وحقوقه ومصيره. فكل بلدٍ يؤمن له ذلك هو وطنه الذي يخلص له ويستميت في سبيله، سواءً أكان بلد الآباء والأجداد أو لم يكن، أمّا الأسماء والألفاظ فوسيلةٌ لا غايةً»[130].

إذاً، فميزة الوطن عند مغنية، هو أنّه ليس فقط مكان الولادة والنشأة والترعرع. ليس هو بلد الآباء والأجداد وإنما هو كل مجتمعٍ يتفاعل فيه الإنسان مع الآخرين ويعيش فيه حرّاً كريماً؛ هو المكان الذي يؤمن للإنسان العمل والنتاج ويضمن له الأمن والأمان، ويكفل له حياةً نفسيّةً وأخلاقيَّةُ واجتماعيّةً مقبولةً. فوطن الإنسان في نظر مغنية هو حيث يعيش الإنسان ويرزق.

وعليه، فالوطن «جامعةٌ مشتركةٌ ورابطٌ طبيعيٌّ بين أناسٍ يعيشون من جيلٍ إلى جيلٍ سويَّةً على أرضٍ واحدةٍ معلومة الحدود، يجمعهم جامعٌ اقتصاديٌّ داخليٌّ، ومهما تباين سكان هذه الأرض بالديّن والعرف... فإنهم ينتسبون جميعاً إلى أبٍ واحدٍ هو الوطن، شاؤوا أو أبوا فالصّلة بينهم طبيعيّةٌ»[131].

هكذا يؤكّد مغنيّة أنّ الوطن ليس أرضاً وشعباً وحسب وانما هو تاريخٌ وحضارةٌ وتفاعلٌ فالوطن هو التطور والحرية والكرامة ولبنان في نظر مغنية هو بلدٌ صغيرٌ في حجمه عظيمٌ في شأنه. إنه مشعل العلم والرقيّ والحضارة إلى العالم لا سيّما العربي منه. إنّه على صغر حجمه كبيرٌ وعظيمٌ في طبيعته وتاريخه وفي صلاته وتفاعله مع العالم ثقافةً وسياسةً وتجارةً فكلمة لبنان أو لبناني تعبر عند القريب والبعيد عن الفن والجمال وعن الحرية والوعي والتقدم والحضارة ويعلم الجميع أن عملية التطور في البلاد العربية انطلقت أول ما انطلقت من لبنان وأنه كان المدرسة الأولى لكل بلدٍ عربيٍّ، بخاصةٍ مصر ويشهد بهذه الحقيقة المقتطف والأهرام والهلال، فإنّها مصدر النهضة بمصر، وهي لبنانيّةٌ حسباً ونسباً»[132].

وكثيراً ما تكلّم مغنيّة عن وجه بلده المشع، فتغنى بلبنان، بوطن التعددية وبلد الحرية والديمقراطية ومنبر الفكر والنشر ومنطلق التطور والإبداع ومنارة العلم وملتقى الجامعات ومقر الطبابة والإستشفاء مكان المشاريع والتوطينات المالية وموئل السياحة وتقديم الخدمات[133].

لا شك من وجهة نظر مغنية في أن احترام لبنان يستلزم احترام أبنائه واللبناني محترمٌ في كل بلدٍ من بلدان العالم «في الشرق والغرب»[134].

لكن مع ذلك يبقى للبنان أعداءٌ استطاعوا أن يشوهوا تاريخه المجيد عندما راحوا يعملون على إنشاء الفتنة بين أبنائه الذين انقسموا فرقاً وأحزاباً يحارب بعضهم بعضاً تحت شعار الطائفية حيناً وتحت ستار الحزبية أحياناً وكان قد استمر القتال بينهم حوالي الخمسة عشر عاما منذ العام 1975م وحتى 1990م.

وقد تنبّه مغنيّة إذ ذاك، إلى هذا الأمر الخطير، فعمد إلى بيان حقيقة اختلاف اللبنانيين معلناً موقفه ضد الطائفية وأنه لا يفرق بين إنسانٍ وآخر وفقا للإنتماء الديني مؤكداً أنّ تقسيم الإنسان يجب أن يكون «إلى طيبٍ وخبيثٍ «وليس» إلى مسلمٍ ومسيحيٍّ»[135].

وعليه، وبحسب مغنية «فلا عداء ولا تعصب دينيٍّ ولا صراع طائفيٍّ بين الشيعة من جهة وبين المسيحيين أو الدروز أو أي طائفةٍ أخرى... الشيعة على الصعيد الوطني عرب لبنانييون» لا يفرقون «بين المسلم و المسيحي لأن الدين لله والوطن للجميع»[136] ويبين مغنية أسباب الفتنة الأخيرة التي عصفت باللبنانيين وأدت بهم إلى حماماتٍ من الدم فيرجعها إلى عوامل داخليةٍ وأخرى خارجيةٍ.

أما العوامل الداخلية فإن مغنية يحصرها في فساد النظام اللبناني السياسي والإقتصادي وما خلفه ذلك الفساد من صراعٍ بين المحرومين والمستأثرين وظهور المليشيات المسلحة والى التخلي عن حماية الحدود والى زوال الأمن وفقدان الأمان من داخل البلاد وخارجها فمغنية يعزو العوامل الداخلية للفتنة إلى الوجه المظلم من لبنان فيأتي على ذكر ما فيه من الفوضى والإضطرابات والتجسس والإستخبارات والمؤمرات والتهريب وتجارة السلاح وزراعة الممنوعات وسوق العملات والمضاربات[137].

إلى ذلك فإن مغنية يركز على غياب الديمقراطية في لبنان ويعتبر ذلك الغياب في طليعة العوامل التي تؤدي إلى الفتنة والخلل الداخلي في البلاد يقول مغنية «أما الديمقراطية في لبنان فهي جعجعةٌ بلا طحينٍ فما أن تنتهي همروجة الإنتخابات حتى يتكرس نظام الطائفية ويثبت نظام الفوضى والفساد واللصوصية ويعود إلى الحكم ملوك الطوائف وتتسلط عائلات الإقطاع السياسيّة «إنّها ديمقراطية مزيفة» هي أحد الأسباب الرئيسية في خلق مشكلة لبنان الحالية لأنّ هذا النوع من الديمقراطيّة لا يضمن لجميع اللبنانيين المساواة في الحقوق والواجبات»[138].

أما العوامل الخارجية للفتنة فيرجعها مفكرنا إلى إسرائيل فمغنية لا يتوانى البتة عن التشهير بإسرائيل وأعمالها الرامية إلى إفشاء الفتنة والتخريب والدمار على كل الأصعدة كما لا يتوانى عن التشهير بعملاء إسرائيل والإستعمار بشكلٍ عامٍ هكذا أكد مغنية أن الصراع في لبنان أجيالاً وأجيالاً ولم يحدث شيءٌ مما يجري الآن على أرض لبنان حيث لا إسرائيل ولا صهيونية...إنه تنفيذٌ بأيدي أعداء لبنان لمخططٍ صهيونيٍّ أميركي يستهدف تصفية المقاومة الفلسطينية»[139].

تلك العوامل وغيرها من أسبابٍ داخليةٍ وخارجيةٍ «تجمعت على تدمير لبنان وخرابه»[140] ولا يمكن إنقاذ هذا البلد إلا إذا توافرت له القوى أو الوحدة الوطنية.

ولما رأى مغنية أنه من الصعب تحقيق قوةٍ في لبنان تفوق قوة الإستعمار والمتسلطين على هذا البلد يعمل على تحقيق وحدة اللبنانيين بشتى طوائفهم ومختلف مذاهبهم بغية العودة بلبنان إلى عهده الماضي بلد الحرية والحضارة والعيش المشترك حاثاً اللبنانيين على المحافظة على وطنهم العظيم والعمل على تطويره والنهوض به باذلاً جهده في سبيل تطبيق الديمقراطية وهنا تجدر الإشارة إلى أن مغنية كان آمن بديمقراطيةٍ لا إقطاع فيها ولا رجعية ولا ظلم ولا استبداد ولا مستضعفين ولا مستبدين آمن بديمقراطيةٍ يصبح فيها الراعي في ذمة الرعية فالرعية مصدر السلطة لأنها مصدر النيابة أو التمثيل البرلماني والنائب مصدر الرئاسة والحكومة والتشريع[141].

إلى ذلك فإن مغنية واستكمالاً منه لتحقيق ديمقراطيةٍ عادلةٍ كان أكد على رصد أعمال الحكام وضرورة أمرهم بالمعروف وردهم إلى الصواب عند الخطأ وتقويمهم عند الإعوجاج وبيَّن إرادة وسلطة المجتمع فضلاً عن إرادة الفرد وأعتبر أن «على كل إنسانٍ صغيراً كان أم كبيراً أن ينادي غير هيَّابٍ بكل ما يحس ويشعر وليس لأية سلطةٍ أن تعاقبه ولا لأحدٍ أن يعاقبه ما دام إبداء رأيه لا يخل بالنظام»[142].

وعليه فقد مقت مغنية النظام الرأسمالي وكذلك الشيوعي وآمن بنظامٍ يسود فيه السلام والمحبة والعدل والرحمة والإنسانية والإخاء والمودة والحرية والمساواة[143].

لقد أراد مغنيّة أن يتحرّر الإنسان في وطنه من عبوديّة الحاكم وجوره كما أراد أن يفهم الناس موقفهم من الحاكم وموقف الحاكم منهم وأكد أن الرعيَّة هي المصدر الأول للسلطة في البلاد.

هكذا ركّز مغنية على حكم الشعب وممارسته للّعبة الديمقراطيّة بكل ما في للكلمة من معنىً.

لقد أكّد مغنية أنّ النظام العادل هو الذي يساوي بين جميع الناس دون فصلٍ لأحدٍ منهم أو تمايزٍ، وهو الذي يضعهم على نفس المستوى لجهة حقوقهم وواجبتهم، وأيّ إخلالٍ في نظام العدالة هذا يؤدي إلى إثارة الأحقاد ونشوب الصراع حتى بين الأهل والأخوة[144]، فلنطبق نحن في لبنان المساواة بين كافة أبناء المجتمع وليصبح العدل أساس الحكم «ليكن الحاكم من كان مذهباً ونسباً»[145]، وعليه فإنّ الوطنية المستنيرة العميقة، البعيدة عن الديماغوجية السطحيّة العامّة هي الفكرة الموجّهة لنشاط مغنية الوطني.

وإذا كان مفكرنا قد عمل ناشطاً في حقل الوطنية فذلك لم يكن على حساب أمته العربية التي حظيت أيضاً بنشاطاته ومواقفه الإيجابية وإرشاداته ونصائحه. وليست الوحدة الوطنية التي عمل مغنية على تحقيقها إلا تمهيداً لتحقيق الوحدة العربية.

ثالثاً: مغنية والوحدة العربية:

كانت البلاد العربيّة في نهاية القرن التاسع عشر مسرحاً لمزاهل الدسّ والخيانة، ومرتعاً لعمليّات الظلم والإستبداد. فأوروبا تتحين أقرب الفرص لفرض سيطرتها وبسط نفوذها على تلك البلاد وتركيا حيرى بين قوارع الخطوب. فهي لا تكاد تحلم بالعظمة حتى تفجعها مرارة الواقع. أما المثقفون فقد مزقتهم المذاهب وتنازعت نفوسهم الأهواء فمنهم من فلسف للتفرّق ونادى بالإقليمية؛ ومنهم من رأى وحدة الصف أقوم السبل إلى استعادة المجد السليب ومنهم من جرفتهم لجج اليأس فاستسلموا بذلةٍ وانكسارٍ أما مفكرنا مغنية فقد سار في اتجاهه الإصلاحي تدفعه قوة الشعور بالمرارة وتحدوه عذوبة الأمل بالخلاص. فعلى صفحات الكتب والمجلات والصحف راح يرسم للعرب طريق الوحدة ويلح عليهم في سلوكه معتبراً أن أمر العرب إنما تصلحه «الألفة والوحدة»[146] مذكراً بأن الدولة العربية الإسلامية كانت «قد لعبت دوراً في نشر الحضارة شرقاً وغرباً.... فقد امتد نفوذها وسلطانها إلى ما وراء البحار»[147]، مؤكداً لهم أن التاريخ لن يتحرك تلقائياً إلى الأمام وإنما يحتاج إلى إرادةٍ إنسانيةٍ محركةٍ توجهه وتسيره وفق الطريق السليم[148]. فما هي ملامح تلك الوحدة التي شايع مصلحنا أنداده من المصلحين في الدعوة إليها؟ أهي وحدة الحكم التي تصنع من الدويلات العربية الممزقة وطناً واحداً؟، أم هي وحدة الفكر والشعور التي ستعى إلى لمّ الصفوف وتآلف القلوب؟ أم أنها منبعثةٌ من الوحدة الإسلامية التي دعا إليها مغنية؟ وما هي بالتالي الأسس الفكرية لتلك الوحدة؟.

لقد كثرت دعوات الوحدويين في خلال القرن التاسع عشر واختلفت فيما بينها اختلافاً ملحوظاً فمن داعٍ إلى النعرة الوطنية على أساسٍ من التعصب للجنس أو الولاء للإقليم إلى آخر يتخذ من اللغة العربية أقوى الركائز القومية شامخةً تجمع الناطقين بالضاد في نطاقٍ واحدٍ. أما مغنية فقد بارك كل فكرةٍ ترمي إلى التسارع لدرء الخطر الخارجي معتبراً أن الوحدة لا تؤدي إلى التماسك والقوة وتقضي على التفرق والتفسخ قائلاً: «لقد تفرقت كلمة العرب والمسلمين من قبلُ وتفسخت قوتهم بفعل السيطرة المعتدية من الداخل والخارج وكدنا نرجع إلى الجاهلية الأولى لو لم يطلق جمال والقوتلي قمر الجمهورية العربية»[149].

لقد أولى مغنية عنايته واهتمامه للوحدة العربية بعيداً عن التعصب لجنسٍ أو لإقليمٍ. يذهب مغنية إلى القول: «علينا نحن رجال الدين أن نعلن على الملأ وفي كل مناسبةٍ أن العرب أمةٌ واحدةٌ ليس فيها جبهةٌ مسيحيةٌ أو إسلاميةٌ لنقطع الطريق على المضللين والعملاء والمتآمرين»[150]. ذلك لأنّ هذا النمط من الوحدة ليس مجرد حلٍّ تقتضيه ضغوطات العصر وضروراته ولا مجرّد فكرةٍ تناقلها أهل الغيرة وأهل الرأي؛ ولكنه قبل ذلك كله واقعٌ تاريخيٌّ معاشٌ تحقَّق في ظلّه للعرب أحلى ما يطمحون في حياتهم، فضلاً عما تعتمد عليه هذه الوحدة من الرصيد العاطفي عبر الأجيال الأمر الذي يجعل تحقيقها أكثر يسراً. يقول مغنية في هذا الصدد» أما الدولة أو الوحدة العربية فهي تاقة الأسباب والعوامل من كل وجهٍ فالأرض واللغة والمصالح واحدةٌ والتاريخ والتراث والأصل والإقتصاد واحدٌ وكل مسائل الحياة العربية وشؤونها يجمعها رابطٌ واحدٌ. وفوق ذلك كله الكيان الصهيوني الإسرائيلي في فلسطين الذي هو شوكةٌ داميةٌ في قلب كل عربيٍّ مسلمٍ فإذا لم توحدهم هذه الكارثة العامة القاصفة فلا شيء يوحدهم على الإطلاق»[151].

إذاً، تقوم وحدة العرب بنظر مغنية، على أسسٍ متكاملةٍ هي الأساس التاريخي والأساس الوجداني والأساس السياسي فضلاً عن الأساس الإقتصادي وما له من تأثيرٍ بالغٍ في عملية الإستقلال والوحدة. وعلى ذلك فالوحدة العربية التي دعا إليها مصلحنا هي توحيد السياسة الخارجية وتوحيد الدفاع وإزالة الحواجز المصطنعة من البلدان العربية يقول مغنية «كم يؤلم وجود الحدود المصطنعة بين أبناء العرب حتى أن العربي في يومنا هذا بحاجةٍ إلى جواز سفرٍ وسمات دخولٍ ليتنقل في وطنه العربي الكبير»[152].

إنّ الوحدة التي دعا إليها مغنية كانت كما رأينا وهي وجدانٌ صادقٌ ونبض قلبٍ غيورٍ. إنها باختصار وحدة هدفٍ في خلالها إلى حث العرب للعمل على تحقيق الإستقلال واستعادة حقوقهم المغتصبة، مؤكداً أن «من مات دون عقالٍ من ماله مات شهيداً فكيف بمن مات في مقاومة إسرائيل عدوة الله والوطن والإنسانية جمعاء»[153] متألماً من العار الذي لحق العرب من جراء اعتداء إسرائيل على جزء والسّلام للعالم كله»[154].

من هنا فإنّ الوحدة العربيّة التي دعا إليها مغنية كانت وحدة هدف من خلالها إلى حث العرب للعمل على تحقيق استقلالهم واستعادة حقوقهم المغتصبة لا سيما في فلسطين لذا تصدرت المسألة الفلسطينية عنده سائرَ مشاكل العرب وهمومهم. وصور مغنية مأساة فلسطين على أنها كلية إنسانيةٌ عالميةٌ وليست عربيةً فحسب.

وأجلَّ العمل الفدائي الذي انطلق بغية تحرير فلسطين وعودة أهلها وأبنائها إليها أجلَّ فيه روح العطاء وأكبر فيه تضحية النفس واعتبر أن هذا العمل الذي يعبر عن إرادة كل حرٍ غيورٍ مخلصٍ. فالفدائيون على حد قوله: «يعبرون عن إرادة كل حرٍ ورغبة كل مخلصٍ في تحرير الأرض المحتلة»[155]. وهم بالتالي طلائع الثورة العربية الكبرى «ففداؤهم هو حجر الأساس لثورة الشعب العربي بأسره»[156]، وهاجم مفكرنا كل من انتقد العمل الفدائي ونذكر على سبيل المثال لا الحصر رده على رجل الدين الذي سمى الفدائيين بالمخربين فقال له: «الفدائيون مخربون يا محترم وأنت وإسرائيل مصلحون؟ ولماذا الفدائيون مخربون؟ ألأنهم متمسكون بحقهم وفي سبيله يقتُلُون ويقتَلون أو لأنهم غيروا وبدلوا اسم اللاجئين باسم الفدائيين هل أنت في قولك هذا مطيعٌ لله ورسوله ومجاهدٌ مناضلٌ تؤدي واجباً دينياً ووطنياً وبيَّن مغنية في دفاعه عن القضية الفلسطينية التي عاشت في ضميره وعقله وقلبه أن إسرائيل لا تنتقم من القرى الآمنة والشعب البريء بنتيجة العمل الفدائي وإنما تعمل ذلك وفق مخططٍ استراتيجيٍّ إرهابيٍّ تهدف من خلاله إلى طرد العرب من فلسطين وهذا لن يتم إلّا بارتكاب المجازر والمذابح باستمرارٍ».

ولم يتوقّف مغنية عن دعوة العرب إلى استرداد الحق السليب وتذكيرهم بتراثهم الحضاري الديني في فلسطين وبدمائهم التي اختلطت بالماء والتراب مشيداً بالدفاع الفلسطيني المستميت والتضحية التي يقدمها ذلك الشعب المظلوم من الوطن العربي متسائلاً باستهجان واستنكارٍ وازدراءٍ: «أي شيءٍ على العرب والمسلمين أشد وأعظم من هوانهم على إسرائيل... أبداً كلما عقدوا مؤتمراً تمادت إسرائيل في البغي والتوسع. وكلما رفعوا صوتاً استهانت بهم وبكل حقٍّ وشرعيةٍ وسرّ الأوضاع الفاسدة السائدة في كل بلدٍ إسلاميٍّ وقطرٍ عربيٍّ... ولاءٌ وتبعيةٌ وجهلٌ ورجعيةٌ وخلافٌ وصراعٌ فيما بينهم وبين إسرائيل، و كل حاكمٍ وقائدٍ يتخذ منها ميداناً للمزايدة والمداورة وساحةً للمراهنة والمناورة»[157].

ويؤكد مغنية أنه كان لمواقف الإستعمار المعادية للأمة العربيّة والهادفة إلى تشتيت قوة العرب وتمزيق وحدتهم وبخاصةٍ مواقف إسرائيل منها أكبر الأثر في يقظة العرب وصحوتهم من سباتهم العميق فتنبهوا إلى ما يجري حولهم، وأخذت بعض الدول العربية من جراء ذلك تتعاون مع بعضها معلنةً الوحدة التامة فبرزت القومية العربية حركةً واعيةً تدعو إلى وحدة العرب الشاملة وتعمل على تعزيز موقفهم في العالم وتسعى إلى تحرير العالم العربي من براثن الإستعمار الذي خاب أمله عندما أيقن أن محاولاته الهادفة إلى تشتيتات بعثت فينا على حد قول مغنية: «الشعور بوجوب التعاون والتكامل وجعل منا قوةً هائلةً متماسكةً لا تحد ولا ترد فهذه القومية العربية وتلك صبحاتها الواعية المناضلة ترتفع من أفواه العرب أجمعين مسيحيين ومسلمين»[158] ومغنية الذي يطالب بوحدةٍ عربيةٍ شاملةٍ إنما يفعل ذلك بطريقةٍ متدرجةٍ وعقلانيةٍ فهو يعتبر أن تلك الوحدة يمكن تحقيقها على مراحل تبدأ بوحدة سوريا ومصر كمرحلةٍ أولى يعتبرها أساس الوحدة العربية الكبرى فيقول: «إن وحدة سوريا ومصر سبيلٌ للوحدة الشاملة الكاملة»[159] وعموماً فإن مغنية لم يتحدث إلا عن هاتين المرحلتين في سبيل تحقيق الوحدة العربية الشاملة والتي تعبر عن سياسة العرب الواحدة وهي «إعزاز القومية العربية»[160].

إلى ذلك فإن الوحدة العربية المنشودة لا يريدها مغنية أن تكون على غرار الجامعة العربية الحكومية التي «في ظلها تراكمت الويلات على العرب وكفى بالدولة الصهيونية وبالاً ونكالاً... ثم وجد حلف بغداد»[161] وإنما يريد تضامناً عربياً «يقضي على مطامع الطامعين»[162].

هذا ويشجع مغنية العرب على كل مواقفهم الحرة والمشرِّفة فهو يشيد على سبيل المثال لا الحصر، بموقفهم الموحد حين هبوا يداً واحدةً وكلمةً واحدةً وصفاً واحداً يدافعون عن مصر إثر الإعتداء على إحدى مدنها بور سعيد فيقول: «بالأمس ويوم الأعتداء على بور سعيد هب العرب في كل مكانٍ المسلمون والمسيحيون لنصرة مصر وخرجت النجف... تهتف باسم القومية العربية وتساقطت القتلى وهي تردد «يحيا العرب»[163].

كما يحي مغنية مواقف العرب التي انبثق عنها القمر الأول يعني وحدة مصر وسوريا ويؤكد أن العرب بإعلانهم الوحدة العربية بين مصر وسوريا قد أثبتوا للناس أنهم أمّةٌ واحدةٌ لا انفصام فيها ولا اختلاف ولا جبهاتٍ ولا تخاصم. وبالتالي فلا حق عربياً يضيع وخاصةً فلسطين فيما إذا كان وراء الحق مطالب.

إلى ذلك فإن مغنية كان ينتظر من الأمّة العربية انطلاقة قمرٍ ثانٍ أكبر من الأول حجماً وأكثر فائدةً وتأثيراً ويعني به الوحدة العربية الشاملة فيقول: «عما قريب نطلق قمراً ثانياً أكبر حجماً وأثقل وزناً وأعظم فائدةً إن قمرنا الثاني يحقق الحرية والإستقلال لشعوب آسيا وأفريقيا وإلى ذلك، فقد حث مغنية العرب والمسلمين على التعاون في سبيل قضية فلسطين خاصةً أن مقومات التعاون والتضامن متوفرةٌ.

كما أعلن أن من يموت في سبيل تلك القضية إنما يموت شهيداً فقال: «وأي شيءٍ في الكون كله أعظم و أفضل من الجهاد والإستشهاد من أجل الوطن والعدل والحرية»[164].

وأكدَّ أن كلّ الأديان لا تحرم «التضحيات من أجل دفاع الإنسان عن وطنه... وإن عظم الثمن»[165].

هذا ولم يقتنع مغنية بأن المسألة الفلسطينية وقفٌ على العرب والمسلمين وحدهم وإنما راح يعلن صراحةً بأن ما حدث ويحدث في فلسطين من إراقة دماءٍ وسلب أراضي هو من مسؤولية العالم بأسره، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية واستغرب المفكر حصول هذه النكبة في عصر العلم والذرة فقارن بينها مع فارق الزمان والمكان وبين مأساة كربلاء لما بينهما من شبهٍ كبيرٍ يتمثل في الظلم والقتل والإبادة والتشريد يقول مغنية في ذلك: «مذبحة كربلاء أليمةٌ وعظميةٌ تمثلت فيها النكبة الإنسانية الشاملة وملحمة الشعب الفلسطيني أيضاً أليمةٌ وعظيمةٌ لأن الصهاينة يريدون تصفية هذا الشعب وإبادته بكل الوسائل وسد باب الأمل في العودة نهائياً لتعيش وحدها في فلسطين قريرة العين... أين العمل المشترك والموقف الواحد ضد مخطط الإبادة أرأيت هذه الفاجعة تحدث في القرن العشرين عصر النور والفضاء؟. وهل قرأت لها مثيلاً عبر التاريخ؟ أجل لقد حدث مثلها في كربلاء ولكن في القرن السابع حيث لا فتوحات للعلم... إن العالم الآن بأسره شريكٌ في كل ما حدث ويحدث للبنان والفلسطينين.... ومسؤولٌ عن كل ما حل بهم من نكباتٍ... وبالخصوص الولايات المتحدة الأميركية التي أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل بضرب لبنان»[166].

وجماع القول فإن مغنية كان قد نهض بالإصلاح السياسي عن طريق مواقفه الوطنية والقومية لقد أكد على الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية فراح يحدد علاقات الإنسان بمجتمعه ويبين واجبات وحقوق كلٍّ من الدولة والفرد ويذكر بالنزعة الإيثارية التي يجب أن تتقدم على المصلحة الفرديّة؛ لأن المجتمع هو الأسمى وهو صاحب السيطرة ومقدم التضحية. كما أهاب بكافة أبناء وطنه على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم أن يتعاونوا من أجل التحرر والإستقلال. واعتبر أنّ الوحدة الوطنية هي طريقٌ لوحدة العرب الكبرى إذ أنهم يشتركون في عنصري التاريخ والوجدان. ومن هنا وجب اتحادهم وتعاونهم... بالرغم من الفواصل والتباعد بين أقطارهم.. لتأمين مصالحهم وحل مشاكلهم.

ومهما يكن من أمرٍ فقد تحمل مغنية مسؤولية المفكر الذي يتكفل حق الإشراف على سير المجتمع في عصره وحسبنا أن ننظر فيما حققه مفكرنا على صعيد المواضيع السياسية لنحكم أنه نفع في مجال العمل في السياسة أكثر من نجاح المحترفين فيها، لكن هل نستطيع في ضوء ما قدمناه من مواقف مغنية السياسية أن نقول إن للرجل نظريةً سياسيةً متكاملةً يمكننا بواسطتها أن نصنفه من بين المفكرين السياسيين؟ لا نزعم أنَّ لمغنية نظراتٍ سياسيةً متكاملةً كتلك التي ذاعت عن روسو أو أثرت عن أفلاطون ولا نحسب أن طموحه الشخصي قد اتجه إلى هذه الغاية ذات يومٍ وإنما بقيت آراؤه في السياسة متفرقة استوحاها من تجاربه الخاصة وقراراته الطويلة ولم تتجه مشيئته إلى ربطها بخيطٍ من المنطق أو الجمع بينها في إطارٍ من التصنيف، ولو حاولنا بدورنا أن نستنتج حدود ذلك الإطار وسعينا إلى تصنيف محتواه لرأينا أن لا أمل في الإصلاح السياسي عنده إلّا بتحقيق الحرية الفردية والجماعية. ذلك أن الحرية من أهم مواصفات الدولة ومقوماتها الأساسية. كما أن استعمال مغنية لألفاظ الوحدة والعدالة والمساواة إنما كان بغاية الوصول إلى دولةٍ مثاليةٍ عادلةٍ لها صفاتٌ فاضلةٌ ومما لا ريب فيه هو أنّ مغنية كان عازفاً عن السياسات الحزبية مقتنعاً أشد الإقتناع أن السياسة ما دخلت شيئاً إلا أفسدته وكان قد أشار صراحةً إلى الأضرار التي لحقت بالعقائد الدينية حين تغلغلت فيها الأهواء السياسية فأورثت المسلمين الشقاق والتباعد والخلاف.

كان مغنية نصيراً للنظام الديمقراطي مدافعاً عن الحريّة الوطنيّة متمسّكاً بمشاعره القوميّة بعيداً عن كل تعصّبٍ، لقد حدّد لنا واجبات كلٍّ من الراعي والرعيّة، راسماً بذلك صورةً عن دولة الحق التي حاكت في عدالتها خاصّةً، وفي بعض نواحيها عامّةً، جمهوريّة أفلاطون ومدينة الفارابي، ودعا إلى القوّة التي يجب ألّا تستعمل إلّا للدفاع عن الحق.واختصار الكلام هو أن مغنية لم يلتزم بفلسفةٍ سياسيةٍ معينةٍ وإنما تنقل من مذهبٍ إلى آخر ومن فلسفةٍ إلى أخرى متفاعلاً مع ما يتناسب وعراقة تراثه.

ولو حاولنا أن نكشف عن مصادر منابع هذه الرؤى السياسيّة وتلك المواقف عند مغنيّة ؛ لألفيناها تستمدّ جذورها من الإسلام لا سيما القرآن.

فإذا كشفنا عن مبدأ الحرية لوجدنا أنّ القرآن عبَّر عنه بقوله: ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ [167]. أمّا القوّة، فنجد ما يؤدي مضمونها في الآيتين الكريمتين ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﭼ[168] ﭽ   ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﭼ [169]. أمّا آيات التعاون فكثيرةٌ في القرآن نذكر منها ﭽ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭼ [170].

تلك كانت أهم المناحي الفكريّة والمواقف الإصلاحيّة السياسيّة عند مغنيّة والتي سعى من خلالها إلى تحقيق العدالة والمساواة والقضاء على الفوارق التي تلمّسها في مجتمعه.

مغنية والعلايلي
وجرأة العلمين في مواقفهما

الدكتور قدرت الله علي زاده[171]

ó

ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﭼ [172]

سيداتي سادتي الكرام...

أصحاب العلم والفضيلة والسعادة...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

لعله من الصعب على الكاتب أن يتطرق بشمول وسعةٍ، عندما يقدم على البحث لتوصيف شخصيةٍ علميةٍ ذات أبعادٍ في حياتها الفكرية والعملية خاصةً إذا لم يكن قد عايش تلك الشخصية أو عرف ظروفها الإجتماعية وما شابه عن قرب فكيف بي وأنا أمام رائدين وعملاقين للفكر والأدب والفقه وشخصيتين مرموقتين بذلا الغالي والنفيس ولم يجنيا من هذه الدنيا سوى المتاعب والمصاعب والهجرة من دار إلى اخرى ولم تقدم لهم من الهبات والهدايا الدنيوية سوى التهم والأذى. لكن الواقع المرير الذي عاشه هذان العلمان الصابران لم يوقف عزيمتهما في الإستمرار على طريق الحق والدفاع عنه مهما قل الناصر ووعرت السبل واشتدّ الوضع أمام مسيرتهما الجهادية في سبيل الله، جهاداً علمياً وعملياً من أجل انقاذ المجتمع الإنساني من الجهالة والوثنية، جهاداً دؤوباً يستند إلى حول وقوةٍ ربانيةٍ تدعو إلى الخير ولا تريد للناس إلا الحسنة في هذه الدنيا والآخرة. ولا تترجى من الله سوى الرضا فأولئك رضى الله عنهم ورضوا عنه.

فقد تناولت في هذه الورقة جانباً مهماً من حياة العلمين الكبيرين «العلامة شيخ محمد جواد مغنية والعلامة عبدالله العلايلي رحمهما الله».

ألا وهو الجرأة في اتخاذ المواقف العلمية والفكرية أو المواقف العملية وهي صفةٌ كثيراً ما نفتقدها في طريق هداية البشرية وهي من صفات القادة والرواد والمصلحين الذين بعثهم الله لهداية البشرية وإخراجهم من ظلمات الشرك والكفر والجهل إلى نور التوحيد والعبودية والمعرفة.

إن الخروج على العادات الإجتماعية السلبية وتغيير الأفكار المتجذرة في ثقافة المجتمع كما يقول علماء علم النفس بحاجةٍ إلى إرادةٍ صلبةٍ ومعرفةٍ واسعةٍ ووضوحٍ في الموقف وحكمةٍ في التصدّي، وشجاعةٍ للإقدام عليه قد لا يتحلى بجميع هذه الصفات إلا الأوحدي الذي أسس بنيان حياته على العلم والتقوى والإيمان متوكلاً على الله في كل الأحوال.

وفي هذه الورقة قد تطرقتُ إلى بعض المواقف الجريئة لهذين العلمين لأنهل من معينهما العذب وصولاً إلى شريعة الحق إن شاء الله.

إن الحفاظ على الدين والقيم الإنسانية بعد تقبلها من أهم واجبات الإنسان المؤمن فكيف به إذا كان عالماً ومصلحاً وأسوةً للمجتمع الإسلامي لأن المغريات تقدم عادةً للكبار من أجل إبعادهم عن مبادئهم أو فتح الباب لارتكاب المآثم لأنهم هم السدّ المنيع الرصين الذي يقطع الطريق على جور الظالمين وكيد الحاقدين، كيف بهذا الإنسان إذا كان قد عين قاضياً لإحقاق حقوق الناس والدفاع عن مظالمهم وهو أمل المضطهدين وعندما يقطع السبيل على المظلوم، فيبقى سبيله الوحيد للوصول إلى ما يستحقه، هو حكم القاضي، الذي عليه أن يحكم بالحق وبما أنزل الله وأي غفلةٍ أو تغافلٍ سوف يوصله إلى مالا يحسن عقباه لأن القاضي على شفا حفرةٍ من النار حتى يحكم بما جاءت به الشريعة، ومن هذا المنطلق الإنساني والإسلامي عندما طلب أحد المسؤولين اللبنانيين من العلامة مغنية أن يصدر حكماً قضائياً وفقاً لما يريده المسؤول، الذي قال له: «استجب لطلبي، فأني سأثبتك في الرئاسة» فامتنع الشيخ منتفضاً وغاضباً في سبيل الله طالباً رضا الله ، لا رضا غيره قائلاً للمسؤول: «إني أهتم أولاً بتثبيت ديني قبل تثبيتي في الوظيفة. أما الكرسي فظلٌ زائلٌ»[173]. وبعد هذه الحادثة وفي عام [ألف وتسعمائة وثمانية وستون ميلادي] اعتزل العلامة عن جميع مسؤولياته لأنه لا يرضى أن يكون وسيلةً لإبطال الحق وتثبيت الباطل حتى لو كان هذا الأمر يكلفه منصبه وماله وحياته.

والعلايلي هو الآخر وسط الأجواء السياسية المشحونة والصراعات الطائفية المتفاقمة في لبنان قام بواجبه الديني والوطني وترسيخ القيم الإنسانية المتسامية، جاهد ضد الإنتداب والحكم آنذاك وأنار السبيل أمام أبناء الوطن وحثهم على مقاومة الظلم والطغيان والإضطهاد والتخلف والجهل أياً كان مصدره ومنبعه واستخدم سلاح الكتابة وهو أمضى سلاحٍ للعالم العارف في سبيل هداية الإنسان وتوعيته وترشيده ورفع حجاب الجهل والغفلة عن عقول وقلوب أبناء جلدته.

كانت أول كتاباته «إنني أتهم» وهكذا «تاريخ الحسين» والذي يهدف إلى رفع الظلم التاريخي الذي لحق بالإمام الحسينQ من جراء قيامه ضد طاغية عصره يزيد بن معاوية وقد كان كلٌّ منهم نموذجاً بشرياً نقيضاً للآخر فالامام الحسينQ من قمة الطهر والصفاء والإيمان والفناء في الله ويزيد بن معاوية في قعر الرذيلة والفسق والتعلق بالدنيا. وحرّر ايضاً كتباً أدبيةً أخرى عندما أحس بأن اللغة بحاجةٍ إلى فك رموزها وأسرارها كي لا تندثر أو تنحرف مقاصد أدباء العرب. وكتب عن أم المؤمنين خديجة الكبرى بعد أن وجدها الزوجة الصالحة والقدوة الحسنة، والتي وقفت بكل قوة إلى جنب نبي الإسلام محمدP، وتعهدت بصرف مالها على مصلحة الإسلام والمسلمين، وجعل اسمها «مثلهن الأعلى». وعلى هذا النهج الإصلاحي في الكتابة الدينية والتاريخية استمر العلامة العلايلي، فكتب عن الإمام عليٍّQ وتناول كفاحه ومرجعيته الدينية وسياسته وأخلاقه وكتب عن أئمة الشيعة الإثنى عشر في كتابه الإمام الحسين منتهجاً فيه نهجاً قصصياً وكتب الكتب المثالية كما كتب وشارك في المجالات الصحفية، كمجلة الأديب وصحيفة «كل شيء» واستخدمهما منبراً للهجوم على الحكام فكاد لا يخلو مقالٌ للشيخ إلا وتناول فيه شؤون السياسة والحياة الإجتماعية بشكل عام.

وقد نال العلامة العلايلي إعجاب الناس والكثير من جمهوره المعجبين به، والذي تزايد يوماً بعد يومٍ، لكونه يمتلك صراحة واضحة، لا يهاب الظالمين والمُفسدين وجريءٌ لا يهادن فضلاً عن أنه قادرٌ على فضح أساليب الحكام الذين لا يرون سوى مصالحهم ومآربهم الشخصية.

وعندما شغر منصب الإفتاء سنة 1952 «الف وتسعمائة واثنان وخمسون» بوفاة الشيخ محمد توفيق خالد، ترشّح مصحوباً بتأييد الشعب والمفكرين لأنهم كانوا يرون فيه القادر على الإصلاح وعلى نفض الغبار عن بعض العادات والتقاليد والمعتقدات التي باتت بحاجةٍ إلى إعادة درسها من جديدٍ، أمام هذا الإجماع على تأييد العلايلي ازدادت مخاوف أهل الحكم آنذاك وهم الذين كانوا يعرفون صراحته وجرأته في معالجة الأمور، فأرهبهم نجاحه في الإفتاء فوقفوا ضده بكل إمكاناتهم واستطاعوا إسقاطه والحؤول دون وصوله إلى المنصب الديني الأول عند المسلمين في لبنان؟[174].

لكن هل سقط العلايلي من أعين الناس وعقولهم وقلوبهم أم ازداد شموخاً وعلواً، وهل أحبطوا عزائمه وإرادته وتصميمه في ارتياد الطريق الذي شقه عقوداً من الزمن أم زاد إيماناً ووعياً وجرأةً واعتزازاً لاستمرار النهج في سبيل الله والدفاع عن الدين والشعب.

هذا هو دِيْدنُ العلماء الصالحين في الدفاع عن دينهم وأرضهم وعرضهم فهم لا يخشون في الله لومة لائمٍ وحتى لو اجتمع الكل ضدهم فلا يخشونهم بل يزدادون إيماناً وعزيمةً ﭽ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭼ [175].

يا ترى كيف واجه العلامة مغنية التهديدات التي أرسلت له من السفارة الأميركية وحذرته من مغبة المواقف البطولية ضدها، وأرادوا إغرائه باللقاء مع روزفلت فقال لمن طلب منه ذلك بالحرف الواحد: «إسمع يا هذا إن أميركا ألدّ عدوةٍ للإسلام والأمة العربية، أميركا أوجدت إسرائيل، قتلت شعبنا في فلسطين، وشردته من دياره، إن دماء أبنائنا مازالت تنزف في دير ياسين وعلى أرض فلسطين، وإخوتنا يقتلون بسلاح أميركا الذي تقدمه إلى إسرائيل.. وبعد هذا تدعوني إلى زيارة الأسطول السادس»[176].

وعندما يكتب عن الكيان الصهيوني الغاصب والقوة السرطانية التي لازالت تنشل من الجسد الإسلامي. ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية وأعوانها في المنطقة جعلته يتألم ويقول: حين وقعت الحرب الرابعة وأشارت كل الدلائل إلى هزيمة إسرائيل، طار الصواب من رأس أميركا وجن جنونها وتحولت بطائراتها إلى جسرٍ هوائيٍّ من أحدث الأسلحة بينها وبين تل أبيب، فغضب العرب غضبةً جماعيةً وقطعوا النفط عن أميركا.. فسجدنا لله كثيراً.. ولكن بعد أن تضاعفت أسعار النفط وتكدّست أثمانه بالمليارات حملها العرب بالكامل الى اميركا ومصارفها.. وكلنا نعلم ان قوة أميركا وإسرائيل هي قوة سلطان البغي والجور في شرق الأرض وغربها. وهل أدل على ذلك مما حدث ويحدث من ظلمٍ ومظالم في فيتنام، وروسيا، وجنوب أفريقيا، والمستعمرات البرتغالية وغيرها كثير؟! وهكذا أصبح المال العربي «من حيث لا يريد أهله وأصحابه» سلاحاً يُعتدى به على العرب أنفسهم وعلى كل شعب مستضعفٍ في أرض الله وبلاده[177].

وقد أثار هذا الأمر حفيظة علامّتنا الجليل «مغنية» فوجه نقده لبعض العلماء بسبب عدم تواصلهم مع حركة الكفاح ضد الإستكبار حيث يقول: «والذي حزّ في نفسي أن الشيوخ ما صموا الآذان عن ندائي لأنه خطأٌ واشتباهٌ، كيف وقد درسوا في الفقه الإسلامي أن بيع السلاح للعدو حرامٌ محرّمٌ وعلى حد الشرك بالله؟!.. ولولا المال العربي وتصديره إلى أميركا ما غرقت إسرائيل بالمساعدات المالية والعسكرية»[178].

وهناك مواقف فقهيةٌ وتاريخيةٌ وكلاميةٌ جريئةٌ في كتابات العلمين الراحلين نأمل أن يتطرق إليها أهل الفن والعارفون بها لاستنارة الدرب للأجيال اللاحقة من العلماء والمفكرين في المستقبل.

فالمشاريع الفكرية التي انبرى لها هذان العلمان تحتاج إلى فريق عمل متنوع الإختصاصات، يعمل بجهدٍ دائب وعزم متواصل من دون كلل أو تعب أو تفكير، إن شاء الله.

[1] باحث وداعية.

[2] سورة البقرة، الآية 31.

[3] سورة الحج، الآية 8.

[4] مستشار قائد الثورة الإسلامية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ورئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

[5] سورة الأحزاب، الآية 21.

[6] سورة الروم، الآية 30.

[7] (*) أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية.

[8] عاين بنفسه نتائج الحرب الكونية الأولى، وتداعياتها على العالم الإسلامي، والحرب الثانية، ونكبة فلسطين والهزائم العسكرية للعرب أمام إسرائيل وحرب لبنان... وغيرها من الكوارث.

[9] محمد جواد مغنية، تجارب محمد جواد مغنية بقلمه، ط1، بيروت: دار الجواد، 1980م، ص11 و89 و12 و21 ة22 و93. وغيرها من صفحات هذا الكتاب.

[10] م.ن، ص17-18- 83 و89... وغيرها من الصفحات.

[11] م.ن، ص12.

[12] تجارب محمد جواد مغنية، ص100 وما بعدها.

[13] مغنية، المجالس الحسينية، ط1، بيروت: مكتبة الأندلس، 1956م، ص66.

[14] مغنية، مفاهيم إنسانية في كلمات الإمام جعفر الصادق، ط1، بيروت: دار التعارف 1997م، ص60-61.

[15] مغنية، الوضع الحاضر في جبل عامل، ط2، بيروت، دار التيار الجديد، 1984م، ص79.

[16] مغنية، صفحات لوقت الفراغ، ط2، بيروت: دار التيار الجديد، 1984م، ص50.

[17] الوضع الحاضر في جبل عامل، ص16-17.

[18] م.ن، ص 13 و15 و16-17.

[19] م.ن، ص13.

[20] صفحات لوقت الفراغ، ص50.

[21] مغنية، من هنا وهناك، بيروت: منشورات الأعلمي، 1968م، ص76.

[22] م.ن، ص100.

[23] مغنية، من ذا وذاك، ط1، بيروت: دار الكتاب الإسلامي، 1979م، ص75.

[24] مغنية، الإسلام مع الحياة، ط1، بيروت: دار العلم للملايين، 1977، ص274. ومع الشيعة الإمامية، ط1، بيروت: دار الأندلس، 1956م، ص310.

[25] من هنا وهناك، ص97.

[26] مغنية، الإسلام مع الحياة، ص46.

[27] مغنية، الشيعة والحاكمون، بيروت: المكتبة الأهلية، 1961م، ص194.

[28] م.ن، ص19.

[29] م.ن، ص311.

[30] الإسلام مع الحياة، ص48.

[31] الآخرة والعقل، ص233.

[32] تجارب معنية، ص287.

[33] تجارب مغنية، ص289.

[34] م.ن، ص319.

[35] م.ن، ص292.

[36] م.ن، ص288.

[37] تجارب مغنية، ص289.

[38] م.ن، ص293.

[39] من ذا وذاك، ص121.

[40] تجارب معنية، ص294.

[41] من هنا وهناك، ص34.

[42] من هنا وهناك، ص34.

[43] تجارب مغنية، ص33.

[44] م.ن، ص85، وصفحات لوقت الفراغ، ص175.

[45] تجارب، ص56 وص65.

[46] تجارب مغنية، ص64.

[47] م.ن، ص296.

[48] م.ن، ص131.

[49] التفسير الكاشف، ج5، ص44. والوضع الحاضر في جبل عامل، ص45. وتجارب مغنية، ص17.

[50] صفحات لوقت الفراغ، ص27. وقيم أخلاقية قي كلمات جعفر الصادق، ص50. والوضع الحاضر في جبل عامل، ص54. وتجارب مغنية، ص47.

[51] تجارب مغنية، ص73.

[52] تجارب مغنية، ص73.

[53] م.ن، ص23.

[54] م.ن، ص30.

[55] م.ن، ص67.

[56] تجارب مغنية، ص56. وعلم أصول الفقه في ثوبه الجديد، ط8، بيروت: دار العلم للملايين، 1980م، ص32.

[57] تجارب مغنية، ص54.

[58] مغنية، الوجودية والغثيان، ط1، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1977م، ص35.

[59] مذاهب ومصطلحات فلسفية، ص95.

[60] مغنية، شبهات الملحدين والإجابة عنها، بيروت: المكتبة الأهلية، د.ت، ص36 و38.

[61] مغنية، علي والفلسفة، بيروت: مكتبة النهضة 1963، ص51.

[62] الوضع الحاضر في جبل عامل، ص6.

[63] نفحات محمدية، ص177.

[64] نفحات محمدية، ص177.

[65] الإسلام بنظرة عصرية، ص95.

[66] الإسلام مع الحياة، ص159.

[67] من هنا وهناك، ص223.

[68] الإسلام مع الحياة، ص12.

[69] الإسلام مع الحياة، ص121.

[70] م.ن، ص160.

[71] م.ن، ص84.

[72] م.ن، ص145.

[73] م.ن، ص156.

[74] الإسلام مع الحياة، ص156.

[75] م.ن، ص276.

[76] الإثنا عشرية وأهل البيت، ص 100 و102.

[77] نظرات في التصوف، ص5.

[78] مع الشيعة الإمامية، ص414.

[79] الإسلام بنظرة عصرية، ص108-190.

[80] الإسلام مع الحياة، ص155.

[81] م.ن، ص155.

[82] م.ن، ص156.

[83] م.ن، ص223.

[84] الإسلام مع الحياة، ص223.

[85] م.ن.

[86] الإسلام بنظرة عصرية، ص102.

[87] نفحات محمدية، ص193.

[88] الإسلام بنظرة عصرية، ص9.

[89] م.ن.

[90] م.ن، ص101.

[91] م.ن.

[92] فلسفة الولاء، ص102.

[93] من ذا وذاك، ص100.

[94] م.ن، ص98.

[95] م.ن، ص103-104.

[96] نفحات محمدية، ص179.

[97] م.ن، ص185.

[98] الإسلام مع الحياة، ص138.

[99] تجارب، ص85.

[100] أستاذ جامعي.

[101] محمد جواد مغنية، تجارب مغنية بقلمه وأقلام آخرين، ط1، دار الجواد بيروت، سنة 1400هـ/1980م.

[102] محمد جواد مغنية، الوضع الحاضر في جبل عامل، العرفان منشورات مجلة المعهد، صيدا، سنة 1947م، ص: 10-11.

[103] تجارب مغنية ، ص: 467.

[104] الوضع الحاضر في جبل عامل ، ص: 6-7.

[105] تجارب مغنية، ص: 460.

[106][م.ن]، ص:427.

[107] محمد جواد مغنية، الإسلام مع الحياة، ط3 دار العلم للملايين، بيروت ، 1979م، ص: 84.

[108][م.ن]، ص: 261.

[109] تجارب مغنية ، ص: 466.

[110][م.ن]، ص: 416.

[111][م.ن]، ص: 386.

[112] الوضع الحاضر في جبل عامل، ص: 13-14.

[113] تجارب مغنية، ص: 13.

[114] الإسلام مع الحياة، ص: 84.

[115] محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ط4، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ص: 197.

[116] تجارب مغنية، ، ص: 30-31.

[117] تجارب مغنية، ص: 447.

[118] دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية، منشورات جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية دار الجواد، بيروت ص: 130.

[119] تجارب مغنية، ص: 444.

[120] الإسلام مع الحياة، ص: 69.

[121] محمد جواد مغنية، فلسفات إسلامية 1-2، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1398/هـ 1978م، ص: 885.

[122] تجارب مغنية، ص: 567.

[123] الإسلام مع الحياة، ص: 171.

[124] محمد جواد مغنية، من ذا وذاك، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، 1399هـ/1979م، ص: 45.

[125] الإسلام مع الحياة، ص: 262.

[126] تجارب مغنية، ص: 467.

[127][م.ن]، ص: 458.

[128] الإسلام مع الحياة، ص: 168.

[129] يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن مغنية: «كان هاجسه الوحدة الوطنية... لم يكن إنساناً تعصبياً أبداً [تجارب مغنية، ص: 582].

[130] فلسفات إسلامية، ص: 796.

[131] الإسلام مع الحياة، ص: 168.

[132] تجارب مغنية، ص: 362-363.

[133] تجارب مغنية، ص: 438.

[134][م.ن].

[135][م.ن]، ص: 276.

[136][م.ن]، ص: 452.

[137] تجارب مغنية، ص: 437.

[138][م.ن]، ص: 435، 436.

[139] محمد جواد مغنية، صفحات لوقت الفراغ، بيروت، دار الكتاب الإسلامي، ط1، 1399هـ/ 1979م، ص: 73-74.

[140][م.ن]، ص: 73.

[141] الوضع الحاضر في جبل عامل، ص: 6-7.

[142][م.ن]، ص: 7.

[143] تجارب مغنية، ص: 161.

[144] من ذا وذاك، ص: 172-173.

[145] تجارب مغنية، ص: 455.

[146] تجارب مغنية ص: 446.

[147] من ذا وذاك، ص: 46.

[148] دعوة التقريب، ص: 126.

[149][م.ن]، ص: 132، تجارب مغنية، ص: 446.

[150] تجارب مغنية، ص: 447.

[151] فلسفات إسلامية، ص: 888.

[152] تجارب مغنية، ص: 32.

[153][م.ن]، ص: 467.

[154] تجارب مغنية، ص: 446.

[155][م.ن]، ص: 465.

[156][م.ن]، ص: 467.

[157] دعوة التقريب، ص: 125.

[158] تجارب مغنية، ص: 444.

[159][م.ن]، ص: 445.

[160] تجارب مغنية، ص: 447.

[161] فلسفات إسلامية، ص: 891.

[162][م.ن]، ص: 892.

[163] دعوة التقريب، ص: 129.

[164] صفحات لوقت الفراغ، ص: 74.

[165] تجارب مغنية، ص: 465.

[166][م.ن]، ص: 474-476.

[167] سورة الغاشية، الآيتان 21-22.

[168] سورة البقرة، الآية 251.

[169] سورة البقرة، الآية 179.

[170] سورة آل عمران، الآية 103.

[171] مساعد الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

[172] سورة النحل، الآية 30.

[173] تجارب محمد جواد مغنية: ص 109

[174] اقتباس من كتاب الشيخ عبدالله العلايلي والتجديد في الفكر المعاصر «الدكتور فايز ترحيني» منشورات عويدات - بيروت -باريس.

[175] سورة آل عمران، الآية 173.

[176] تجارب محمد جواد مغنية - 400.

[177] - المصدر السابق - 431.

[178] - الشيخ محمد جواد مغنية، ص 121 مهدي أحمدي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

الفصل الرابع

المنهج التاريخي
وفهم الحيثيات

الأبحاث:

الشيخ العلايلي في: «الإمام الحسين»
تجليات مفكّرٍ ينظم التاريخ

د. ابراهيم بيضون[1]

من فضول القول إن الرواية - خبراً أو وثيقةً - مرجعية المؤرخ أو المصنف في التاريخ، أو ذلك الباحث مفكراً في مداه، ولكنها ليست وحدها ما يأخذ إلى مقاربة الحقائق، فثمة رديفٍّ لها يكمن في مرجعية العقل، التي تقود حركة البحث التاريخي، بدءاً من التوثيق، فالنقد، إلى السببيّة مدعمةً بتحليلاتٍ ومقارناتٍ، تلتئم جميعاً في ما يصطلح عليه بالمنهج. فقد بات محسوماً أن التاريخ علمٌ له قواعده وأدواته، ولم يعد مجرّد تراكمٍ خبريٍّ يستعاد إنتاجه، بشوائبه ومغالطاته وأهوائه كذلك بذهوله ووفقاً لرأي «ابن خلدون» «عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال، بتبدّل الأعصار ومرور الأيام» ولكنه ليس علماً بحتاً، أو مستقلاً بذاته. لتداخله مع علومٍ أخرى مساعدةٍ كالفقه والجغرافية والإقتصاد وغيرها. إلى ذلك فإن التاريخ يبقى بحاجةٍ إلى جرعةٍ من خيالٍ تبثّ الروح في النصّ الرتيب، ما يجعله في هذه الحالة على مسافةٍ أدنى من الأدب الأكثر تداخلاً معه. وهو ما يذهب إليه الشيخ العلايلي بأَّن التاريخ «إنما ينظم في نسق الآداب التي هي نتاج القوة النظرية، والبحث الإستنتاجي لما يدخله من صور الجماعات والإنفعالات والمؤثرات النفسية والإقتصادية».

وعلى الرغم من الإعتراف الحذر للعلايلي بعلمية التاريخ إلا أنه يميل شخصياً إلى اختصار المنهج بـ»الأسلوب وطرائق البحث» مضيفاً في هذا السياق، بأنه «أي التاريخ» سيظّل فرعاً من الآداب، وإذا كان ما يسوّغ هذا المفهوم لدى لغويٍّ يطوع له الكلام ويبرع في اختيار المناسب منه، لاستنباط أفكارٍ من النصّ ليست متاحةً للمؤرخ العادي للدراسة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب لا يندرج مباشرةً في باب التاريخ وإن كان للأخير حيّزٌ فيه، إذ هو في النتيجة تجلّياتٌ فكريةٌ تزدحم فيها لمعات البطولة والتضحية والفروسية صاغها قلمُ أديبٍ لمّاح، أو لعلها نوعٌ من الشعر ينظم التاريخ في أبعاده الإنسانية القيمية.

ويبدو أن العلايلي لم يشأ الدخول مؤرخاً إلى عالم الحسينQ بما يفرضه ذلك من التزامٍ بالمعايير الصارمة للمنهج، نقداً وتحقيقاً وتعليلاً وكلّ ما يؤدي إلى استبعاد المدخول أو الواهي من الروايات التاريخية هذا الجانب كان مقفلاً أو شبه مقفلٍ لدى الشيخ. حتى أن النصوص التي بنى عليها رؤيته التاريخية وردت من دون تحقيقٍ..... ومن دون توثيقٍ، سوى ما أضاف عليها من مفاهيم ومصطلحاتٍ ربما ناءت بها. ولكن يجب أن نعترف بأن الأسلوب الذي شددّ عليه، ارتقى أحياناً إلى مستوى المنهج. على الأقل بما يطابق نظريته السالفة. مع الفارق هنا، أن توصيفه العلمي للأول يخالف التأنق الأدبي الذي بالغ فيه، وإن بدا منطوياً على دلالاتٍ تدخل في حميم الثاني. وقد يكون من الممكن حسم هذه المسألة، بأن ما قدّمه العلايلي، وإن درج فيه على طريقته أدبياً فهو لا يلغي على الرغم من الإنسياب المستقرّ أحياناً، حسَّ المؤرخ فيه وليس علينا من هذا المنظور أن نقرأ العلايلي خارج هذه المعادلة التي ربما كانت أكثر مواءمةً لمفكرٍ، لا يتوخى من التاريخ سوى اكتناز اللحظة العظيمة في ثناياه وتحديد الهدف الذي يقوده من خلال أدواته الخاصة إليها، ما أكسبه فرادةً أو على الأقل تميّزاً في الدراسات الحسينية.

أما البداية فهي عينها التي ينطلق منها المؤرخ، ولكن للشيخ طريقاً لا يسلكها غيره. في البحث عن نقطة الضوء التي تشّظت صراعاتٍ في الأمة الصاعدة. الإمامة هي المدخل إذاً، بتداعياتها وتأثير العصبيات «في جري حوادث التاريخ» التي عاناها الإمام الحسينQ، وهي «تستدعي «والكلام للشيخ» تمهلاً وأناةً بالغتين، وتستدعي شيئاً آخر... وهو التجرّد من شتى النوازع والسيطرات الوجدانية والإعتقادية، وإلّا فإن أية رؤيةٍ، إذا كانت محكومةً بنازعةٍ أو مغلوبةً بنزعةٍ، تكون بالغةً وإغراقاً في تقرير الجانب الشخصي فقط» وهكذا يُحدّد العلايلي فعلاً وجهة سيره، مستعيناً ببعض أدوات المؤرخ لا سيما الحياد الذي من دونه يتحول التأريخ إلى نمط فكروي»والمفردة الأخيرة له، بمعنى الأيديولوجي» يعوق حركية البحث في مقاربة الحقيقة. هذا من حيث المبدأ، ولكنه - أي الشيخ - في الواقع لا يسير على ذلك. إذ إن الحياد يفقد جدواه أحياناً فكيف إذا كان الموقف أمام الظالم والمظلوم أو أمام «حقٍ لا يقاوم سلطانه» وباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه»، كما عبّر عن ذلك ابن خلدون في هذه المسألة، ومن هذا المنظور سوّغ الشيخ انحيازه لشخصيةٍ كالحسينQ، بما تجسده من قيمٍ سامية، وجذرية في المبدأ. والتزامٍ بحتمية الثورة على نظام الانحراف والمفاسد، أو- حسب توصيفه - على نظام الأحكام العرفية، الذي يهدد الدماء، ويرفع التعارف على المنطق القانوني، ويهدّد كلّ امرىءٍ في وجوده».

وفي ضوء هذه الرؤية، لا يتحرج الشيخ في العودة إلى جذور المسألة، موضوع البحث، وقد يستعين أكثر بآلية المؤرخ في قراءةٍ إشكاليةٍ لما بعد أنموذج «المدينة» في الإسلام الأول ذلك الذي اهتزّت صورته في «السقيفة» إذ إن استبعاد علّيٍQ عن الخلافة، وأخذ آل البيتR بالشدّة، جعل لهم أنصاراً على حد تعبيره. وهذا يعني أنّ شرخاً حدث في بنية المجتمع، وكاد أن يؤدي إلى انهيارٍ مبكّرٍ للإسلام، لولا أن ارتداد القبائل، دفع به إلى تجاوز الإنقسام، ليواجه موحّداً الخطر العاصف، ولولا أن الخليفة الأول، سارع إلى دعوة هذه القبائل بعد القضاء على تمرّدها إلى الإنخراط في حركة الفتوح التي حققت نجاحاتٍ كبيرةً، خصوصاً في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب.

ولكن الانتشار الواسع للمسلمين كان لا بدّ أن تنجم عنه تحدّياتٌ لما يسمّيه الشيخ «حكومة الخلفاء» التي التبست هويتها على المستويين الديني والسياسي، مما سيؤدي إلى نشوء حركةٍ اعتراضيةٍ، «قدمت «حسب العلايلي» مادة الإنقلاب الكبير» في مجتمعٍ كانت البداوة بعد راسخةً فيه، ولم يكن مؤهلاً للتجاوب مع المتغيرات السريعة. بيد أن ما يلفتُ في قراءة الشيخ للمرحلة، أنه يستخدم مفرداتٍ أو مصطلحاتٍ ليست متداولةً أو تعبّر عن مضمونها حينذاك مستبدلاً، على سبيل المثال، بالشورى «الديمقراطية» في وصفه للحكومة بأنها لم تكن ديمقراطيةً على وجه التحديد، بل تزايد فيها اعتبار الديمقراطية إلى درجةٍ انتفت معها عناصر السلطة، إلا في الحدود المنصوص عليها في القرآن والسّنة»، ومن الصعب الجزم إذا كان هذا المصطلح، بمعناه الحديث، في ذهن الذين ناقشوا مسألة الخلافة في «السقيفة»، أو الذين تولّوا شؤونها فيما بعد، إذ من المرجّح أن المصطلح وغيره مما نسب لتلك المرحلة، جاء في وقتٍ متأخرٍ على ألسنِة الفقهاء. في محاولة تسويغ الخلافة الأولى، بقيامها على قاعدة الشورى التي استمّرت لفترةٍ طويلةٍ، موضوع جدلٍ لدى السلطة والمعارضة على السواء.

وإذا كان العلايلي يتجنّب إسقاط «الديمقراطية» على الطريقة التي تمّ فيها تداول الحكم، فإنها واضحّةٌ لديه في ممارسة الحكومة لها وإنه رأى فيها نقطة ضعفٍ لا نقطة قوةٍ. ولكن أين هذه الديمقراطية من أسلوب الخليفة عثمان في استئثاره بالحكم لمصلحة شريحةٍ تمّت له بالقرابة؟ فهل كانت البداية الفعلية لأزمة السلطة من هنا، كما في رأي جمهرة المؤرخين؟ قد لا يكون ذلك دقيقاً لا سيما بعد التآمر على خلافة عمر، باستهدافها مؤسسةً أخذت تتنامى في عهده، إذ اغتيل الخليفة ومشروعه معاً، ما أوقع عثمان في هرج تلك المحنة المفتعلة والتي حاول، دون جدوى، التنبيه إلى مخاطرها، أبو ذّر الغفاري في «المدينة»، والأشتر النخعي مرةً أخرى في الكوفة.

ولكن ثمة ما يثير اللبس، وربما شيئاً من التناقض، فيما يعبّر عنه الشيخ بـ «ديمقراطية الخلافة»- وهي غير موجودةٍ بهذا المعنى في الأساس- بوصفها، في الوقت عينه. «ظاهرةً تقلّل من احترام الحكم وهيبته» وتشجّع على المنحى الإعتراضي على نمطٍ غير متوازنٍ أو مستقرٍ من السلطة. بيد أنه في المقابل لا يغفل بعض العناصر المسبّبة للإعتراض، متوقفاً عند توزيع الأموال وتكدّسها لدى أفرادٍ لم يستثمروها، «فمالوا إلى البدعة والترف والفراغ»، وفي السياق عينه ينتقد عدم استخدام «الأموال الكبيرة في مشاريع عمرانيةٍ واصلاحيةٍ» على حدّ تعبيره. هذا النمط من السلوك كان لا بدّ أن ينجم عنه فسادٌ في الحكم طال النظام العسكري الذي افتقد إلى التطور. ولم يأخذ بتجارب الأمم التي خضعت للمسلمين أو تحاربوا معها، كما بدا واضحاً في المحاولات العقيمة لإسقاط عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

وفي المقابل إن هذه «الحكومة» أهملت الجانب التربوي، بما يؤدي إلى ترّسخ العقيدة في نفوس المقاتلين وقادتهم، حتى أنه بعض الصحابة ممن شهدوا في ساحات «الجهاد» لم يخفوا ميولهم «لاحتواش السلطة»، شأن الزبير بن العوّام، حسب رأي العلايلي مستشهداً في هذا السياق بقولٍ للإمام عليٍّ: «عَظُم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم» وينتهي إلى أن مثل هذه «الحكومة»، التي ما برحت تموج فيها نوازع البداوة. كانت استجابتها بطيئةً للتحدّيات، فلم تكتسب من المناعة ما يبعد عنها رياح الأخطار، من المترّبصين بها، خصوصاً من «الحزب الأموي المنشّق» عن الأسرة الحاكمة في تحريضه المبطن على عثمان. هذا الحزب لم يستطع إخفاء تورّطه في جرّ الخليفة إلى المأزق الصعب، بينما كان رئيسه يتظاهر بالدفاع عنه، ويعدهُ بمددٍ عسكريٍّ لم يبرح في النهاية الشام واكتملت المأساة بمقتل الخليفة، وإذا بمعاوية يتصدّر المطالبين بدمه، متهماً جماعة عليٍّ بقتله، فكان الرّدُ البليغُ من الإمامQ الذي كشف ضلوع والي الشام في المؤامرة متوجهاً إليه بقوله: «فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلتهِ، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك. وخذلته حيث كان النصر له».

إنه العلايلي في مفهومه للتاريخ «فرعاً من الأدب» تلتبس عليه غالباً مسائل من الأول، آخذاً به الثاني إلى التحديث، فيقتبس من الحاضر مصطلحاتٍ لا توائم الحدث في عالمه الحاضري الخاص, والمفارقة اللافتة في هذا السياق أنه حين يلج إلى الحدث من باب التاريخ ينحو، في بعض الأحيان، إلى التقليد في قراءةٍ متماهيةٍ مع حيثيات الرواية، مما نجده، على سبيل المثال، فيما أورده عن أن معارضة معاوية لخلافة عليٍّ كانت طارئةً ولم يخطّط الأول مسبقاً لها.

فهو غالباً ما يعيد تركيب الرواية بأسلوبٍ جديدٍ، بينما المضمون يبقى خارج النقد أو المساءلة وكما جاء في قوله: «لما أبقى معاوية بأنه لا بّد من عزله، وأنه لا رجاء ولا حيلة على ما أنمى إليه المغيرة من الحديث، ابتدأ الصراع. ففكر بالمطالبة بدم عثمان، بإشارة عمرو بن العاص «على ما ذكره المسعودي» ولم تكن فكرة لمعاوية ومن أجل هذه الغاية، اجتهد للإستيلاء على قميص عثمان مخضباً بدمائه للتهييج، والإثارة... «ولعل في هذا الموقف تبسيطاً للصراع الذي كان مبنياً، ربما قبل خلافة عليٍّ»، وهو ما ذهب إليه الشيخ نفسه في إشارته السابقة إلى «الحزب الأموي المنشق» في وقتٍ كان الخليفة الجديد يحمل مشروعاً كاملاً للتغيير بهدف تصويب المسيرة المنحرفة، مما يعني أن عزل معاوية كان محسوماً، كذلك الأخير كان على وعيٍ تامٍ به، من دون أن يقف طموحه - وهو الممسك بزمام أقوى الأعاصير- عند حدود الولاية.

ولا يفوت الشيخ التركيز على أهمية هذا المشروع والتنويه «بسياسة عليٍّ ونفوذها ورجاحة خططه» حسب قوله. وقد يصبح الشيخ أكثر حريةً حين ينفلت من سلطة الرواية فيقود حينئذٍ حركة الحدث ولا ينقاد إليها: وذلك برده ما جرى إلى صراعٍ بين مشروعين، فاقَمَ الخلل في بنية الخلافة، إلى فشلِ الذي تولّوها في تجذير التربية الدينية، وفاقاً للحالة الوجدانية التي اختمرت في نفس أبي ذّرٍ على حد قوله، ولكن من غير الواضح إذا كان في نقده لحكومة الخلافة، يقصد المرحلة عامةً، ام جزءً منها خاصاً بعهد عثمان إذ إن تعميمه، على الرغم من تعثّراتٍ في هذا الجانب التربوي لا يمكن ربطُها بالإنتشار الواسع للفتوحات بما يفوق قدرة الخلافة ليس على هذا الوجه من الدِّقة إذا توقفنا خصوصاً عند المنحى التغيري الذي سارت فيه خلافة الإمام، في وقت ركدت فيه الفتوح وإن ظّلت سياساته في المجال التربوي نظريةً وحالت الحروب الداخلية دون تطبيقها، ولكن تراث التجربة ظلّ في وعي الفئة التي رفضت الإنصياع للواقع بعد اغتيال الإمام، وتشّبثت باقتناعاتها، متحديةً الحصار المُطبق عليها... قد تأسست ثورة الحسينQ على هذا التراث، رافعةً على خطى السلف شعار التغيير.

كان النهج الذي سار عليه الخلفاء، وما رافقه من ضعفٍ في التربية الدينية، خصوصاً لدى القبائل العربية المنتشرة في الأماكن النائية، ما ركّز عليه الشيخ العلايلي. سبباً في انهيار الخلافة الراشدية دون أن تنجح النخب في دفعه، مع العلم أن بعضها كان خالصاً فيه، وهو ما لم نشر إليه في حيثيات هذه المسألة وقد يتيح ذلك التساؤل لمن كان في موقع العلايلي، عن مدى اقتناعه في وصف الحكم الأموي، بأنه انقلابٌ وثورةٌ على حكومة الخلفاء فإذا صّح الأول فهل تصّح الثانية بما تجسّده من حيث المبدأ، من مشروعٍ اصلاحيٍّ جذريٍ على النظام الأموي، الذي خاض مؤسسه حرباً قبليةٍ ضد الخليفة الشرعي، من دون أن يطرح شعاراً، سوى الثأر لعثمان؟

بيد أن المصطلح الذي لا يتخذ موقعه المحدَّد في السياق، لا يلبث أن يتدرّج من الثورة، إلى الثورة الإنقلابية، إلى الإنقلاب، إلى أن يصبح الأخير في انسيابه الطبيعي، بما يقارب الموقف الأموي من خلافة الإمام. وقد يكون الشيخ أول من طرح من المحدثين فكرة «الإنقلاب» على أساس العصبية القبلية مستلهماً ذلك من كتاب «التنازع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم» للمقريزي ومن وحي ذلك يعترف بأن الأمويين في الإسلام ظلّوا يرمقون نفوذهم ما قبله.

مفترضاً أن استبعاد بني هاشم في عهدي أبي بكرٍ وعمرَ أيقظ في نفوسهم شهوة السلطة والعداء ضدهم، وأن الحزب الأموي قد أحكم خطّة الإنقلاب ولكنه لم يجد الفرصة إلاّ في أواخر عهد عمر من حيث إن المسلمين متجّهون للتوسع والفتح وعمر هو العقبة الوحيدة في سبيل تحقيق الإنقلاب الذي يعمل له الأمويون، فاغتالوه ولإبعاد الشبهة استخدموا فارسياً ليسارع الظن إلى أنه بمحض الانتقام وهذا الإختيار من إحكام الخّطةِ حسب تعبيره.

وفي ضوء ما تقدم تنتفي الحاجة إلى التساؤل عن وصول عثمان إلى الحكم حيث انقسم الأمويون بعد وقتٍ إلى حزبيين أحدهما بقيادة مروان وآخر بقيادة معاوية الأقوى شخصيةً ونفوذاً والأكثر ارتباطاً بالإنقلاب الذي استمّر تداعياتٍ حتى اغتيال الإمام عليّQ. كان الهدف واضحاً إذاً في ترويض الظروف لتحقيق السيطرة التامة على الخلافة، ولكن السؤال والبحث التاريخي أكثر ما يقوم على التساؤلات يفرض نفسه، إذا كانت الأطروحة بمجملها مندرجةً كما أضاف، مناقضاً ما سبق أن أشار إليه من قبل في الصراع بين عشيرتين من قريشٍ لم يكن الأخير راسخاً بينهما قبل الإسلام ولم يأخذ مداه على النحو الذي سلف، حتى خلال العلاقة العدائية بين مكة والمدينة من دون أن تكون هذه في وعي المسلمين أو المشركين.

لقد بدأ الصراع قرشياً- قرشياً في الإسلام وتحديداً بين قريش المهاجرة وبين الأخرى التي تصّدت له في مكة، ثم اتسعت دائرته في صفّين حيث تكتلت العصبيات الشامية وراء معاوية ولم يكن مفرٌّ أمام عليQ من حشد العصبيات العراقية تحت لوائه، بعد أن أضحت الكوفة للضرورة مقراً لخلافته، وهكذا مثلّت صّفين في الظاهر اصطفافاً قبلياً على الجبهتين، مع الفارق في المفاهيم والاتجاهات هنا وهناك إلا أنها في الصميم كانت حرباً سياسيةً بين الخليفة الشرعي، وبين طامحٍ إلى أن يكون في موقعه بالوسائل المختلفة غير الشرعية. ولعل عصبية أميّة- الأنصار فاقت حينذاك كثيراً، عصبية أمية -هاشم، حيث تشكّلت ملامح الأولى بعد الهجرة إلى يثرب [المدينة]، وراكمت حقداً ثأرياً في نفوس الأمويين خلال معركة بدرٍ ولما يزل كامناً على أشِّده حتى اجتياح المدينة واستباحتها ذلك الذي أشفى غليل يزيد من الأنصار.

وخلافاً لذلك، لم يكن موقف يزيد من «خروج» الحسين يعبّر عن شعورٍ انتقاميٍّ ضد بني هاشم على نحو ما أدرجه العلايلي في أطروحته السالفة، بعد استنكاف بني العباس، ومعهم أخذ الحسين [محمد بن الحنيفة]، عن المشاركة في الثورة. بيد أن الشيخ عندما يتجاوز خلفيات الحدث إلى حيثياته يصبح للأخير معنىً مختلفٌ يُختزل بالمقارنة بين طرفين متناقضين قائلاً: لنفهم مصرع الحسين علينا أن نعرف من يزيد؟ فهو يرى أن الخليفة الأموي الثاني نشأ على تربيةٍ غير اسلاميةٍ، متأثراً بالذين عهد إليهم معاوية بتأديبه: ليثبت على لون التربية النابية، تمازجها خشونة البادية وجفاءُ الطبع على حد تعبيره. أما الحسين فهو على نقيضٍ تامٍ وفي تقويمه لشخصيته ترتفع النبرة الأدبية الأخاذة لدى الشيخ محلقاً على الحبية في قوله: «في دخلته ارتسم النبيّ في طبيعته، والنبيّ في معناه، حتى ملأت هذه الصورة شعب نفسه، فكانت له معنىً، وكانت له ذاتيةً، وبذلك استحياه في وجدانه وضميره وسائر جوانب روحه. وإنما يكمن الإيمان على مقدار ما يثبت في حياة القدوة، فالقدوة لا يموت، وإنما يستحيل روحانيةً ندّيةً في ذات المؤمن الذي يكون مظهراً آخر من حياته» ولعل في هذه الشهادة ما يكفي لاختزال ثورة الحسين، قيادةً ورسالةً ومفاعيلَ تختلج في شرايين الأزمنة. فالحسينQ عندما واجه تحدّي البيعة ليزيد في قصر الإمارة بالمدينة، كان يصطفق في نفسه الأنموذج النبوي كما رسم صورته الشيخ العلايلي، مطالباً - حسب الأخير- لصورة المسلم الكامل ما عبّر عنه عشية مبارحته مكة، بأنه خارجٌ للإصلاح في أمة جده وتكتمل الصورة في ما يضيفه الشيخ: «كان «أي الحسين» ينبعث من حدود الدين وحدود الطبقة التي تشعر بالدين، ومعناه شعورياً ذاتياً، وكأنه شيءٌ منها، أو بعضٌ من عناصرها، ولقد اكتسبت «والكلام ما زال له» هذه الطبيعة النيرة هالةً جعلت لصاحبها لوناً ينفرد به، وشكلاً لا يشبهه إلا هو، ولا يجيء إلا فيه، كضوء الشمس لا يأتي إلاّ من الشمس، مهما تشكّل به الضوء وتصنع عليه».

والواقع، أنه من الخطأ النظر إلى كتاب الشيخ العلايلي على أنه تأريخ للثورة الحسينية التي غابت تفاصيلها السببية المباشرة عنه إذ إن أهميته في تلك الصياغة المسبوكة أسلوباً راقياً ولغةً متينةً وبياناً ساحراً، ولكن علينا الإعتراف بأن الدلالة تنشق من نسج ذلك كله وهي لا تنفك هاجس الشيخ، يستولدها إشكالياتٍ، قد نوافق أو نعترض عليها، ومن ذلك تعقيبه على مداهمة معاوية لأبناء الصحابة بعد تنحيهم إلى مكة احتجاجاً على البيعة ليزيد بولاية العهد، تاركاً «أي الحسينQ» لابن الزبير التحدث باسمهم فيما كان الخليفة ينتظر ردّاً منه. فهل كان ذلك تنصلاً أو زهداً منه، وفقاً لرأي العلايلي؟ إنه في الواقع ليس هذا ولا ذاك ولم يكن صمت الحسين إلا مظهراً للمهادنة يخفي وراءه حركةً تتفاعل سراً على أرض الكوفة مما يتعارض في العمق مع تحوّل الخلافة إلى ملكٍ وراثيٍّ والذي كان لاحقاً الدافع للتحّرك، ربما غير الموائم تماماً في توقيته بعد وفاة معاوية من دون أن تكون الأخيرة استجابةً مباشرةً له.

وهكذا في استغراقه البياني وعزوفه عن الوغول في تفاصيل المرئيات التاريخية، يتوجّه العلايلي إلى قارئٍ غير عاديٍّ في اكتناه ترميزاتٍ أكثر ممّا هي وقائع لتضع الثورة في سياقها المناسب من الضوء. ولم يكن غير الحسين من أبناء الصحابة خليقاً لها، حين اتخذ قراره التاريخي بالخروج من مكة. ولكن الثورة تبقى مبهمةً لديه، في بيئتها ورجالاتها وتحدّياتها على مساحة الكوفة، فهي مسكونةٌ فقط في وجدان الشخصية «العظيمة» التي منها استلهم أولئك المناضلون حيث هاجت في نفوسهم إرادة الممانعة، فلم يهادنوا أو يركنوا للظلم، سجناً ونفياً وانتقاماً حتى الإعدام. الشخصية اذاً هي المحور والملهم والإرتقاءُ بالأنموذج القيادي إلى مستوى الإبداع، وهو ما اختزله الشيخ في مفردة «العظمة» التي يكثر من تردادها دونما سأمٍ في تحليله لشخصية الحسين الثائر الذي غيّر بشهادته، مسار التاريخ.

ويغويك العلايلي أن تنقاد له في هذا السياق، مفعماً، وربما ثملاً بما ينهال أمامك من أفكار، تخترق فيك مسام الوجدان، فتتنحى جانباً لتستمع له بشغفٍ وهو يقول: «ونحن إذا قدّمنا حسيناً بين العظماء، فإّنا لا نقدّم فيه عظيماً فحسب، وإنما نقدّم فيه عظيماً دونه كلُّ عظيم، وشخصيةً أسمى من كلّ شخصيةٍ، ورجلاً فوق كلّ الرجال مجتمعين ويضيف بنبرةٍ أكثر بلاغةً في تحديد مجالات العظمة التي اجتمعت في الحسين، حتى ليبدو والكلام هنا له «أمةً بين العظماء. فقد عرفنا العظيم في ثوب الشجاع، وعرفنا العظيم في ثوب البطل، وعرفنا العظيم في ثوب الضحية الشهيد، وعرفنا العظيم في ثوب الزاهد، وعرفنا العظيم في ثوب العالم. وأمّا العظمة في كل ثوب، والعظمة في كل مظهرٍ حتى كأنها تآزمت من أقطارها، فكانت شخصاً ماثلاً للناس يقرؤونه ويعتبرون به، فهذا ما نجده في الحسينQ وحده، وهذا ما نلمسه فيه فقط، حيث هو من نفسه ومن نسبه».

قد يكون من الصعب التعليقُ على نصٍّ مبهرٍ كهذا، ولكن المؤرخ، بفضوله الفطري، يستوقفه ختام الكلام منحازاً إلى «حيث هو من نفسه»، لا «حيث هو من نسبه». وإذا كان دأب العلايلي في أطروحته تقديم الحسين في ثوب جدّه مستلهماً رسالته في الثورة، فقد نرى أنه لم يقدِّم نفسه في الأخيرة، على أساس النسب، وإنما كان هاجسه منذ أن غادر الكوفة في أعقاب «الصلح» تصويب المسيرة، إنقاذاً للأمة التي خرج لإصلاحها وإنقاذها من الظلم والإنحراف والفساد، هذا ما تجلّى في وصيته لأخيه ابن الحنفية عشية خروجه، وقد جاء فيها: «من قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم في الحكم، وهو خير الحاكمين، حسب رواية ابن أعثم الكوفي. و «الحق» هنا يكتسب معنى القضية التي هي أساس الثورة ومبرِّر وجودها، بمعزلٍ عن النسب. وإن استمدّ ذلك من وهج الموقع، وعظمةِ الانسان المتسامية فيه، وفاقاً للتوصيف السالف للشيخ العلايلي. وقد لفتت هذه العبارة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، مائلاً إلى أن خطاب الحسين لم يتك على شرف الموقع والقرابة فصاحبه، ولكنه استمّد قوته من أنه «داعٍ من دعاة الحق» يحمل الوعد بالتغيير، وهو ما لم يكن مألوفاً في زمانٍ كانت الأنساب عصب القيادة فيه.

وحين يصبح العلايلي في مواجهة الحدث يقترب أكثر من الثورة، ولكن من دون أن يغادر الثائر الرسالي، فلا ينفك معه كظّله، شاهداً على انقلابية التاريخ، وفي جعبته معادلةٌ أخرى كتبها الشيخ بخط الثائر، مصَّرحاً باسمه: «أن بين العدوان على الحق وتجاهل العدوان، تنبعث الأحرار وتخرج الأبطال. وفي ذلك تكمن القراءة المختلفة الذهنية إلى العمق لحركة الحسين الداعي إلى الحق، وفي وقتٍ كان السكوت على الظلم تخلّياً عن القضية، وهذه ليست قابلةً لأن تموت في نفس أبيّة جاشت فيها قيم الإسلام صافيةً من الينابيع. فقد مرّت عشرون من الأعوام. والحسين أرهقه الإنتظار وأنصاره، مادة الثورة، يتجرّعون مرارته قتلاً وترهيباً، فلم يعد أمامه سوى اتخاذ القرار، كان في أوانه أو لم يكن، فقد كشف عن برنامجه- والكلام هنا للعلايلي- وخطّتِه التي دفعته إلى الثورة والخروج، وكأنما أراد أن يسجّل على الباطل بطلانه، وأنه يجعل للحق في بناء الباطل كوة يرتفع منها صوته على الدوام».

إن برنامج الثورة نقرأه أكثر تفصيلاً في المرويات التاريخية ولكن العلايلي يختزله بنكهةٍ قد لا نحتاج معها إلى مزيدٍ سوى ما أضافه، مُعلِّقاً على العبارة التي أطلقها الحسين في وجه عامل المدينة [إن مثلي لا يبايع مثله]: هذه الكلمات المعدودة -والكلام للعلايلي - تحوي برنامجاً خطيراً ودستوراً عملياً واسعاً، ويمكننا أن نسّميه «ناموس الثورة». والحق أن فيه المبادئ العالية لإعلان الثورة وفيه المواد اللازمة لنقد الخليفة أو الملك».

أتراه مبالغاً «العلايلي» في هذه الصورة التي ظهّرها للحسين؟ ليس ذلك، ولكنه كان صادقاً، وإن جاء الكلام الذي يطوع له، فوق طاقة المؤرخ بنبرته الهادئة، إن لم نقل الرتيبة، فيما هو لم يقرأ شخصية الحسين بعقله فقط، ولكّن القلب خفق شغفاً بها، ليستحيل التاريخُ استثنائياً، بين يديها إلى قصيدةٍ ذهبيةٍ، مسلّةٍ من فضائها البهي، وكأن العلايلي يستغيث حينئذٍ، بالشهيد أن ينهض من ترابه، بعدما تاقت النفوس إلى البطولات، منشداً:

فيا بطل الكفاح مدَّ إلينا يداً

ويا بطل الجهاد كيف لنا بمثل خلائقِكَ في الجهاد

أنتَ مرّةً ذهبتَ تصنع الموت انتصاراً

وغيرك ذهب يصنع الحياة اقتداراً

فمات القدم وبقيتَ وحدكَ رمز الخلود

يندرج مؤلف العلايلي في ثلاث حلقات، إن لم تقل ثلاثة كتيبات جمعت معاً تحت عنوان «الإمام الحسين»، وهي ليست متناسقةً تماماً، وربما اختصرها الأول في تجلياته الفكرية البلاغية، فيما الآخران كانا مزيجاً من الأدب والتاريخ، ولعل السبب في ذلك أن هذه «الحلقات» لم تكتب معاً، وربما كان جمعها ما أساء إلى الكتاب فيما لو أردنا الحكم عليه بصورته الشمولية، ولا يعني هذا التقليل من شأن الحلقتين الثانية والثالثة، خصوصاً وأن ما حوته كلتاهما من حوادث التاريخ للمرحلة، كان على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، ولكن هذه تصبح أكثر قيمةً لو ظلّت الحلقات منفصلةً إحداها عن الأخرى، أو على الأقلّ، لو جاءت الأولى تتويجاً للكتاب، لما تضمّنته من أفكارٍ وتجلياتٍ أقرب إلى الاستنتاج منها إلى الوقائع، الأكثر بروزاً في الثانية والثالثة.

بيد أن ما يسوّغ وحدة الكتاب، تلك المساحة الواسعة من الضوء حيث يتعملق الحسين «العظيم»، المولود في عبق النبوة. والثائر لوجه الحق، والمسكونُ في الجوارح برسالية الدعوة. وللحديث ما بعد صلةٌ بما قبله، بالبيئة التي خرج منها الإسلام، بالبيئة الجغرافية والقبلية لشبه جزيرة العرب والنمط الإنتاجي فيها المرتبط بحركية القبائل اقتصاداً ومعتقداتٍ دينيةٍ، ما انعكس بداهةً على الإسلام الذي كافح الرسول من أجل تطهيره من العصبيات. ولكن هذه إذ خمدت بنسبةٍ ما في عهده، سرعان ما عادت تنشب أظافرها في المجتمع الصاعد، وتفتح ثغرةً في جداره، لم يكن ممكناً ردمُها بعد ذلك. كانت بدايةُ العودة «برأي العلايلي» في يوم السقيفة، بوصفه تنازعاً تمدّه العصبيةِّ بأسبابها، وأي واقفٍ على الخبر لا يخفى عليه جانبُ العصبية في هذا الموضوع.

ومن اللافت هنا، أن الشيخ، بعد أن أترعنا بياناً صافياً عن «الحسين العظيم»، يتحول على إيقاع أكثر هدوءً إلى حلبة التاريخ، فلا يذهل عن المحطّات الدافعة فيه. فالبداية إذاً من السقيفة، أو تحديداً من مفترق العصبيات الجديدة التي تجاهلها المؤرخون عامةً، وانهمكوا في صياغة نظريةٍ ربما جاءت متأخرةً عن الحدث، لتسويغ خلافتها- أي السقيفة - على قاعدة الشورى. ولعلّ من مظاهر العصبية حينذاك، تحّرك «الأنصار» مؤسسين برأي «الشيخ شمس الدين» أول الأحزاب في الإسلام، مما يظهر في توحّد الأوس والخزرج لمواجهة عصبيةٍ أكثر حِدّةً لدى «المهاجرين» من قريش، والتي تجسّدت في ما صّرح به أبو بكر عن الرسول: «قريش ولاة هذا الأمر»، لردع من تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكرٍ «حسب مروية الطبري». وقد يكون عمر محور الحركة بتأثير العصبيات في البيعة لأبي بكر بوصفها «فلتةً كفلتات الجاهلية» مضت وانقضى أمرها، إلا أنه من موقع الخليفة فيما بعد، سرعان ما تصدّى لها [العصبيات] مستبعداً عشيرته من السلطة ولكن هذه رسخت في وعي العرب المسلمين، خصوصاً المتأخرين، في الإنضمام إلى الجماعة وباتت المحّرك الخفي لطموحاتهم حتى قيام الحكم الأموي بدفعٍ منها، ليسود الإسلام القبلي من خلال شعاراتٍ فضفاضةٍ موائمةٍ له، ومن ثمَّ تتراجع الخلافة وإن احتفظت باسمها، أمام نمطٍ من الملكية الوراثية، مستوردٍ على الأخصّ من التراث البيزنطي ويرّد العلايلي- مستحضراً مرةً أخرى تقويمه لهذه المسألة ذلك إلى أن الخلفاء لو عنوا ببثّ التربية الدينية على الشكل الذي بثّه النبي P في نفوس الجموع القريبة منه، لما تفرّق العرب قدداً، وتطوحوا في مذاهب مختلفة.

وهكذا تغلّبت العصبية على الدين الذي يشكك العلايلي بانخراط القبائل بصورةٍ جدّيةٍ فيه ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن بعض المسلمين الأوائل أغوتهم المصالح الشخصية على حسابه، ومن هؤلاء نخبٌ ممن ظلّوا متكئين على العصبية أكثر من العقيدة، من دون أن يجدوا حرجاً، هؤلاء الناكثون، في تغيير مواقعهم وتوظيفها في الصراعات السياسية، بما يتفق وتطلعاتهم في هذا السبيل. وحدهم بنو هاشم ليستثنيهم العلايلي من التوّرط في المطامع الدنيوية فلم تضعف نفوسهم في ذلك الصحف أو يحيدوا عن المبدأ الذي اكتسب مناعةً أمام التحدّيات والمعاناة وضروب الحصار وكانوا لا يزالون المعّول عليهم في التغيير الذي رفع رايته عاليةً الحسينQ. هذا ما انتهى إليه الشيخ في سياق موضوعة التدّين في شبه الجزيرة وتداعياتها، ما قبل الإسلام وما بعده قائلاً: «أسرة بني هاشم، هي الأسرة التي نضج فيها الضمير الديني، حتى زوّدها بحصانةٍ ضد الشك والتعلق، فهي إذاً الأسرة الخليقة بأن تقدّم المصلح للمجتمع المحموم، وهي الخليقة بكفالة التعاليم ورعايتها، لأن الدين منها كالطبيعة من كل نفس»، بهذا المفهوم يمّهد العلايلي للخلافة الراشدية، فيتناولها نظاماً إدارياً وقضائياً ومالياً وعسكرياً، ولا نجد في ذلك ما يختلف كثيراً عن الذين بحثوا في هذه الموضوعة، سوى ما يعرضه لإخفاق الحكومة الخلافية التي تشعّبت مسالكها حتى انتهت إلى الفوضى بسبب غياب التربية الدينية التي كانت نقطة الضعف الأساسية فيها، وجرّت، فيما بعد، إلى نشر الحزبيات، أو إذا شئنا الدِّقة، عصبيات الأحزاب التي يتوّسع فيها، متفرِّداً بإضافة ما يسميه «حزب الشعب» هذا الحزب عكس، برأيه، حالة المجتمع الذي فرضت عليه السلطةُ نمطاً من السلوك لم يستطع السكوت حياله، فكانت الثورة «العلاج الوحيد لطغيان المنتدبين للحكم الذين لم يفهموا حقيقة تمثيلهم» على حدّ قوله. وإذا كان العلايلي لم يُشر بدايةً إلى قادة الحزب الشعبي، فإنه لا يلبث أن يُفصح عن ذلك منوّهاً بأن الأخير دفق إلى معلّمٍ ثوريٍّ هو عبد الله بن سبأ، فصاغ مطالب الإصلاح بأسلوبٍ موجزٍ مغرٍ، يجعلها قمينةً بسرعة الإنتشار.

أما أبرز شخصياته فهم: أبو ذّر الغفاري في الشام ومحمد بن أبي بكرٍ ومحمد بن أبي حذيفة في مصر، مع العلم أن الشيخ يعترف بأن استعمال مثل هذا المصطلح ليس دقيقاً، وبأن المندرجين في الحزب ليسوا أكثر من مجموعةٍ متطّرفةٍ، أعلنت معارضتها جهراً للخليفة عثمان ولا يعنينا أن يكون ما لفت إليه الشيخ حزباً، أو بالتحديد حزب الشعب، إذ إن كليهما يشكّل إسقاطاً على مرحلةٍ تنوء بمثل هذه التسميات الحديثة ولكن ما يثير حتى الغرابة، هو إبراز ابن سبأ معلماً ثورياُ لهذا الإتجاه الإصلاحي النخبوي، آخذاً بالرواية دونما تدقيقٍ بها مما يجري عليه غالباً العلايلي المؤرخ، مختلفاً في الصميم مع ابن خلدون في تشديده على هذه المسألة بأن «التاريخ في باطنه نظرٌ وتحقيقٌ... علمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميقٌ»، وليست ممكنةً قراءته بمنأى عن نقد الرواية، والذي يتأسس عليه اكتناه المعقول من المدخول فيها.

وليس من شأن المؤرخ رفض روايةٍ ما في التاريخ، ولكنه في الوقت عينه معنيٌّ في صميم مهمته بتفكيك الرواية بعد فهمها وربطها بالمناخ السياسي- الإجتماعي المتزامنة معه، قبل أن يعيد تركيبها مجدداً في ضوء مرجعية العقل التي تحكم في النهاية بصدقية الخبر إن توّهم أن لا صدق فيه. ولعل من أبرز نقاط الضعف في الرواية السابقة المنسوبة لسيف بن عمر: أنها مفردةٌ، ولم يأتِ على ذكرها أخباريٌّ غيرُه في سياق المرحلة. ومن هذا المنظور كان أول من اصطدم بها مُشكِّكاً في وجود مثل هذه الشخصية «ابن سبأ» هو طه حسين، كما رفض الأخير أن يكون أبو ذّر من المتأثرين بها، هذا الصحابي الكبير المتقدّم في إسلامه والقريب من الرسول، خالصاً إلى القول: «إن عبد الله بن سبأ هذا، إن كان ما يروى عنه صحيحاً، إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه، بعد أن كانت الفتنة وعظُم الخلاف، فهو فقط استغل الفتنة ولم يُثرها. وأكبر الظّن أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأٍ هذا ليشككّوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان ودلالته من ناحية، وليشنّعوا على عليٍّ وشيعته من ناحية أخرى فيردّوا بعض أمور الشيعة إلى يهوديٍّ أسلم كيداً للمسلمين..»

ولم تكن إثارة هذه المسألة ما قصدنا مباشرةً إليه. وإنما كان ذلك من باب الإستغراب لما أورده مفكّرٌ في مستوى العلايلي. من دون أن ندخل في جدالٍ مع الذين أخذوا بالرواية وهم كثيرون أو الذين رفضوها بالمطلق مثل مرتضى العسكري وإبراهيم محمود، ونكتفي هنا بما أورده المؤرخ الفرنسي «سورديل «قائلاً» إن الروايات المتعلقة بالمدعو عبد الله بن سبأٍ أحد أصحاب عليٍّ، والتي تنسب إليه تأليهه لسيده... تبدو مشبوهةً إلى حدٍ كبيرٍ ولعل الشيخ في منهاجه الأدبي أكثر من التاريخي، يميل عموماً إلى التقّيد بالنص على أنه مرجعيةٌ مطلقةٌ، ربما لا يتفق مع رؤيته اللمّاحة التي تجلت في مواضع عديدةٍ من الكتاب، لا سيما الحلقة الأولى منه. ولم يكن ما أورده عن ابن سبأٍ في تصنيفه لأحزاب المرحلة، ومنها حزب الشعب غير إضافةٍ من خارج السياق التاريخي تستند إلى قراءةٍ نصّيةٍ تقليديةٍ، من دون أن تحمل على الإقتناع بوجود مثل هذا الحزب بعناصره والقوّة المحّركة له في ذلك الحين.

ولقد تبنى الكثيرون من المؤرخين هذه التصنيفات الحزبية في مطالع العهد الإسلامي. وهي في الواقع أقرب إلى الإتجاهات منها إلى الأحزاب، وهو ما عاد إلى الإعتراف به العلايلي، بأن هذه التسمية مجرد تجوّزٍ، وأن الأقرب إلى هذا المفهوم اليوم، إنما كان الحزب الأموي. وهذه الإتجاهات التي ظهرت في سياق الصراع على السلطة، مع الفارق في الهدف والسلوك بين اتجاهٍ وآخر، كان ثمة تباينٍ واتفاقٍ في آنٍ لدى المؤرخين في تصنيفها وتعدادها وتسمياتها. ففيما يكتفي الشيخ مغنية- على سبيل المثال- بخمسةٍ، وهي: حزب سعد بن عبادة بن الخزرج «يسميه العلايلي: حزب أهل المدينة»، وحزب أبي بكرٍ وعمرَ ومعهما جل المهاجرين «عند العلايلي» حزب الثلاثة: «أبو بكر وعمر وأبو عبيدة» وحزب عليٍّ ومعه بنو هاشمٍ مع قليلٍ من المهاجرين وكثيرين من الأنصار، وحزب عثمان «يرد لدى العلايلي: حزب الأمويين»، وحزب سعد بن أبي وقّاص «لا يذكره العلايلي» الذي تفرّد بإدراجه الشيخ مغنية، وربما قصد به اتجاه الإعتزال الذي سار فيه سعد، إبان الفتنة وفي أعقابها. ومن جانبه، اختصر الشيخ شمس الدين الأحزاب بثلاثةٍ رهصت بها المرحلة بعيد وفاة الرسول من دون التطّرق إلى مجمل العهد الراشدي، وهي حزب الأنصار، وقد وُلد من هواجس الأوس والخزرج إزاء المهاجرين ولكنه سريعاً ما واجه الفشل مع إعلان بيعة السقيفة، ثم الحزب القُرشي الذي تمّت له الغلبة في الميدان السياسي حسب تعبيره، وأخيراً الحزب الهاشمي، وقد ذهب كما ورد في قوله: «مذهب الحزب القرشي»، في أن خلافة الرسول منحصرةٌ في قريش، ولكنه لم يذهب معه في التعميم، بل كان يرى حقّ الخلافة منحصراً في بني هاشم، وعلى التخصيص عليٍّ بن أبي طالب. وقد لاحظنا اختلافاً، لا سيما في مفهومه للحزب الثاني القرشي، الذي اقتصر لديه على قريشٍ المهاجرة، في حين أن الشيخ مغنية يحدّده في تلك المرحلة بحزب أبي بكرٍ وعمرَ وفيما بعد بحزب عثمان، كما فصل العلايلي بين اثنتين على جبهة قريش الأول يمثّله حزب الثلاثة «أبو بكر عمر أبو عبيدة»، والثاني حزب الأمويين، الذي انشّق عنه حزبٌ آخر بعد عثمان.

أما الشيخ العلايلي، فقد رفع عدد الأحزاب إلى تسعة، بدءً بحزب الثلاثة السالف الذكر، ثمّ حزب الأمويين، فحزب الشعب، وحزب عليٍّ الذي يصفه بالحزب المحافظ، ربما بالمعنى الجذري الملتزم بنصر الإسلام، والحزب الشعوبي الذي كانت تحركه «أدواتٌ هدّافةٌ» على حدّ تعبيره، مع العلم أن هذا الحزب «إن صّح وجوده» لا ينتمي إلى تلك المرحلة، ولكن الشيخ استلهمه مما أشيع من توتراتٍ مدخولةٍ عن اغتيال الخليفة «عمر بن الخطاب» بأن الضالعين فيه أبو لؤلؤة وجفينة والهرمزان من الفرس فضلاً عن اليهودي المشكك بإسلامه، كعب الأحبار. إن هؤلاء «لا سيما أبو لؤلؤة» كانوا مجّرد ادواتٍ في المؤامرة. التي خطط لها آخرون لا يمتّون بصلةٍ إلى الشعوبية، وكان الشيخ قد ألمح إلى ذلك في مكانٍ آخر من كتابه- بالإضافة إلى ما سلف يبقى حزب أهل المدينة «الأنصار». وحزب طلحة والزبير، وحزب أبناء عمر، وأخيراً الحزب الأموي المنشّق «بقيادة معاوية» الأكثر فعاليةً في دوره السياسي، واشتباكاً بتداعيات العهد الراشدي ومتغيراته.

ولعّل أكثر ما يستوقفنا في موضوعة الأحزاب، ليس فقط المصطلح بما يحمله من اسقاطاتٍ تنوء بها المرحلة، وإنما إدراج تجمّعاتٍ صغيرةٍ، وغير فاعلةٍ بين هذه الأحزاب، مثل حزب طلحة والزبير وحزب أبناء عمر، إضافةً إلى أحزاب ملتبسةٍ كحزب الشعب غير المتداول تسميةً ومضموناً والحزب الشعوبي الذي بولغ كثيراً في دوره، خصوصاً في الدراسات الإستشراقية، في الوقت الذي افتقدنا في هذا التصنيف، أقرب الاتجاهات تنظيماً إلى الحزب، أي الخوارج، والذي توّج صراعات المرحلة، وكان له حضوره البارز فيما بعد. هذه «الأحزاب» أو بعضها شكّلت مادةً للصراع السياسي الذي أخذ يتفاقم، ليسفر بالتالي عن اختزالها في تيارين أساسيين: الشيعي والأموي، ومن المواجهة الحتمية بينهما شقت طريقها بعد نضالٍ طويلٍ، ثورة الحسين. هذا ما كان يبتغيه الشيخ العلايلي في تتبعّه لموضوعة الأحزاب التي سرعان ما تلاشت بعد قيام الحكم الأموي، باستثناء تياري الشيعة والخوارج، ولكن فيما كان للأول مشروعه الإصلاحي التغيري. ظلّ الثاني على الرغم من أطروحته الخاصة بالسلطة والعقيدة، مجرّد حركةٍ متطرفةٍ، لا تملك رؤيةً سياسيةً واضحةً.

ودائماً كان الحسين في وعي الشيخ العلايلي ووجدانه، فلا ينفك يذهب في التفاصيل ويسوق الأمثلة من هنا أوهناك، ولا تغيب قامة الحسين الشامخة عن عينه من الولادة النورانية إلى النشأة على الفضيلة في أحضان النبي، إلى التربية السامية على يد الأم الزهراء التي أتمت حسب قوله في نفسه فكرة الخير والحبّ المطلق والواجب ورسمت له دائرةً غير متناهيةٍ، حين جعلت فكرة الله نقطةَ الإرتكاز الأدبية والفضائل عليها، فاتسعت نفسه لتشمل وتستغرق العالم وقد بلغت هنا إلى أن الشيخ اكتفى بأن يضع الحسين بين يدي الجد والأّم، من دون الأب، حيث كان الحديث عن الطفولة، ولكن للأب حديثٌ آخر، في موقعٍ آخر. وتحديداً في ساحة الجهاد، حيث نشأ على مثاله يعتقد»والكلام للشيخ» أن المجتمع لن يُصلَح إلا إذا لُقِّح بعصارةٍ جديدةٍ، وبترت منه الزوائد وأبعدت عنه الطفيليات..

يضيف الشيخ في هذا السياق: «أن حركة عليٍّ كانت في جوهرها حركة بناءٍ... لها برنامجها الواضح، بينما لا نرى لحركة معاوية برنامجاً سوى ما كان يلوّح به من الثأر، هذه النزعة الجاهلية الخالصة التي برئ منها الإسلام في خطبة الوداع التشريعية. كما يضيف أن الحسين من بعد هذه المشاهد كلِّها ومصرع أبيه، استبدّ به شعورٌ انبعاثيٌّ يدخل في عناصره الإصلاح... إلى ما استقام في تربيته من محافظة وغيره على مبادئ القرآن وأدبيات الإسلام وأخيراً في السياق عينه. ألم تكن مقولة الإمام المستلّة من النهج: «ألا إن لكلّ دمٍ ثائراً ولكل حقّ مطالباً»، في وجدان الحسين، مستلهماً الثورة من ذلك التراث، وبوحيه» اتخذ «حسب تعبير العلايلي» وجهةً سبقت محيطه وعصره بكثيرٍ، وأقامت فيه أمثولته الإصلاحية من شتى نواحيها.

ولا أظن أننا بحاجة إلى التجوال بعد في شعاب الكتاب حيث تتداخل الأحداث وتكاد تستعاد الأفكار أو بعضها، في حلقاته الثلاث ودائماً الحسين العظيم بالصيغة عينها، يتكرر على تلك المساحات.. فقد نسخ العلايلي من عقله وقلبه كلاماً لا يجارى، وطوّع التاريخ على طريقته، مفكِّراً يتوخى الدلالة بنكهة الحاضر من دون أن يكون الماضي ما يتكئ دائماً عليه. وقد يختلف في ذلك عن المؤرخ، في نهجه المتوازن، آخذاً به إلى عالم الرواية، حيث يطول فيه المقام. وأدواته بين يديه... ولا يكفّ عن المحاولة الصعبة في مقاربة الحقيقة، غير منقطعٍ بالمطلق عن الحاضر.

ويبقى أن قراءة العلايلي للحسين لا تخضع سوى لمعاييره ومنهاجه ورؤيته، وليس على المؤرخ، وإن اختلفت قراءته إلّا أن يُسلِّم طوعاً له، ويفسح أمامه الطريق لقيادة الزمام.. أو ليس كافياً أن تختصر العبارة الآتية كلَّ ما يتوق إليه المؤرخ في موضوعة الثورة: الحسين بخروجه لم يجاوز برهان ربّه... سقط الإمام صريعاً بعد كفاحٍ رهيبٍ، وبعد أن أرسل كلمة الحقّ في العراء، هذه الكلمة التي طوّقت بالهياكل وعادت بنشيد الشهداء ويضيف في الحاشية معلِّقاً على شهادة الحسين بقوله: ما ذهبت أصّور المصرع إلا فاض قلبي حسراتٍ، وذهبت نفسي شعاعاً.

وأخيراً كيف ندع مثل هذا النشيد الذي ألمح إليه، فيما سلف، العلايلي، وأحاله إلى صياغةٍ ابداعيةٍ تصطفق في أعماق النفس العطشى إلى مثل هذا الكلام. فقد اختصر فيه الحسين إنساناً وثائراً وشهيداً ملهماً، متعملقاً في معارج الأزمنة يعبق بعطر الدم الشهيد. فلنقتبس إذاً، على سبيل الخاتمة، بعض هذه الخواطر، المائجة بلغة الأدب ونبض التاريخ:

«دمٌ جرى في التراب، ليبث أشواكاً في طريق الظلم والظالمين روحٌ تحامكه الهواء ليظَّل أشباحاً مُرعبةً، وطيوفاً بغيضةً في أعين المعتدين وأناتٌ زاهقةٌ احتواها الغيب، ليرسلها وقراً في آذان المستبّدين وزفراتٌ طويلةٌ رعاها الليلُ، ليبعث بها جلجلةً، كصلصلة الأجراس يفجأ بها المستقويين....

«...علمنا الحسينQ كيف نعتنق المبادئ وكيف نحرسها وعلّمنا كيف نموت، كما علّمنا كيف نحيا كراماً بها ورسم طريق الخلود الأدبي والقومي على طريقها سلامٌ عليه يوم يموت ويوم يبعث حيّاً».

العلايلي والغرب:
«إشكاليات المثقف والمرحلة»

أ. د. سمير سليمان[2]

إذ يحفر المنقب في وجه العالم «أو عالم الأضداد» كما يسميه [المعرّي] وتحت قشرة التاريخ، يجد عالمين ثابتين لعل أفضل تسمياتهما ما سمّاهما القرآن به: النجدين ﭽ ﮠ ﮡ ﭼ [3]: عالم ثابت في اليقين وجوداً كشمس الأزل، لا يزول عن فلسفته ومواقعه ومواقفه لحظة، ولا يحيد أنملة عن خط التراب والانتساب اليه، وعالم آخر مثله في الثبات. كذلك في المشيئة كانا، لا يكف عن الرد والمسألة، والدفع في اتجاه السماء.. إتجاه الحقائق المطلقة «المطلقات» وصيغ الحياة والعلائق الأمثل.

في تدافع العالمين تشكلت في أضلع التاريخ، أو من أضلعه: المعضلة.. الآخر دوماً هو المشكلة.. الإنسان إذاً هو المشكلة، أو أن المشكلة فيه.. فبأي العلائق بـ»غير الذات» نسلم ونستقر؟.. أي: أيُّ العلائق بين العالمين يصلح لأمان البشر ولخير الحياة ودفء الأنيس، وهناء المعيش؟..

كيف نفهم؟ كيف نحب؟ كيف نكره؟وكيف نعادي.. لماذا ومتى و أين؟؟

في فرضية العالمين المتدافعين لا قطعية ولا انقطاع مطلقين أو دائمين. تاريخ الاجتماع البشري، وهو اجتماع موضوعي وطبيعي في كل حال، ينبئ أن «الذات» و«الآخر»، وهما من صلب علوم الاجتماع الحديثة مستلان، هما ظلا حقيقة قاطعة في دورة الفكر ولعبته العقلية الجميلة.. هما اثنان فوق جلد الخليقة وتاريخها، لكن خلفهما وتحتهما يستكن كل منهما في وجدان الآخر، أو في لا وعيه، وكذلك في وعيه وما عقل من العلاقات.

على مذهب [الكوجيتو] الديكارتي نقول: «أنا في الآخر، والآخر فيَّ: فإذن: أنا موجودٌ»، أو بطريقة العلايلي فنقول: «أنا ذات حقاً، إذن: أنا آخر حقاً»[4]، لا على طريقة المتصوفة إن أنزلناها الى تلك الثنائية لنقول مع الفارق: «أنا هو، وهو أنا». فتلك طريقة فيها ظلال كلم وقول، «فالحلولية» بالمعنى الذي نقصده هنا استبطان حضور متبادل وكينونة، ولكن بخصوصية هوية واستقلالية إرادة وانتماء وخيارات خاصة لصيغ الحياة وعلائقية البشر.

الآخر منّي وفيَّ، لكنني لست الـ»هو« كاملاً، ولا هو الـ»أنا» كاملاً...هو يعرف بي، وبه أعرف، في ثنائية جدلية متجذرة: نختلف في التوجه لكننا في الوجهة «إلى غير الذات» نشدّ الرحال»فطرةً وطبعاً».. وكأن كلاً منا معلول للآخر.. وكلنا معلول لعلة واحدة غير معلولة لشيء كما يقول الفلاسفة الإلهيون. تارة من داخل الى خارج نتجه، وطوراً من خارج الى داخل.. نلتقي في برازخ.. ولا نلتقي في أُخَر.. كلٌّ منا إلى مشروع حضاري من مشروعين حضاريين ثابتين ينتمي، إذا رأينا الى الأمر بالمنهج الحضاري، وهو عندنا أسلك المناهج لفهم التاريخ وعلائقية الجماعات ووعي مسالك العدم والنقص، كما وعي الكمالات النسبية فيها. ومن الطبيعي أن يكون بين المشروعين الحضاريين نوافر كثيرة وجوامع أكثر.

والاجتماع ليس خياراً، إنما هو ضرورة للنوع الإنساني لأنه يصدع من قلب الفطرة البشرية، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم.

بمنأى عن هذا الدافع لا تتم حياة الإنسان، ولا حكمةَ تلبث في بقائه خارجه كما يذهب إلى ذلك «ابن خلدون».

هذا الانتماء لا يتخذ وجهة تحققه إلا إذا تمأسس. وهو لا يتمأسس إلا إذا تعقلن لقيم كبرى.. لقد ارتأى ماكس فيبر يوماً، وهو يفسّر نهضة الغرب، مصيباً: أنه «أي الغرب» فعل، استناداً الى ركيزتين: العقلانية والمأسسة، لكن «فيبر» أغفل مسألة تولّد الركيزتين من أية قيم هي؟

تنبئ سنن التاريخ التي يركز العالمان/المشروعان الحضاريان الثابتان فيها، أنّ الجماعات والأمم هي المتحوّل فيهما، أو بينهما في الهوية والقيم والاعتقاد. تارةً في العالم المادّي الدنيوي الترابي هم عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وتارةً هم أصنام مكّة وأورشليم، أو «اللاهوت الرأسمالي»، أو الليبرالية، أو النيوليبرالية بالمصطلح الأحدث. فلا فرق بين هذه وتلك إلا في بعض الإيديولوجيا وخصوصيات الاجتماع المحمولة على تغير الأزمنة والأحوال وأنساق العيش.. فكلّ هؤلاء إلى ذات المشروع الحضاري/ الاعتقاد/ الفلسفة/ القيم ينتمون، وبه يستوثقون. أما في المقابل فثمة المشروع الحضاري الإلهي المتمثل بالأديان السماوية وشرائعها وقيمها وبالمعنى الذي تمنحه للإنسان والعالم.

وليست علائقية المشروعين موسومة بالقطيعة والصدام دائماً فما بينهما من مشتركات وجوامع وبخاصة في الجانب القيمي والأخلاقي، بالسلب أو الإيجاب، ما جعل ويجعل الكثيرين من المنتمين إلى المشروعين بالهوية أو بالعصبية هم في حقيقة الأمر منتمون إلى المشروع الآخر. وفي هؤلاء اليوم من هم أحرار العالم ودعاة إصلاح نظمه وما فسد من قيمه وما ظلم، وإحلال الاستقرار والأمن الدائمين فيه، ولو كانوا في الأصل منتسبين إلى المشروع الحضاري المختلف.

باستدرار الرَّمح في مرْمح تلك اللعبة العقلية والسوسيولوجية الجميلة: الذات/ الآخر، وبشيء من التفكر والتفكيك السيكولوجي، تزداد اللعبة اقتراباً من «الشعرية«Poetique» الأكاديمية» [لأنها صحيحة وحقيقية من جهة، ومركبة باصطناع حاذق من جهة أخرى]. فواقع الأمر أن «الذات» ليست هي «الذات الحقيقية» وإنما هي الصورة التي صنعناها لها [أي هي صورة «الأنا» كما نتصورها ونصورها بوعي منا أو بلا وعي]. وثمّة فارق واضح بين الحقيقة/ الحقائق وصورها في الذات الإنسانية، وأعتقد بأن ضبط الفارق ليس عسيراًعلى العارفين. وكذلك الحال في النظرة إلى «الآخر»، الذي قلّما ترى إليه «الذات» كما هو، وإنما تراه بأدواتها وأقيستها هي، أي من خلال الصورة التي اصطنعتها له. فالحقائق العلائقية الصحيحة والموضوعية في الثنائية الجدلية بين الذات والآخر قد تمسي افتراضاً غير مثبت أو توهماً أو تدفع إليهما.. وما جاء استخدام مصطلح «التعارف» القرآني عبثاً في قوله تعالى: ... ﭽ  ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﭼ[5]، فالتعارف فعل إراديٌ يخرج من ظلام «أو موت» ما قبل المعرفة إلى نور الترقي في مراتبها متشكلة مواقف وسلوكيات. فالجعل الإلهي للناس شعوباً وقبائل ثابت وحقيقي لأنه إلهي، بيد أن التعارف «لأنه بشري» هو نسبي حتى وهو يرتقي إلى سلوكيات.

لا نظلل الحقائق القاطعة هنا بعلاقة «الواقع» المرئي أو المعجون بالكسور الإنسانية النفسية، لكننا نريد القول إن صورة الآخر كلما اقتربت من الحقيقة، ازدادت استدخالاً في حيّز العقل العلمي الموضوعي. أما إذا تناءت، فإننا نغدو في حيّز علوم الاجتماع والنفس، والأخيرة دائماً بما حول الحقيقة تَنطِق وتُنطِق.

أي غرب رأى اليه العلايلي في مرآته الكونية:

مسلمتان منهجيتان يستريح فيهما الوعي العلايلي لمشهدية العالم وعلائقية جماعاته وشعوبه:

المسلمة المنهجية الأولى: قناعته في أن العالم بأسره في أتون أزمتين: أزمة أخلاقية سماها العلايلي «أزمة الضمير الإنساني الذي بات في حال تمزق وضياع»[6]، وأزمة علائقية مستحكمة يتخبط فيها أهل الأرض قاطبة، وتسفحها خيبتان: الخيبة من الحضارة السائدة، وهي حضارة الغرب المحموم بالصيغ التي يمتلكها، وكلها تحديات للآخر واستعلاء عليه تجعله يتميز بتفوق تكنولوجي واتساق في البناء المادي، قبالة إخفاق حضاري في بناء الإنسان[7].. ما أدّى في الغرب نفسه إلى خيبة مقابلة أفضت إلى ظهور تيارات فلسفية وفكرية تتوجه الى حضارة الشرق ومذاهبه [الفلسفات الهندية وفلسفات الشرق الإسلامي] كما يوضح العلايلي نفسه، فنشأت برأيه «الصوفية الحديثة» في بريطانيا وأميركا وبلجيكا. فلا عجب عنده من بعد أن تكون «المجموعة الإسلامية» مصابة بأعراض مشابهة[8]. ولعل من أحكم مقولات العلايلي في هذا المجال تلك التي قالها في إحدى المقابلات التي أجريت معه: «إن الغرب حائر حضارياً وإنسانياً، وهو، حتى الآن، لم يفهم نفسه»[9]، ثم ذكر من الغرب مصداقاً هو كتاب «بول هازار»[10]: [أزمة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر] الذي صوّر فيه صاحبه [كل أنواع الحميات والأزمات التي تعصف في ذات الكائن الأوروبي الحديث والطريق المسدود الذي وصل اليه][11].

في السياق المنهجي ذاته، وتأكيداً على ما سبق وذكرنا في مقدمة هذه القراءة، نرى من الجدير بالإلفات تلك اللمعة المنهجية عند العلايلي، إذ صنّف الاشتراكية والرأسمالية في عداد «الصيغ الحضارية الغربية»[12]، وهذه منه انتباهة مبدعة، لأن السائد في بعض أدبيات الفكر والجيوبوليتيك الغربيين أن «الحضارة الاشتراكية» شيءٌ و«الحضارة الغربية» شيء آخر..

أما المسلمة المنهجية الثانية فتتجلى في اعتقاده بفكرة «العالمية» أو «الكونيّة» أو «المسكونية»، والمصطلحات الثلاثة من عنده.

أطروحة «العالمية» هذه التي تشبّث بالدعوة إليها في نصوص كثيرة صدعت في محصلات قراءته لمشهدية العالم المشار إليها، وعلى غرار ما قضت به قناعات «أولئك الذين يفكرون مستقبلياً» كما يصفهم. ومنبثق هذه «العالمية» عند العلايلي وعند القائلين بها والمرافعين عنها، الاعتقاد بـ»الوحدة الحضارية العالمية».

في القراءة الأفقية للخطاب العلايلي، وفي هذا النصاب العلائقي الجدلي بين الذات والآخر، منظوراً إليهما بالمنهج الحضاري وفي المعادلة المذكورة عنده، لا يبدو أن العلايلي يستمرئ تسمية الآخر الحضاري مباشرة إلا في الأقل النادر، وتجهد لتعثر على ما يشير إليه في خطابه بمسماه الصريح: «الغرب» لكنك غالباً ما تعود منه إما بخفي حنين وإما برأس إبرة من كومة قشٍ. وله فيما ذهب اليه مقاصد ومآرب ما في ذلك شك، لكنه لا يبوح بها، بينما تجده يصول ويجول ملكاً في غير هذا الخصوص. فلا يعقل أن يتناءى عقل كعقله النقدي ولا حراك فلسفي وسياسي وتحرري كحراكه، لا عن «الغرب» كمفهوم فحسب، بل كمفاعيل حضارية واستراتيجية وسياسية وثقافية أيضاً، لا على العالم العربي وحده، بل على العالم قاطبةً.. والعلايلي مصطف بإخلاص في صف الإصلاح الشامل من رأس البشرية الى أخمص قدميها، طرداً وعكساً، وعلى ذلك لا تلبث أن تجد العلايلي خارجاً إلى الكلام المباح على هذا الآخر الحضاري، مستدرجاً، أو مساجلاً فكرة أو «فكرويةً» كما استنبط للإيديولوجيا. وقلما كان هذا الخروج يتم بالفم الملآن أو الذكر الصُراح للغرب، وإنْ حدث ذلك أحياناً فبمصطلحات غير مباشرة تشير الى لوازم الغرب، لا إلى الغرب نفسه كمثل قوله: «الكل الحضاري»، و«النسق العام» «كذا!» و«المجاميع الحضارية في العالم»، و«نهاية الحضارة»، [من غير نسبة المصطلح إلى صاحب أو أن ينعته بنعت أو يضيف إليه إضافة!]، أو كقوله «الصيغ الحضارية المطروحة»..إلخ[13]. إلا أن السياقات المتضمنة هذا النوع من الإشارات غير المباشرة والحوامل الضمنية تشير بأن العلايلي لا يقصد سوى الغرب والحضارة الغربية.

إمعانأ في المقايسة العلمية أقول: إنني لم أشهد فيما عرفت في «العلايلي» توقفاً مناسباً من قبله أمام خطورة مسألة كالمسألة الغربية في بلادنا بمفاعيلها الخطيرة وطنياً وتاريخياً واستراتيجياً.

والجدير بالذكر هنا أن في مقدمات بزوغ الفكر النهضوي على أيدي إسلاميّي النهضة: الطهطاوي، والأفغاني وخير الدين التونسي و محمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد فريد وجدي والشيخ الغلاييني وأقرانهم، حضرت المسألة الغربية حضارياً وثقافياً بقوة أكبر مما أمست عليه الحال في واسطة عقود القرن المنصرم، وهي المرحلة التي أزهر فيها فكر العلايلي. ولذلك أسبابٌ، لعل في أهمها: انكفاء مشروع الاستنهاض بالإسلام إلى الظلّ لمصلحة مشروع البدائل العلمانية من اشتراكية وقومية أو ليبرالية أو قطرية وطنية، وفرض الانزواء «الموضوعي» على الاستنهاضيين الإسلاميين. تضاف إلى ذلك مفاعيل التجزئة وتوزع شواغل النخب حيال حيرة الخيارات بين الأفكار الكليانية والانهماك في قطرياتهم ومضائقهم الوطنية.

ولعل العلايلي لم يكن في خياراته الحضارية خارج إرباكات هذه الأنساق الفلسفية والفكرية.

هذا في القراءة الأفقية في فكر الرجل وخطابه[14].

أما في القراءة العمودية فإننا نقرأ وجه الغرب يصدف من تضاعيف الجوّانيّة الفكرية للعلايلي، و يتدلّى من وعيه ومن لاوعيه. فالغياب حضور في فكر هذا العلامة، بل هو الغياب أو التغييب النسبيان الأقوى من الحضور والأسمع. فالغرب غير المسمى أو المضمر مسْتَبطن في مخيال العلايلي بنماذجه الكلية تارة، وبنماذجه التفصيلية تارة أخرى: من الديمقراطية، إلى حقوق الإنسان، إلى المجتمع المأسس، إلى فهم التاريخ والتجارب التاريخية وعبَرها، الى معارك الأفكار والفلسفات...، وصولاً إلى تأثره الواضح بمناهج الغرب وعلمائه وفلاسفته في اللغويات واللسانيات و«وضع المعاجم» كما حكم رئيف خوري في كلام له على العلايلي الذي طالما ردد أن «الفكر ملك إنساني مشترك» لا احتكار فيه ولا تخصصية. ولَشدّ ما قاس بأقيسة الغرب الفكرية، وحاكى الكثير من النماذج التي صدع بها في مجالات كثيرة فغارت فيه فلسفات غربية عديدة بعضها جهر العلايلي بذكره كـ[برتراند راسل]، وبعض آخر ألمح إليه عند ذكر المتنبئين بموت الحضارات كـ[أوزوالد شبنغلر]. وهذه ليست نقيصة في العلايلي ولا في من تضلعوا في زمانه، في الفكر والمعرفة حتى نشوة الإبداع، وإنما هي شهادة حقٍ لحقيقة يعاند فيها ويستكبر أشرون كثر. ومن حق الرجل أن يعتبر «أن البحث عن مواضع التأثرعند أية شخصية من شخصيات الفكر، عناء يدور حول نفسه دون طائل. فما من فكر متميز إلا وهو مبتكر في نسب كبيرة أو قليلة، واسعة أو ضيقة». فهذه استدارة منه على الذات والفكر عقلانية لا ذرائعية، ليقرر العلايلي من بعد نوع العلاقة السوية بالفكر الغربي كما يراها، إذ يقول: «أنا ضد كل ما أعطى الفكر الغربي بلا استثناء، وضد الانغلاق في هذا الفكر في الوقت نفسه. يجب أن يكون هناك تنخل واستصفاء. يجب أن نأخذ من أجل إنعاش ذاتنا، لا من أجل فقدان هذه الذات».

كان العلايلي عارفاً بالغرب لا متعرفاً، ومحاكاته المستترة أو الظاهرة عنده لا تَعبُر إلا من خلال برزخ نقدي. أو هو يستطيب من الغرب ما يراه طيباً وهو ألفاه كثيراً فيستحيل في عاقلته وبين يديه ويتخلق في خلق آخر: في وجود علايلي يستوي فيه ما اختاره منه ويتفاعل «مثل خلايا في كائنٍ فكريٍ جديد»...كما يقول هو نفسه.

في رأي العلايلي لا قوالب ولا أنماط[15]، ولا مناهج ثابتة، بل تبدلية عامة دائبة يقدم فيها الأفراد الأفكار الكبرى، بينما يكون التغيير عطاء الجماعة. ولا يفوته، من بعد، الكلام على بنى التغيير، فينتقل من الهيغيلية المغفلة إلى الماركسية المغفلة.

عبر هذه الرؤية الكلية المنهجية والإنسانية، يستحضر العلايلي الغرب و«يمرجعه» «أي يتخذه مرجعاً» للإثبات أو للنفي. تحديات الغرب ومواقفه بمستوياتها وتحولاتها المعاصرة تجاه قضايا العرب نادراً ما تشاغل بها خطابه «فلسطين مثلاً لا حصراً التي اقترح لمشكلتها حلاً من سطر واحد قوامه دولة واحدة للعرب واليهود»، وذلك فيما نشر له في العقود المتأخرة، وحتى فيما قبلها أيضاً. ولعله في خريف العمر كان مزمعاً النأي بنفسه عن الخوض في السياسة المباشرة والمواقف بعدما كان معروفاً عنه انخراطه في السياسة في شبابه حتى لقّب بـ»الشيخ الأحمر» لشدة انشغاله في الإصلاح الشامل. وهو القائل «شاركت في تأسيس وأعمال أحزاب سياسية متناقضة»[16]. وها هو يُسأل في مقابلة صحفية قبل وفاته ببضعة أشهر، إذا كان يرغب في حديث السياسة فأجاب: «الهامس واحد». وفي العبارة على ما فيها من إبهام متعمد ظل فكرٍ سياسيٍ حاذق لا يريد التجسد.

كانت تخرج منه أحياناً «تفلتات» من عقال ما ألزم نفسه به، وبخاصة عندما كان يُسأل عن الحركات الإسلامية الصاعدة التي لم يكن يرى إليها إلا باعتبارها ردة فعل على ما يسميه «تفكير أهل الغرب وتصرفهم تجاه الشعوب العربية الإسلامية». كانت هذه الشعوب تحت الاستعمار، فلما تحرّرت من نيره ظنت والكلام علايلي بأن الإستقلال سيشكل «خلاصاً لها». «وعندما خاب أملها في كل ما هو أوروبي و غربي، ارتدت إلى فكرها الخاص وينابيعها الخاصة، ولديها الحق في هذا التحول»[17]. أما شرطه لحرية تلك الشعوب المقهورة، فهو أن تكون عودتها الى الينابيع «عودة عقلية مستنيرة ورشيدة»[18].

لا يختلف اثنان في صوابية الشرط الذي يقرره العلايلي، غير أن تفسيره لقيام الحركات الإسلامية الحديثة لم يكن في رأيه «لتفجر كموني»[19] بل مجرد ردة فعل ما كانت لتحدث «لو كانت الحضارة التي قدمها الغرب علاجيةً مكتملة الجوانب»[20]..وهذا تفسير لا يخلو من مثيرات الجدل، ولا يوافقه عليه كثيرون سواء كانوا من داخل صفوف تلك الحركات أو من خارجها.

لا شك في أنّ «إخفاقات» [المصطلح علايلي] التجربة الحضارية الغربية في الأنماط المقرونة «بتحديات سابقة»[21]، قد أسهمت في إنتاج ظاهرة «اليقظة الإسلامية» أو «الرجعة الإسلامية»[22] [التعبيران للعلايلي] بل في عنف هذه الظاهرة الناتج عن «عنف الأثر الحضاري الغربي»[23]، كما يسميه الرجل. لكن المشكلة في هذا التفسير تكمن في استناده إلى «منهج العامل الواحد» فقط، وحكمه على الظاهرة باعتبارها «خيبة أكثر مما هي شيء آخر»، وهو يعني: «الخيبة أمام التحديات المطروحة»[24]، وذلك بتغييب كلّي منه للدواعي والدوافع المعتقدية الداخلية المتفاقمة، إضافة الى إغفاله احتشاد الظروف الموضوعية والتاريخية والذاتية الداهمة وهي تدق باب الاستنهاض الإسلامي بقوة في الأزمة القائمة، لا سيما بعد «الثورة الإسلامية العامة» التي واكبتها وهي التي ما انفكت دوائر تأثيرها عن الاتساع والتمدد البتة، وذلك على قاعدة ثقة من «ثاروا» بمشروعهم الحضاري وقابلياته ودينامياته الفائقة، ناهيك بنجاح تجاربه وخبراته التعددية السابقة في شتى المجالات، وقد شهد التاريخ الكثير من الخبرات العلائقية الناجحة المتفردة حضارياً.

ولعل هذا المناخ العام من القلق والتردد والغشاوة المضروبة على مساحة الاستنهاض من الداخل، هو ما دفع العلايلي للدعوة إلى «العالمية» التي رأى كيف أن الدنيا كانت تتجه إليها بسرعة السقوط.

وهو اللغوي اللماع المجدد، رأى إلى أولوية التواصل مع العالمية بلغتها، أي باللغة العالمية وهي «الإسبيرانتو» التي كان دعا إليها قبله «كل الذين يفكرون استقبالياً»، وهي اللغة العالمية الواحدة المعبرة عن «الوحدة الحضارية العالمية» كما سماها وكما سبقت إشارتنا.

فوجود لغة عالمية تحمل كل نتاج الفكر العالمي، عمل حضاري «هائل»، «وقد بدأت الناس، يقول العلايلي: «تتحسس هذه الحاجة» وكلما اتضحت معالم الكونية، أو حسب التعبير القديم «المسكونية»، ازدادت الحاجة الى «الإسبيرانتو« من دون أن يعني موقفي، يقول العلايلي تقويضاً للغات أخرى. فاللغات القائمة هي للتصرف اليومي، «لكن لغة الفكر عالمية مسكونية» وهي «لغة العالم الواحدة للعلوم والفنون والآداب»[25]، التي قال العلايلي عنها مرة أنها «غاية الأمل» عنده إذا تحقق ذلك يوماً[26]. وعلى هذا، لا يكون إلا من باب «لزوم ما لا يلزم»، قياس مدى تفاؤلية العلايلي وأمله بتشكّل «حضارة عالمية واحدة» في المستقبل وربما دين واحد سيكون «عقليّاً»[27] لا حرفيّاً. وهذا رأي للعلايلي يحتاج في مناقشته وتقويمه إلى مقام آخر. فما كان لهذا المجتهد[28] الفقيه الوصول الى حدود الطوباوية هذه، لولا إيمانه بمسلمتين: الإنسان الكلي الذي تعبر فيه الإنسانية عن «الدينامية الحركية»[29] التي تتصل فيها جهود الكائن من غير انقطاع ولا قطيعة[30].

دعوة العلايلي إلى تلك العالمية هي فعل إيمانه بما يسميه: «التطور الدائم»، وهذه التطورية محمولة عنده على «الهيغيلية». فعند العلايلي «الواقع هو الذي يغير الفكر»، لا العكس[31] وأن «طابع الحضارات مادي صرف»[32] [لاحظ الظلال الماركسية في القول]، وأن الصراع يؤدي «الى الأحسن والأرقى، ولو بخضات عنيفة»[33]، فما يجيء الربيع حسب قوله إلا على «أكفّ العاصفة»[34] و«التغير من طبيعة الأشياء»[35].

الإيديولوجيا الخلاصية في فكر العلايلي:

حيال المأزق الحضاري والعلائقي الذي يغور العالم في لجته ويحار، ويكابد الإنسان المعاصر مرارتها، وقد استفاض العلايلي في القول فيها، توقع الرجل أن يستتم القرن العشرون [توفي العلايلي عام 1996] «ولمّا يزل غارقاً في حمأة دخائله التي باتت آسنةً»[36] مشرفة على أوخم العواقب. وككل مفكر ريادي كان من المنطقي أن يتقدم بمشروع أو رؤية لحل، أو لحلول يعتقد أنها ممكنة التطبيق، فلا يكتفي، على طريقة الكثيرين من رجالات الإصلاح المعاصرين والمحدثين بـ»نقد الواقع» وإبداء التبرم منه.

في العصر لبث العلايلي، وهو يداري ويتدبر سبل الانعتاق والخلاص، وبأدوات العصر ذاتها سعى إلى اجتراح مسالك الحلول وفتح أبواب الإنقاذ المغلقة.

من رفض الصيغ الحضارية الغربية كلها [الاشتراكية والرأسمالية]، بدأ، واستكمل فعل الرفض هذا من خلال موقف حاسم من أطاريح ما سماه «اليقظة الدينية الإسلامية»[37] واعتبارها لا تشكل عنده سبيلاً للخلاص[38]، ولا صيغة ملائمة لتطلعات الإنسان المعاصر تنقذه من مسلسل خيباته.

منذ وضع كتابه: «أين الخطأ؟..تصحيح مفاهيم ونظرة جديدة»، ما انقطع العلايلي قط عن ترداد خطاب خلاصي واحد راح يبث أفكاره في كتاباته وعبر جميع وسائط النشر والإعلام التي طالتها يمينه، أو اتجهت بدورها إليه.

«أين الخطأ؟..» كان «مشروع» الخلاص العلايلي، وكذلك رأى الى العصر فألفاه في حمأة الصراع الإيديولوجي يهيم، بعدما انكفأت أنماط الصراعات الأخرى، وانتصرت بعد الحرب الثانية فكرة الإيديولوجيات العلمانية بأشكالها وتنوعاتها المتراوحة بين أقصى اليمين وأقصى اليسارعلى الإيديولوجيا الدينية.

وفاق مبدأ «داوني بالتي كانت هي الداء»، ولأن «العالم مطالب بتنظيم سبل خلاصه»[39]، رأى العلايلي الى «الحل يكمن في التماس إيديولوجية أكثر عمقاً وسلامةً» من خلال ما سماها «كينونة الذات الإنسانية على وجه حقيقي»[40].

قال العلايلي: «إن لي إيديولوجية متكاملة»، لعلها تكون حلاً للمشاكل التي سماها في مناسبة أخرىتسمية طريفة هي: «التكنولوجيا الإنسانية». وذلك جرياً على «منطق التكنولوجيا نفسه» السائد في العصر ويمكن إدخاله في «بناء الإنسان»[41]، وهو عنده الفكرة الحقيقية للإنقاذ الحضاري[42]، وفي المناسبة عينها استخدم لها مصطلح: «الدرب الجديد»[43].

قوام هذه الإيديولوجية الخلاصية عنده جاء من باب السهل الممتنع الصادر من منطلقات منصوصة وجاهزة، وتكاد تكون متفقاً عليها دولياً: «العودة إلى الأفكار الرئيسية للثورة الفرنسية، ولمبادئ الأمم المتحدة، خصوصاً ما يتعلق بحقوق الإنسان. وبمعنى أوضح [والكلام للعلايلي دائماً]: أن يتم العمل الإنساني المشترك على تعميم هذا الخط، وهو بالطبع، لا يتعارض لا مع الينابيع الإسلامية ولا مع ينابيع دينية أخرى. وهذا يعني تلاقي الكل على الكل. أي أن هناك كلية إيديولوجية يتلاقى عليها الجميع. وبهذا التلاقي تكون «الخلاصية الصحيحة «[44] التي تشكل فيها «كل جماعة قطعة من آلية إنسانية واحدة[45] أو تركيبة عضوية واحدة. وهنا تكون الوطنيات [من وجهة نظر العلايلي] حقيقية تحقق للإنسان خلاصه ككل»[46].

هكذا إذن، وبكل هذه البساطة، وفّى الرجل قسطه لما وجده إيديولوجية خلاصية للعالم، دونما احتساب منه لا لآليات تسييل مبادئ «إيديولوجيته» في تشنجات النظام الدولي المضطرب، ولا للقوى التي ستنفذها، ولا لموازين القوى العالمية المتحكمة بصيرورة العلاقات الدولية ومساراتها ومؤسساتها، ولا لتراجيديا احتدام الصراع على المصالح، ولا للهيمنة العالمية المعولمة، ولا لازدواجية المعايير السائدة، ولا لغصب أرض الآخر وحقوقه أو تقسيمها نتفاً، ولا لأهداف الحروب التي تشن على قدم وساق بأشكالها الوقائية أو العقابية، ولا لثروات المستضعفين وخيراتهم التي يمعن فيها طواغيت العالم سلباً ونهباً، ولا للهوّات الاقتصادية والتنموية والتكنولوجية التي تتمدد وتتسع وتتفاقم في متواليات هندسية بين عالمي الشمال والجنوب.. الخ.

لا يشك أحد في حسن طويّة هذا العلامة الكبير، ولا في طيب نواياه وصدقيته وإخلاصه في اقتراح أفضل ما اعتقده منجاة للمسلمين والعرب وللعالم. لكن لا أحد يشك بالمقابل في أن للخلاصية الإنسانية شروطاً ذاتية وموضوعية تتجاوز بكثير حدود الإيديولوجية التي انتهى العلايلي إليها. ولسنا في هذا المجال لنظلم الرجل إنْ قلنا إن تعقيدات المشكلات العالمية والتداعيات لا يمكن تفكيكها ودرؤها بهذا النمط من الطوباوية «التبسيطية» التي تكاد لا ترى قلق البشرية واضطراب حبل أمنها واستقرارها إلا من سم الإبرة الأخلاقي، أو من خلال جهود وآراء فردية تظل كليلة مهما تدرّعت بصنوف التسامي، ولا تتجاوز حدود وجهة النظر.

لعل أبرز ما كان ينقص هذا الفقيه الجليل والعالم اللغوي العملاق والمفكر المتنور هو: العقل الاستراتيجي السياسي، ووعي أكثر تعمّقاً لطبيعة العلاقات الدولية، ومعرفة وثيقة بالمتغيرات والتحولات المتعلقة بها وحقائق الحراك العام الدائر فيها، وكذلك الحال في ما يتعلق بالمؤسسات السياسية والمنظومات التي تسيّر النظام العالمي وترسم مساراته.

وفي اعتقادنا، أن الأبقى من فكر العلايلي هو إرثه اللغوي والأدبي الثّرُّ، وسبقه واجتهاده وألمعيته في هذا المجال.

يُسجّل للرجل أيضاً الكثير من مواقفه السياسية واجتهاداته الفقهية، وخروجه عن النمطية السائدة في المؤسسات والمرجعيات الفقهية التقليدية، كما يسجل له فهمه المختلف والنقدي لكثير من الصنميات التاريخية والتكرار المتوارث فيها، ما أثبت فيه العلايلي باعاً طولى وعقلاً حراً مستنيراً في تناوله الكثير من مطارح العتمة في تاريخنا القديم، مؤكداً على لزوم كسر الجمود الدائر حولها وتجاوز المناهج التقليدية في النظر إليها والخوض فيها. فكثيراً ما اقتحم العلايلي أحوازاً تاريخية وعقلية وفقهية ومعرفية وقانونية، كانت إلى أمدٍ غير قريب حبيسة المحرمات، أو هي من باب «غير المفكَّر فيه». أما تقديراته المستقبلية وتوقعاته الاستراتيجية والحضارية، فبيانها، تبعاً لهذه الدراسة، ينبئ- على ما بدا ويبدو-، والمؤشرات يتوالى ظهورها، بأنها لن تكون الأبقى.

وفي جميع الأحوال، في العلايلي وله، ثمّة ميزة مضافة، هي شجاعته في النقد الذاتي والاعتراف بخطأ تقدير قدّره، أو احتساب عنده لم يصحّ، أو استشراف مضلّلٍ بنى عليه أحكاماً ورؤىً وأفكاراً، أو حَدْسٍ حَدَسَ به، ثم جاءت الأيام «تكذّبه» [لفظة «التكذيب» استخدمها العلايلي في السياق نفسه][47]. وتلك حاله مثلاً عندما أقرّ في تصريحاته وفي أحاديث صحفية عديدة في استشراف ما يسميه «الرجعة الغربية إلى الدين وتداعياتها» التي «لم يظن أحد [يقصد عام 1982] أن الأمور سوف تؤدي إلى ما أدت إليه» بأن الأيام كذبت حدسه لجهة توقعه أن الدين سيكون «عقلياً» في المستقبل[48]. و المفارقة في هذا المجال أن العلايلي غادر هذا العالم متشبثاً بالحدس نفسه من غير تبديل، إذ ردده في الكسر الأخير من عمره المديد في مقابلة منشورة في «الوطن العربي» في 03/01/1997[49].

قيل في العلايلي: أنه «لم يتابع عملاً بدأه، أو أكمل مشروعاً وتابعه»[50]. ولعل في هذا الحكم بعض، أو كثير، من قسوة. فحال العقل النقدي أو العالم القلق التجاوزي أو المثقف القلق التجاوزي عندنا، أنه يعيش وحيداً.. ولعله لا يموت إلا وحيداً.. وهذه «الفردانية» آفة في بلاد التخلف، لسنا - معشر هؤلاء- مسؤولين عنها في الأعم، إلا أننا معرضون باستمرارٍ إلى السقوط، أو الإسقاط في ابتلاءاتها والتبعات، ولا منجاة منها، إن لم نتدارك مجتمعاتنا وبلادنا بالمأسسة العلمية والمعرفية المستنيرة والمستقبلية وبالتكافل.

التاريخ بين البعدين الزمني والمكاني
في المفهوم الإسلامي

الحاج عمر غندور[51]

بادىء ذي بدء، قصدت في اختياري موضوع «التاريخ بين البعدين الزماني والمكاني في المفهوم الاسلامي» عنواناً لهذا البحث في مناسبة تكريم عالمين رائدين في علوم اللغة والفقه المغفور لهما الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ محمد جواد مغنية وكلاهما رفد واغنى المكتبة الاسلامية بمؤلفات وابداعات نادرة ستبقى على مدى التاريخ منارات يهتدي بها كل من اراد توغلاً وتعلماً وارتقاء الى اعلى مراتب الشرف، وكلاهما لم يغفل التاريخ، لا بل كان التاريخ المادة الاساس في ميادين المنازلات الفكرية المستنيرة الراقية الباحثة عن الصواب، وربما هذا اكثر ما تحتاجه الامة في زمن المهاترات وفقهاء السلاطين.

لذا، ونظراً لضيق الوقت سأعرض عما كتبته في مقالتي عن الفلاسفة أعلام المدارس التاريخية من أفلاطون الى كارل ماركس مروراً بابن خلدون واليهودية والمسيحية إلى النظرة الإسلامية وأيضاً باختصار لأدخل إلى المهم... إلى الإسلام.

النظرة الإسلامية:

ان «التاريخ» رصد لحركة الانسان في الارض ودراسة عميقة للعقل الانساني وما يتركه هذا العقل من تجديد وإنشاء للمجتمع البشري بكل تشكيلاته البنيوية ومظاهره. فالتاريخ هنا يرصد الحراك الانساني على سطح هذا الكوكب الذي يعيش فيه محاولاً الكشف عن القوانين السببية ﭽ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ [52] فقوانين السببية هي الدافعة لنشوء الظاهرة او مجموعة الظواهر الاجتماعية، وبالتالي يراقب الصيرورة الاجتماعية اي مسار التحولات في الواقع الاجتماعي ﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ [53].

والتاريخ بهذا المعنى هو علم شمولي تتلاقى معه وتتداخل علوم الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، والآثار، والجغرافيا وسائر العلوم الانسانية الاخرى. ويعتمد علم التاريخ على التحليل والتفسير للظواهر الاجتماعية مفسراً نشوؤها وتشكلها، وراصداً حركة تحولاتها في الزمان والمكان محاولاً الربط بين الوقائع في الماضي والبحث عن عللها ومراقبة حركتها ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﭼ [54].

وبذلك يكون التاريخ ليس فقط تدويناً او الحدث، بل ايضاً الكشف عن القوانين السببية التي تقف وراء الحدث قبل حصوله ولحظة حصوله وبعد حصوله. ولذلك نحن المسلمين أولى بالعيش مع حركة التاريخ كي نتفاعل معه ونصلحه حسب السنة الإلهية كي لا نكون من الذين قال عنهم الله ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﭼ [55].

من هنا يمكن القول بان سنن التاريخ هي تلك الضوابط او القوانين التي تتحكم في عملية التاريخ، وتنشىء ما يسمى بالساحة التاريخية التي تكون لها ضوابتها وقوانينها مثل سائر الساحات الكونية الاخرى: الفيزيائية والكيميائية والفلكية والحيوانية والنباتية الخ... ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ [56].

والقرآن الكريم عندما يعالج حركة التاريخ فانه يبين لنا السنن التاريخية التي تعالج قضايا الانسان وارتباطه بالحياة والكون.

ويقول أستاذنا الداعية الكبير العلامة الحاج سميح عاطف الزين ان القرآن الكريم ليس كتاب علم بل كتاب أنزله الله تعالى على قلب سيدنا محمدP لإثبات قضايا ثلاث رئيسية هي: حاكمية الله تعالى في الكون، ومنه الارض وانسانها، وشريعته ومنهجه الالهيين، وهدفه ان يبحث في هذه القضايا على حقيقتها وان يثبتها في نفوس الناس، وان يزيل كل المعتقدات والمفاهيم البالية التي تشوه تلك القضايا. فهو إذن كتاب انزل ليخرج الناس من ظلمات الجاهليات القديمة والمعميات الحديثة، الى نور الهداية والحقيقة ﭽ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛﭼ[57].

والقرآن الكريم لم يأت ليعلمنا أسرار الكون ولكنه جاء بأحكام التكليف واضحة وأسرار الوجود مكتنزة حتى تتقدم الحضارات ويتسع فهم ال‘نسان فيكشف الله سبحانه وتعالى من أسرار الكون ما يجعلنا أكثر فهماً بعطاءات القرآن لأسرار الوجود، فكلما تقدم الزمن وكشف الله للإنسان عن سر جديد في الكون ظهر إعجاز القرآن.

وقد أكد القرآن الكريم على وجود قوانين سببية وراء تجديد وتطور الظواهر في الطبيعة والمجتمع وهو يدحض الصدفة في الوجود والكون وينفي ان تكون الاحداث التي تحدد حركة الجماعة البشرية في التاريخ اعتباطية. لا بل إن تطور الاكتشافات والظواهر الطبيعية جاءت لتؤكد لا بل لتثبت إيماننا بالله سبحانه وتعالى.

ﭽ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭼ [58].

إذن لا مجال للفهم الخاطىء حول منهجية التاريخ وتسلسله في شتى المراحل والحقب، وكتاب الله بين أيدينا نور وهدى ولا عذر لنا في عدم تدبر مقاصده واتباع سنة نبيه وآله الاطهار.

الإسلام حاضرة التاريخ:

ويقول الدكتور محمد مراد والمتخصص في التاريخ: «الإسلام بمضمونه وأبعاده الروحية كان موجوداً في التاريخ قبل نزول القرآن وقيام الدعوة الإسلامية، فالتاريخية الإسلامية حاضرة في التاريخ من حيث التقائها في الجوهر الاعتقادي مع الديانات السماوية الأخرى ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭼ [59]».

الإسلام الخط التاريخي الممتد عبر الزمن:

ثمة حقيقة تاريخية ينبغي التوقف عندها وهي إن الإسلام كدعوة رسالية لم يكن محدوداً زمنياً بذات اللحظة التي بشر بها الرسول محمدP بالرسالة الجديدة، وإنما كان الإسلام خطاً تاريخياً ممتداً في الزمن البشري منذ بداية الخليقة. فالقرآن الكريم أطلق الإسلام، عنواناً لكل الرسالات، بحيث كانت كل رسالة تمثل فصلاً من فصول الإسلام التاريخي الممتد منذ آدمQ مروراً بحركة متتالية من الأنبياء وصولاً إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى R، وانتهاءً بالنبي محمدP.

الإسلام دعوة متواصلة:

فالإسلام هو دين الله الواحد لا يقبل الاختلاف أو القطع في وحدة الخط الإلهي في التاريخ. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة في قوله تعالى: ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽﭼ[60] ﭽ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﭼ [61].

والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تثبت أن الإسلام هو حركة دينية متواصلة في التاريخ، وانه كان مضموناً قيمياً لكل الدعوات النبوية والرسالية التي ظهر فصلها الأول مع آدم أبو الأنبياءQ وفصلها الختامي مع نبوة محمدP. جاء في قول نوح لقومه: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﭼ [62].

ومما يشير إلى أن اليهودية الموسوية ليست سوى عنواناً من عناوين الإسلام في خطه التاريخي المتواصل، وهو ما جاء في قول موسى لقومه: ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ [63].

وكذلك سيدنا عيسى عندما قال من أنصاري إلى الله ﭽ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭼ [64].

الإسلام الفصل الختامي:

وقد توقفت بإعجاب لقول الدكتور محمد مراد في كتابه القيم: «القدس بين الاجتثاث الصهيوني والمهادنة الدولية».

إن الإسلام المحمدي هو الفصل الختامي للإسلام التاريخي المتواصل، لا بل هو الإسلام الكلي الذي وجد اكتماله في الدعوة النبوية التي حمل لوائها النبي العربي محمد بن عبد اللهP، والتي نزلت فصولها العربية المحفوظة في القرآن الكريم بلغة العرب القوم الذين خصوا بها لبلاغتهم.

حركة التاريخ والفكر الإسلامي:

نعم لقد مرّت على التاريخ البشري دورات تقلّبت فيها احوال الناس وتبدلت كثيراً، فكان من الطبيعي ان تطال تاريخ المسلمين، بابتعادهم عنه الذي مر جرياً على قاعدة الحياة بمراحل القوة، والضعف، بحيث ظهرت فيه دول كبيرة وقوية وهزيلة وضعيفة. ولكنّ ميزته الاساسية، انه في جميع مراحله تلك لم ينفك يمدّ المجتمعات التي عرفته بـ»الفكر الاسلامي» المتجدد الذي لم يتوقف يوماً عن اتاحة الفرصة للنمو الانساني والحضاري، وافساح المجال لالتقاء الاسلام بالحياة والحضارة، وجعل الحركة متصلةً في العلاقة بين مجتمعه وبين مختلف الحضارات والثقافات والمجتمعات الأخرى.

وذلك كله مع القدرة على الأخذ والعطاء، ومع المحافظة الدائمة على مقوماته الاساسية التي لم يضف اي شيء جديد اليها، بعد ان كانت مفاهيم السلام وعقيدته قد استكملت تماماً، وخطوطه العامة قد رسمت فعلاً ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆﭼ[65]، خلال حياة الرسول الاعظم. وتم كل ذلك طبعاً بفعل النصوص القرآنية الثابتة، التي لا يطرأ عليها اي تغيير، او تبديل، وعلى النحو الذي يكفل للبشرية وجود رسالة انسانية عالمية خالدة، تمتد مع حركة التاريخ الى النهاية التي يقدرها الله سبحانه ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ [66].

الإسلام دين الله:

فالإسلام هو دين الله على الأرض، هو دين الله في التاريخ. ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭼ [67] لذلك فالخطاب القرآني لم يكن ليخاطب جماعة معينة او عرقاً معيناً في التاريخ. فالمسلمون هم اخوة في الدين دونما اي اعتبار لجنسهم او لونهم او اقليمهم. صحيح انً الدعوة الاسلامية خاطبت الجماعة العربية في دائرة جغرافية معينة هي الجزيرة العربية في البداية، وصحيح ايضاً انّ النبي محمدP هو عربي قرشي، والقرآن الكريم نزل عليه باللغة العربية الاصلية، إلا ان ذلك لا يعني محدودية الاسلام في نطاق معين، بل هو يتجاوز المكان والزمان المحدّدين الى العالم كله اي الى المكان كله والزمان كله. لقوله تعالى: ﭽﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﭼ [68].

لذلك أقول:

ان التاريخ الاسلامي يحتاج الى اعادة نظر في تحقيق ما ورد من حوادث مخزونة في الكتب فيها الخطأ والصواب والخيال والافتراء والكذب حتى باتت مداخل للفتن بين المسلمين، وسلاحاً في ايدي المتربصين بالاسلام من غير المسلمين. واكرر واشدد أن الإسلام يأخذ من الكتاب والسنة.

ولذلك، وجب التصحيح على مستوى علماء الامة عن طريق التحقيق في امر الرواة والمستندات وفي الحوادث نفسها ومحاكمتها على ضوء الوقائع والروايات، ومراعاة الزمن الذي نقلت وكتبت فيه هذه الوقائع.

وعلينا كمسلمين ان نعود الى شريعتنا افكاراً واحكاماً والى الواقعية الحياتية المنسجمة مع شرعنا الحنيف سبيلاً، وجهداً لرفع شأن الاسلام والمسلمين وحمل الدعوة الى العالمين وتنقية المكتبة الإسلامية من الكتب التي تبث الفتن وتخرج عن روح الإسلام وتركز على الكتب التي تحمل بين دفتيها ما يحقق الوحدة والتآلف مع الحفاظ على الكتب التي تعنى في المعرفة ليكون المسلمون رواد العالم لان الله استخلفهم في الأرض.

ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ [69].

ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ [70].

ﭽ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ [71].

الإمام الحسينQ في فكر العلايلي

د. حسن عباس نصر الله[72]

شغل الإمام الحسين على عبد الله العلايلي فكره: أحبه، عايشه في طفولته، قرأ أخباره، سافر معه في ثورته، شم فيه رائحة النبوة، أليس الحسين سبط محمدP، وسليل النبوات، وربيب الوحي؟ كتب عنه وكتب، أتعب القلم وما تعب! نلمح الحسين في «مثلهن الأعلى» نوراً يطوف في منازل الوحي، يلاحق جده إلى حجرات نسائه.. ثم أطل في قصة «أرينب بنت إسحاق» بطلاً غيرياً، تمثلت فيه الإنسانية، كان رسول السعادة، حملها إلى زوجين فرقتهما مكائد معاوية، ونزوات يزيد...

ثم أشفق العلايلي أن يظل تعاطيه مع الإمام الحسين قائماً في مؤلفاتٍ جانبيةٍ، فاندفع يفرد له ثلاثة كتب، أسماها «حلقات»، وهي: «سمو المعنى في سمو الذات» و«تاريخ الحسين» و«أيام الحسين».

بعد أن أنهى أسفاره المضاءة بأنوار السبط، الموشاة بتقاه وشمائله، المشرقة بشجاعته وإنسانيته، ظل عَطِشاً إلى الأنوار، وظلت محبة الحسين تضج في عقل العلايلي وقلبه.. فكتب المقالات، وشارك في الندوات، وأقام المحاضرات. فكانت عاشوراء، على موعدٍ معه كل عام، تنتظره ليحاضر عن الإمام الحسين، فيعطر الأسماع بشذا الأحاديث النبوية، التي أرسلها جده، فتكتب إمامة الحسين في قلب نبوة(محمد) «حسين مني وأنا من حسين» فيتسامى العلايلي في عطائه، ويتسامى في إبداعه، لينتهي الكلام عند نقطة تلتقي في دائرتها الإمامة مع النبوة، ومتطلّعتان إلى الأنوار الإلهية في عشق العارفين.

العلايلي فقيهٌ متحررٌ، ولغويٌ مدققٌ، وأديبٌ شاعري الأسلوب، ومفكرٌ «فكره كما الإسلام، منهجٌ كليٌّ، لا يؤخذ تفاريق، ولا يدرس أجزاء معزولة».

ما كان العلايلي مؤرخاً بالمعنى الدقيق، إنما خرّج للناس تعليقات على تاريخ الإسلام، كما قال. إذ تناول بعض الأحداث التاريخية، قرأها بثقافةٍ واعيةٍ، وتجردٍ، وموضوعيةٍ، وجرأةٍ...

فعلّل، وحلّل، وقارن.. مستخلصاً الحقائق بقدر ما وعاها فكره.

أمدته الثقافة بفهم الأحداث، وتمييز الحق من الباطل، واستخلاص الأحكام الصحيحة، لأن الثقافة الواعية تدفع بصاحبها إلى استلهام النور، وصولاً إلى طريق الحق...

إن التعليقات التي أطلقها لاقت «استنكاراً من قومٍ، ومعتبةً من آخرين»[73]. ذكر في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه «الإمام الحسين»، الأسباب التي حرضته على أن يخرج للناس تعليقات على تاريخ الإسلام. قال: «المرحلة الأولى من مراحل التاريخ الإسلامي يجثم عليها الغموض»، وكل ما حدث في الإسلام من بعد، له مرتجع إليها ومرد. وأكد ذلك في مقدمة الحلقة الثانية، إذ رأى «أن جمهرة المؤرخين المحدثين لم توفق إلى إقامة التاريخ العربي على سنةٍ منطقيةٍ، وقاعدةٍ نقديةٍ، تحتفل بتبيان الدوافع والعوامل التي من شأنها أن تهيء ظروف التاريخ المختلفة، وتحدد له الاتجاهات»[74]. أحب أن يميط الغموض عن المرحلة الأولى، مناقشاً بعض النظريات التاريخية الحديثة، فالتاريخ ليس علماً يسلك الأسلوب اليقيني، إنما ينظم في نسق الآداب التي هي نتاج القوة النظرية والبحث الإستنتاجي، المبني على علومٍ جديدةٍ مثل: علم الإجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد...ورأى بعد تأملٍ، أن كتابة التاريخ منذ أول عهد العرب «لم تكن بريئةً على إطلاق القول، بل دارت على خدمة أغراض شتى، بين النزعة المذهبية، والزلفى من السلطة الغالبة»[75]. وأقر رأي «غوته» الداعي إلى إعادة تدوين التاريخ، والنظر فيه من حينٍ إلى آخر.. بعد أن ظهرت، على مر العصور، وجهات نظرٍ جديدةٍ، في أفق البحث العلمي. لذلك باتت إعادة النظر في التاريخ الإسلامي، مطلباً ضرورياً وملحاً، واستجابة لهذا المطلب، انطلق العلايلي يقرأ التاريخ الإسلامي، برؤيةٍ جديدةٍ ومنهجٍ متطورٍ، وذهنيةٍ منفتحةٍ، اختار الإمام الحسين مادةً لدراسته، ومفتاحاً لمغلفاته، وباباً يلج منه إلى مدينة التاريخ الإسلامي..وأومأت إليه القراءات أن دراسة الحسين تتطلب درساً لكل عناصر التاريخ الإسلامي: البيئة العربية قبل الإسلام وبعده، أي: فهم عصر الحسين، لكشف التجذر في الصراعات القبلية، التي ناهضت الإسلام، وتعاليم القرآن الكريم. ثم التأمل في العناصر السياسية، والإجتماعية والدينية والاقتصادية...مركزاً على المعطيات الإجتماعية، والمعطيات النفسية لتفسير تصرفات الأشخاص.

هذه العناوين عالجها العلايلي بروحٍ تستشرف الحدث، وتنقله بدقةٍ مناقشةً ومستنتجةً، غير مباليةٍ باستنكار قومٍ، وعتب آخرين، لأنه وعى الإسلام ديناً منفتحاً على الحياة، يقدس المعرفة، ولا يقوقعها ضمن روايات ملفقة، شاء لها الناس أن تكون مقدسةً، فقدسوها مع أنها على خلاف ذلك.

سعى إلى إقامة التاريخ على سننٍ نقديةٍ منطقيةٍ، وقاعدةٍ نقديةٍ تحتفل بتبيان الدوافع والعوامل، ودراسة النصوص التاريخية، وتحقيقها ضد «التدليس الخفي»، وتصحيح الوسائل والسائط في أسانيد الروايات..[76].

الموضوعية وعدم التعصب العلايلي واحد من الذين عناهم بولس سلامة بقوله:

««اعتمدت المؤرخين» الثقات من أهل السنة، الذين عصمهم اللّه من فتنة الأمويين»[77].

أخذ على نفسه في المقدمة لزوم هذا النهج، وهو «التجرد عن شتى النوازع، والسيطرات الوجدانية والإعتقادية»

تعاطى مع قضية الإمام الحسين بحياديةٍ، وتجرد عن الميول المسبقة. قرأ حياة الحسين، وحياة يزيد، قرأ سيرة بني هاشم، وسيرة بني أمية...أقام مقارنةً بلا ميولٍ أو هوىً. أحصى أعمال الهاشميين، وإذا بها تدور في حقل الفضائل، متناهيةً في حب الخير وفعله، وأحصى أعمال الأمويين فوجدها تدور في حقل الشر، والحقد، والإنتقام، والدسائس، والدهاء، والمكر والقتل عرض أعمال الهاشميين، وتركها تشرق بفضائلها، وعرض أعمال الأمويين تتلفح بعتمة الشر...كان منصفاً لم يحاول تجميل خبائث الأمويين، وتصرفاتهم، مثلما فعل كثيرون من المؤرخين الذين وقعوا في فتنة الأمويين، فبدلوا سيئاتهم إلى حسنات، ودافعوا عن شرورهم ومفاسدهم، ومظالمهم...أو ممن كتب بروحٍ عدائيةٍ لآل البيت، أمثال: أبي بكر ابن العربي، محمد بن عبد اللّه [المتوفى 543هـ/1148م]. وعبد الرحمن بن خلدون، صاحب المقدمة التي تضمنت أسس لكتابة التاريخ، وما استطاع أن يعمل بها عندما كتب عن الإمام الحسين بل كتب بعصبيةٍ بغيضةٍ فقال: «الحسين قتل بسيف جده» وعلل السخاوي في «الضوء اللامع»[78]. السبب بأن ابن خلدون كان منحرفاً عن آل عليٍ، بل كان يبغض علياً وآل عليٍ...لقد طغى التعصب على هؤلاء فأنساهم الموضوعية، فزوَّروا الحقائق، وبدلوا النصوص التاريخية، أين ذهب هؤلاء بأحاديث الرسول الكريم التي تطهر الحسن والحسين؟: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». أنرد أحاديث النبي، ونعمل بدعاوى ابن العربي، وابن خلدون وأمثالهما؟ إن يزيد وابن زياد، وعمر بن سعد...قد قتلوا الحسين، أما أتباعهم، الذين سلكوا خطهم من أمثال ابن العربي، وابن خلدون، فقد أسفوا لأنهم لم يكونوا على عهده ليشاركوا في دمه، فشاركوا في قتل مبدئه وثورته...

الجرأة: ليست معرفة الحق هي العنصر الوحيد لإعلانه، والوقوف إلى جانبه...إنما يحتاج الباحث إلى جرأةٍ، وإلى نفسٍ صافيةٍ، رققها الحق فشفت...إن جمهور أهل السنة، إذا تحدثوا عن معاوية قالوا «رض» أي يرفعونه إلى مصاف الخلفاء الراشدين...بل هم لا يطيقون سماع انتقادات للأمويين...من وسط هذا الجمهور، خرج قديماً المؤرخ أحمد بن علي المقريزي [766 هـ - 845هـ] وصنف كتابه [النزاع والتخاصم بين الأمويين والهاشميين] الذي كان مفتاحاً لشخصيات مستنيرة أفادت منه، واتخذته مصدراً للكتابة عن الإمام الحسين: منهم: عباس محمود العقاد في كتابه: «أبو الشهداء» والعلايلي في كتابه:«الإمام الحسين».

الجرأة هي التي حملت العلايلي على الخوض في هذا الموضوع، لكشف المغالطات التاريخية، التي سيطرت على قضية الحسينQ.

تناول تاريخ الأمويين فأطلق ملاحظاتٍ كانت مثارَ لددٍ بين الناس، دعا هؤلاء المعارضين في مقدمة الطبعة الثانية إلى تدقيق الموضوع، واعتماد النزعة العلمية، قبل إرسال الأحكام تعصباً وجهلاً...

فالحقيقة محجوبةٌ، يكشفها العلم، والموضوعية، والتبصر بالأمور. أعرض بعض القضايا التي أثارها وأكدها بالبراهين والمقارنات، واستقراء النصوص:

أولاً: التفريق بين الخلافة والملك: الأمويون ملوكٌ، وليسوا بخلفاء، وقد حرص في كتاباته على أن يذكر عبارة «الملك الاموي»، بدل الخلافة...ثم أشار إلى هذه الظاهرة بقوله: «كان الصراع بين عليٍ ومعاوية ليس شخصياً فقط، بل صراعٌ بين مبدأين في مواقف حاسمةٍ، صراعٌ بين الخلافة التي معناها النيابة عن الأمة، وهي تتضمن معنى الرعاية، والحدب، والإنتفاء من الإحتكام، وبين الملك الذي معناه الغلبة والسيطرة، وجمع الحريات باليد الواحدة، وضغطها إلى درجة الإنحاء او الإجهاز...»[79].

ثانياً: نفى وجود السلطة القضائية بالمعنى الحديث في حكم بني أمية، لأن القتل كان على الظنة «فنظام الحكم في عهد الملوك الأمويين لم يكن الا ما نسميه في لغة العصر، بنظام الأحكام العرفية. هذا النظام الذي يهدر الدماء، ويرفع التعارف على المنطق القانوني، ويهدد كل امرىء في وجوده...كان في العهد الأموي هو النظام السائد»[80].

ثالثاً: اقتباس النظام البيزنطي والتلوُّن به منذ عهد معاوية والتخلي عن تطوير النظام الإسلامي الذي بدأ مع النبي، واستمر في عهد الخلفاء...

رابعاً: الإنقلاب الذي قام به الأمويون ضد حكومة الخلفاء، ذات الطابع الإسلامي العام، والطابع الإنساني الذي يصهر فوارق الجنس البشري...

خامساً: حمل الأمويين مسؤولية اغتيال الخليفة الثاني «عمر»، أو أنهم تسببوا به على الأقل...

سادساً: إظهار مساوئ الأمويين: وصف معاوية ويزيد وسائر الأمويين بكثيرٍ من المفردات التي تدل على الظلم والحقد والكيد والمجون، والعبث بحياة المسلمين وأموالهم ونسائهم...والإستهتار بأمور الشريعة...ونقل ما قاله الحسن البصري في معاوية، وهو: «أربع خصالٍ كُنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدةً لكانت موبقةً: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر من غير مشورةٍ، وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضل. واستخلافه بعده ابنه يزيد، سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول اللّهP: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقتله حجراً، وأصحاب حجرٍ. فيا ويلاً له من حجرٍ وأصحاب حجرٍ»[81].

ثم نفى العلايلي عن معاوية صفة القومية العامة، وقصره على العصبية القبلية الضيقة «البيت الأموي، ثم السفياني». نقرأ هذا التعليق على كلمةٍ جاءت في كتاب الإمام الحسين إلى معاوية.

قال العلايلي: [اللّه كم هي هذه الكلمة رقيقةً شاعرةً: «كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك]. هذه الكلمة المشبعة بالشعور القومي الشريف، وقديماً قال الصابي: «إن الرجل من قومٍ، ليست له أعصابٌ تقسو عليهم» وهو اتهام من الحسين Q لمعاوية في وطنيته وقوميته، واتخذ من الدماء الغزيرة المسفوكة عنواناً على ذلك»[82].

سابعاً: الإشادة بالحسين وآل البيت: هم فضائل وأخلاقٌ وتقوى.

كان حديثه عن الحسين ملائكيا وملائكيا أبداً. قال: [الحسين إنسانيةٌ ارتقت إلى نبوةٍ: «أنا من حسينٍ»، ونبوةٌ هبطت إلى إنسانيةٍ: «حسينٌ مني» فسلامٌ عليه يوم ولد...][83].

بعد أن عدد الفضائل التي تمثلت في الحسين خلص إلى قوله: «إذا كانت العصمة هي هذه المزايا فأنا أقول بعصمة الحسين».

الأسلوب القصصي: عمد إلى القصة، لأنها تتضمن مقوماتٍ مشتركةٍ مع التاريخ، إذ لا يرى فرقاً بين المؤرخ والروائي في بعض الجوانب، «كعرض نفسية الجماعات، والمؤثرات التي تحركها، وتشخيص المسيرات الرئيسية بالنظر إلى الطبيعة والوراثة والبيئة»[84]. لذلك كتب التاريخ بالأسلوب القصصي وسمى الحلقة الثالثة: «أيام الحسين، عرضٌ وقصصٌ». وكتاباته الأولى بدأت بالقصة: «مثلهن الأعلى» تحدث فيها عن نساء النبي. و«أرينب بنت إسحق» قصةٌ واقعيةٌ تصور جانباً من تاريخ الحكم الإسلامي، وتكشف شخصية الحاكم الذي يستغل نفوذه باسم الإسلام، ليوقع بين «المرء وزوجه»، وهذا تصرف يعيد ما روته التوراة المزورة عن داود وأوريا زوجه...

«أرينب» المرأة الفاضلة تغتالها يد الحاكم، تريدها أمةً في جملة عبيدها! وعبد اللّه بن سلام الزوج المخدوع، يذهب ضحية مؤامرةٍ، خطط لها ونفذها معاوية، الذي أساء استعمال لقب خليفة المسلمين، لذلك نزع العلايلي منه هذا اللقب وأسماه الملك. طلق المرأة من زوجها إرضاءً لرغبات «نجله» يزيد. الملك يستغل سلطته للإيقاع بسعادة الرعية، الصالحة، الموادعة...فيسلبهم سعادتهم ونساءهم وأموالهم وأرواحهم...في الطرف الآخر من المجتمع يأتي الخير ممثلاً بالحسين، يغير مجرى الأحداث، ينقلها من ظلام الباطل إلى ضوء الحق...غير مبالٍ بالأحقاد التي أخذت تتكدس في قلوب أعدائه...كان همه أن يمنح المظلوم العدالة، أن يعيد الأمان باسم الإسلام الصحيح، إلى حبيبين ضاعا في دسائس خليفة المسلمين بالغلط...قال عمرو بن العاص لمعاوية في شأن أرينب: «إن الناس تحملوا منا ضراوةً في السياسة، وضراوةً في الاموال، إلى ضراوةٍ وضراوةٍ في الأحكام...ولا أراهم إلا ثائرين بنا، إذا جعلنا بيوتهم هدفاً لضراوة شهواتنا»[85] ابليسُ ينصح الشيطان.

أنهى العلايلي قصته بكلماتٍ مثقلةٍ بالشاعرية والرمزية، تكشف طُهرَ الحسين، يغسل جناية معاوية وابنه، يغسلها من أجل الإسلام، من أجل الانسان. حطت فراشةٌ بيضاء «أرينب» كأنها الزهرة على كتف غصن يميس «عبد اللّه» وكانت ناعمةً، تلهو بأغاني سعادتها...

فبصر بها عنكبوتٌ صغيرٌ «يزيد»، ودّ لو يروي بهناءتها شهوات نفسه الحرّى...

وما لبث حتى جاء قرم العناكب «معاوية» يبادر، وراح ينسج شباكه حولها.

وإذ ذاك حوم بلبلٌ غريدٌ «الإمام الحسين» كان ينشر بألحانه في الأرواح نشواتٍ منعشاتٍ، وحطّ حيث انتصبت أشراك المأساة.

فنقد القرم نقدةً، ومضى يغرد تغريداً كان معناه[86] ﭽ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭼ [87].

ما استطاع العلايلي أن يكتب التاريخ مع الإمام الحسين، إلا بهذا الأسلوب الشاعري المشرق، كلماته يلتقطها من أجواء الوحي، تذهب حروفها شمس النبوة...كلمات يرصفها في صرح الحق، بعد أن ينزعها بجرأةٍ من قلاع الباطل.

[1] أستاذ جامعي.

[2] أستاذ جامعي.

[3] سورة البلد، الآية 10.

[4] أنظر كتابه: «مثلهن الأعلى»، وكتاب الخوري طوق، جوزيف: «الشيخ الفقيه عبد الله العلايلي» ج: 2، ص: 45.

[5] سورة الحجرات، الآية 13.

[6] العلايلي، عبد الله «أين الخطأ؟»، مصدر سابق ص: 22.

[7] العلايلي، عبدالله في: «الشيخ الفقيه عبد الله العلايلي» [ج: 2- ص: 169].

[8][م.ن] ص: 168.

[9][م.ن] ص: 170.

[10] عضو مبرز في» الأكاديمية الفرنسية» ذائع الصيت في القرن المنصرم.

[11] «في الشيخ الفقيه عبد الله العلايلي» [ج: 2، ص: 170].

[12][م.ن] ص: 171.

[13] العلايلي، عبد الله في: الخوري طوق، جوزيف: «الشيخ الفقيه» [م.س]، ج:2 ص: 162-163.

[14][م.ن]، ص: 164، ومن لطائف ما ينبغي ذكره في هذا السياق أن جوزيف الخوري طوق، الذي وثق لفكر العلايلي بنصوصه ونصوص غيره فيما يشبه أنطولوجيا علايلية كاملة وذلك في كتاب من أربعة أجزاء [م.ن]، قد خصص الجزء الأول منها لما نشر في لبنان من تعليقات ومقالات ومراثٍ في العلايلي بعد وفاته كتبها باحثون ودارسون من كل المستويات، وكلها تخلو من إشارة تتعلق بموقف العلايلي من الغرب، حتى أن أصحابها ما ذكروا مصطلح الغرب نفسه قط، في حدود ما قرأت وعلمت. وكذلك كانت الحال في الأجزاء الثلاثة الأخرى من كتاب جوزيف الخوري طوق، ما خلا مقابلتين: واحدة استدرج خلالها الصحفي العلامة العلايلي بسؤال عن «اليقظة الإسلامية» [المصطلح كرره العلايلي نفسه مراراً] فسال ذكر الغرب على لسانه في تلك اللحظة. فإضافة إلى ما ذكره من لوازم لمصطلح الغرب عنده، تجده هنا يذكر بوضوح «حضارة الغرب»، و«خيبة الغرب»،و«التفوق التكنولوجي للغرب» و«الصيغ الحضارية الغربية». أما في المقابلة الثانية فعندما سئل عن مضمون مؤلفاته، عرج على ذكر مسمى «الغرب» مرتين: مرة بمصطلح «الغرب» ومرة أخرى بمصطلح:«المنهج الغربي»).

+ «أنظر:مقابلة هاشم قاسم للعلايلي «النهار العربي والدولي» م.ن، ج: 2، ص: 143-181».

+ «أنظر أيضاً: مقابلة جهاد فاضل للعلايلي- مجلة «الحوادث»- بيروت [م.ن] ج: 3: ص: 136-137».

[15][م.ن].

[16] الشيخ الفقيه ج: 2، ص: 126.

[17][م.ن]، ج: 4 ص: 69.

[18][م.ن].

[19][م.ن]، ج: 3، ص: 136.

[20][م.ن]، ص :168.

[21][م.ن]، ص: 163.

[22][م.ن]، ص: 164.

[23][م.ن].

[24][م.ن].

[25] العلايلي، عبد الله «الشيخ...»ج: 2، ص:21-22.

[26][م.ن] ج: 1، ص: 129.

[27][م.ن] ص: 169 وج: 3، ص: 136.

[28] لا يوافق العلايلي على مصطلح «الاجتهاد» شكلاً ومضموناً بالرغم من كونه من كبار المجتهدين، وهو يفضل بديلاً منه مصطلح «اتصال الجهود». فعنده أن القول بالاجتهاد يعني القول ضمناً بالتوقف. وهو ممن لا يؤمنون بالتوقف. فما دامت هناك حركة، فهناك تحولات لا تتوقف. «راجع: [م.ن] ج: 3، ص: 139 و140».

[29][م.ن].

[30][م.ن].

[31][م.ن]، ج: 2، ص:19.

[32][م.ن]، ص: 143.

[33][م.ن] ج: 2، ص: 125.

[34][م.ن] ج: 3، ص: 28.

[35][م.ن] ج: 4، ص: 53.

[36] العلايلي، عبدالله- «أين الخطأ؟..» [م.س] ص: 22.

[37] العلايلي، عبدالله- في:«الشيخ الفقيه..» [م.س]ج: 2، ص: 171.

[38][م.ن].

[39][م.ن].

[40][م.ن] ج: 1، ص: 168.

[41][م.ن]، ج: 2، ص: 167.

[42][م.ن]، ص. 173.

[43][م.ن].

[44][م.ن]، ص: 172.

[45] تأثر العلايلي برأي مالك بن نبي في هذا الجانب بيّنٌ [راجع: بن نبي، مالك «شروط النهضة» ص: 19-20].

[46][م.ن] ص: 173.

[47] أنظر على سبيل المثال لا الحصر، أقواله في: «الشيخ الفقيه..» [ج: 1، ص.169]، و[ج: 3 ص: 136]

[48][م.ن] ج: 3، ص: 169.

[49][م.ن] ج: 1، ص: 170.

[50] . زيادة، خالد [م.ن] ص: 171.

[51] رئيس اللقاء الوحدوي الإسلامي.

[52] سورة الكهف، الآيات 83 85.

[53] سورة آل عمران، الآية 140.

[54] سورة إبراهيم، الآية 45.

[55] سورة الحج، الآية 11.

[56] سورة فصلت، الآية 53.

[57] سورة البقرة، الآية 2.

[58] سورة الكهف الآية: 55.

[59] سورة آل عمران الآية: 84.

[60] سورة آل عمران، الآية 19.

[61] سورة آل عمران، الآية 67.

[62] سورة يونس، الآية 72.

[63] سورة يونس، الآية 84.

[64] سورة آل عمران، الآية 52.

[65] سورة المائدة، الآية 3.

[66] سورة الحجر، الآية 9.

[67] سورة آل عمران، الآية 19.

[68] سورة الأعراف، الآية 158.

[69] سورة فصلت، الآية 33.

[70] سورة فصلت، الآية 34.

[71] سورة فصلت، الآية 35.

[72] مؤرّخ وباحث وأديب.

[73] العلايلي، عبد اللّه، الإمام الحسين، ص: 1.

[74] العلايلي، عبد اللّه، الإمام الحسين، ص: 147.

[75][م. ن]. ص: 15.

[76][م. ن]، ص: 149.

[77] بولس سلامة، عيد الغدير، ص: 8.

[78] السخاوي، الضوء اللامع،ج: 4/ص: 148.

[79] الإمام الحسين، ص: 16.

[80][م.ن]، ص: 339.

[81] ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 3/486.

[82] الإمام الحسين، ص 338.

[83][م. ن]. ص 290.

[84][م.ن]، ص 151.

[85][م. ن]، ص: 513.

[86][م. ن]، ص: 528.

[87] سورة آل عمران، الآية 54.

الإمام الحسينQ في فكر العلايلي

الإمام الحسينQ في فكر العلايلي

الإمام الحسينQ في فكر العلايلي

الإمام الحسينQ في فكر العلايلي

الفصل الخامس

الفقه والأدب والسيرة الشخصية «عند مغنية والعلايلي»

الأبحاث:

اللغة والأدب في سياق المعاصرة والتأصيل
عند العلامة العلايلي

د. عصام نور الدين[1]

إن كلامي، اليوم، على العلايلي المتفرِّد بعلوم عصره ومنهاجه، هو الكلامُ على العبقرية العربية والإسلامية، التي قد لا تظهر إلا على رأس كلِّ قرنٍ حاملةً معها المنهج العلميَّ والبحثيَّ والأخلاقيَّ، حمل الإمام عليُّ بن أبي طالبٍ عليه السلام، ذا الفقار بهذه القفار، وبذره علوم اللغة العربية، لأول مرةٍ منذ ألفٍ وأربعمئة سنةٍ «1400سنة» مع ما بذر من علومٍ ومناهج... ضيعها العرب والمسلمون فضاعوا وتاهوا وذلوا... وها نحن اليوم نراهم يضيِّعون من جديدٍ منهج العلايليِّ اللغويِّ ويكتفون بإعادة القديم واجتراره ونصبه إلهاً في عقولهم يمنعهم من التفكير ويحد من جرأتهم، ويصادر حريتهم فيضيعون في «نعيم» القديم أو في متاهته، ولا يضوعون في الحاضر إبداعاً وإنتاجاً وعزاً وكرامةً... ولا يسافرون إلى المستقبل على جناح العقل المبدع ومنجزاته ومناهجه فيقتلهم القديم ويسجنهم في أسوار آراء القدماء التي كانت في يومٍ من الأيام رداً علمياً ذكياً وواقعياً على متطلبات الناس وحاجاتهم... فلما اكتفى الأبناءُ وقالوا على لسان المازنيِّ: «من أراد أن يعملَ كتاباً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي فاستحوا!! وأمحوا ودالت دولتهم، زالت ريحهم، وجمدت عبقريتهم، فأمسوا عبيد آبائهم وأجدادهم من جهةٍ وعبيد حاجتهم والقابضين عليها من جهةٍ ثانيةٍ فارتفع السّور الوهميُّ؛ سورُ الجهل... فإذا الأبناء أقزامُ أجدادهم، وبغاثٌ لا يستطيع أن يستنسر ولو لفظياً في فم الحاضر وآفاق المستقبل».

جاء العلايليُّ، والعربُ لغوياً وبحثياً على هذه الحال أو مثلها فاستلَّ سيف التمرد العلمي المنهجي سنة 1938م وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وأرسل مقدمته اللغوية في الناس منهجَ بحثٍ عبقريٍّ وثورةً علميةً حقيقيةً.... محت ما قاله المازنيُّ وما أُسِّسَ على مثل قوله فكانت المقدمة اللغوية حين ولادتها منذ واحدٍ وسبعين عاماً كما قال لي العلايلي مرةً عنها قال: «كانت أحدث وجهة نظرٍ لغويةٍ».... لاحظوا معي قوله وانتبهوا إلى دقة تعبيره فلم يقل «أحدث نظريةٍ»، أو «أحدث حقيقةٍ»... بل قال أحدث وجهة نظرٍ لغويةٍ».... ولكن المفاجأة ليست هنا.. بل في قوله لي متابعاً: «ثم تخطاها الزمن ككل شيءٍ».

أرأيتم كيف بقي العلايلي أميناً لمنهج الحياة التطوريِّ، فطبقه على نفسه، وعلى إنتاجه؟

أرأيتم العلايليُّ الذي قال لي في 26/6/1989م، إن الزمن قد تخطى مقدمته اللغوية، التي قال فيها سنة 1938م: إن المقدمة تبتدئ الدرسَ على فروع العربية مرةً ثانيةً «فتتناول النحو والصرف والإشتقاق والبلاغة وتصل من وراء دراسةٍ موزونةٍ إلى إقرار كل شيءٍ في موضعه وعلى اعتباره، وهي «أي المقدمة» من وجهٍ آخر، حكاية تطور العربية في كلِّ أشيائها. ولا يهولك أنها جاءت كما يكون المخلوق الجديد مميزاته، فرُبَّ غير معروفٍ صار لا يعرف سواهُ، وشعارُ كلِّ الدرس الذي انتشرنا به على العربية كلمةُ وردت في التصدير وهي:

[«ليس محافظةً التقليد مع الخطأ...»، «وليس خروجاً التصحيح الذي يحقِّقُ المعرفة»، وأتيتُ أيضاً في خلال ذلك بكلامٍ على المجامع ودور التخصّص وتناولتُ الخطَّ والإملاءَ، وسائرَ شكلياتِ اللغةِ بحلولٍ هي أقربُ من كلِّ ما اقترح حتى اليوم].

فمقدمة العلايلي اللغوية لا تعني سوى الثورة اللغوية، وهدم ما تعارفنا عليه إن في تاريخ اللغة وإن في قواعد النحاة، التي لم ينظر إليها العلايلي إلا باعتبارها اجتهادات مجتهدين، ما يعني أنها ليست حقائق مقدسةً لا تُمَس.

والمقدمة تكشف في بيان وجه النقض عن قاعدةٍ نفرض فيها الصحة على مقدارها، فلم تكن معنيةً إلاَّ على القدر الذي يستقيمُ به النقضُ وينتهجُ أسلوبُه.

فتحت مقدمة العلايلية أبواباً في العربية كانت طلاسم إلى يوم كتبها سنة1938م، وهي تشتمل على عددٍ من المباحث اللغوية الجليلة، التي يستحقّ كلٌّ منها أن يكون أطروحة دكتوراه دولة في علم اللغة أو في الألسنية، إذا استعملنا المصطلح الشائع اليوم، وذلك نحو:

- نشأة اللغة ومعاني الحروف.

- الأوزان، تحديدها وتجديدها.

- التذكير والتأنيث.

- عين الفعل المضارع.

- تطور اللغة وتطور اللهجات.

- قاعدة القلب أو الدوائر.

وكان العلايلي في كل ذلك متأثراً بنظرية التطور البيولوجيّ، القائمة على قانون «الإهمال والإستعمال» المعتمد على أمانة الأعضاء غير المستعملة لأنه كان يرى أن ما يحدث في اللغة شبيهٌ بما يحدثُ في البناء العضويِّ للكائن الحيِّ... فلقد تبقى بقايا زوائد، لا عملَ لها في الهيكل الجسميِّ سوى أنها دليلٌ على وجودٍ سابقٍ كان لها فيه خصائصُ انحدرت... واندحرت، ومن ثم أصبحت طفيليةً في الوجود الماثل... وكذلك الناموسُ في فصائل الأنواع يقضي بالإنقراض عند وجودِ الأرقى والأكمل... ولقد تبقى مع ذلك بقايا من الفصيلة المنقرضة، لا لتستقرَّ، بل لتكون في عينيِّ الفناء مشهداً من الوجود المقهور.

فالعلايلي، كما يلاحظ بل [كما صرح لي غير مرةٍ] كان نصير المدرسة البيولوجية في البحث الإجتماعي والإنسانيِّ... وهذه المدرسة الفكرية هي التي سادت في مطلع القرن التاسع عشر، الذي وسمت فيه مؤلفاتٌ كثيرةٌ بسمته، وأمسينا نقرأ قول جمهورهم «اللغة كائنٌ حيٌّ»... وهي في رأيّ المتواضع ليست كائناً حياً، بل مؤسسةٌ إجتماعيةٌ، لا توجد إلا داخل المجتمع.

إن العبقرية العلايلية تظهرُ فيما اكتشفه، كقياسية تاء التأنيث، وجنوح العربية إلى كسر عين الفعل المضارع إذا كانت عينه أو لامه أحد الحروف الحلقية الستة «الهمزة والهاء، العين والحاء، الغين والخاء»... هذه القياسية كانت ستسود لو قدِّر للعربية ألا تخرج عن سنن تطورها وارتقائها، وألا تقف جامدةً عاجزةً عجز أصحابها وأبنائها والناطقين بها عن مجاراةِ الحياةِ وحركة تطورها الدائمة لأن العبقرية العلايلية تكمن أيضاً فيما تجاوز فيه الإكتشاف إلى الإختراع إذا جاز لي استعمال هذا المصطلح في هذا المقام.

والإختراع عنده تجسد حسب رأيي في قضايا عدةٍ سأكتفي بما قاله في نظرية القلب أو قاعدة الدوائر.....

هل أقول لكم بماذا سبق العلايلي السابقين المبدعين كالخليل بن أحمد الفراهيدي وأبي علي الفارسي وتلميذه ابن جنى والحاتمي وتلميذه السكاكي وابن الأثير صاحب المثل السائر.... وهم من عباقرة هذه الأمة الذين قالوا بأن تقاليب كل مادةٍ من مواد الثلاثي الست أو الستة تجمعها وحدةٌ معنويةٌ ولكنهم لم يستطيعوا تجاوز ذلك لأنهم كانوا أسرى المنهج المدرسي التعليمي الذي وسم أعمالهم ولم يسمح لهم بالتحليق في فضاء الإبداع اللغويِّ الذي بدأوه بنجاحٍ ثم أُردوا عنه خائبين إلى أن جاء العلايليُّ فجعل:

1- الجدول الهجائيّ الالفبائيّ أساساً[أ - ب - ت - ث -ج ح خ........].

2- أقدم المقاليب ما وفق ترتيب الجدول الهجائي الألفبائيّ [مادة: ملك مثلاً....أقدمها ك، م، ل].

3- تفريخ المادة يكون باعتبار عين الكلمة ولامها... فطريقة توليدها بجعل العين واللام، فاءً وعيناً، وعليه فالمادة الثانيةُ «لمك»، والمادةُ الثالثةُ «مكل»... ولو ذهبنا نستولدها على الطريقة عينها فلا تلد إلا مادة الأصل»كلم» وهذا يشبه من كل وجوهه قانون الرجوع الى الجَدِّ atvism»» ومن ثم يقف الثلاثيُّ عن الإنتاج أبداً إلا بنوعٍ من التغايرات، يجري عليه بعد تمثيله دائرةً بكاملها، هي: [كلم، لمك، مكل].

4- والتغاير الذي تقضي به القاعدةُ يكونُ بجعل اللامِ من مادةِ الاصلِ [كلم] عيناً وحينئذٍ تتولدُ المادةُ التي هي في رأس الدائرة الثانية [كمل]، التي ينشأ عنها [ملك، لكم]، ويقف الثلاثيُّ عن الإنتاج أبداً بعد استيفائها، فتكون الدائرة الثانية بكاملها [كمل، ملك، لكم]..

5- تقتضي القاعدة وجود جامعٍ معنويٍّ بين المقاليب الستة، لا يمكن أن يتخلف وإن كان على بعدٍ وإنما التخالفُ في الخصوصية ليس غير... وهذا الجزء من النظرية سبقَ العلايليّ فيه الخليلُ بن أحمد الفراهيدي وابن دريد، وأبو علي الفارسي، وابن جنى الذي قال في خصائصه [ص: /113]: «وأما [ك، ل، م] فهذه أيضاً حلها وذلك أنها حيث تقلبت فمعناها الدلالة على القوة والشدة»....ولكنه لم يقل ما قاله العلايلي بعد ألف سنةٍ بأن» تعيين موقع المادة من الدائرة بدعوى أن كل دائرة تجمع في وجهٍ أخص تكون أكثر ظهوراً في المواد الثلاثة من الوحدة العامة للثلاثي في مواد الست»، ولم يقل أيضاً ما قاله العلايلي بأن الإجتماع الحرفي في المادة ورد الثلاثي إلى الثنائي بحذف حرف الوسط منه لمعرفة معنى الأصل لأن الواضع القديم كان يحرِّر التشابه بين المسميات ليضع لها من مادةٍ تتوافق في مفاهيمها التي هي ملاحظة الوضع وإن تخالفت في المصادقات. وليس هذا دعوى مجردةً أو اجتهاداً مفتعلاً وإنما هو شيءٌ راهنٌ في التطبيق على مواد اللغة[2].

وهكذا يصل العلايلي إلى قاعدته في الترتيب المذكور:

الدائرة الاولى: ك ل م، ل م ك، م ك ل.

الدائرة الثانية: ك م ل، م ل ك، ل ك م.

وهو يظن أنه تكلم على القلب وقواعده غير متأثرٍ بأحدٍ ولا ملزمٍ به وإنما كشيءٍ يراه الكفيل بمناجاة العربية في مستقبلها البعيد... ولكنه يتنبه إلى أنّ ما جزم به جزماً بأنه كان نظرية القلب عند العرب الأولين تنبه إلى أنه لا يسلم له به تسليماً، ففطن إلى أن اللغويين سيناقشونه في أربعة أمورٍ تتعلق بنظريته هذه، وهذه الأمور هي:

1- اعتمادها الجدول الهجائي الألفبائي أساساً.

2- دعوى أن أقدم المقاليب ما وافق ترتيب الجدول الهجائي الألفبائي.

3- دعوى أن التفريخ المادي يكون باعتبار العين واللام،

4- دعوى أن التغاير لتحصيل رأس الدائرة الثانية يكون بتقديم اللام إلى موضع العين...

يعترف العلايليّ بأن هذه وجوهٌ دقيقةٌ وبأن الجواب عنها ليس هيناً على سبيل البسط والتحرير... فيقول إنه يمكن أن نجيب عنها بجوابٍ إجماليٍّ ويعتبر كافياً في الرد مع ذلك. وحاصله أن الإفتراض العلميّ أي المصوغ على أساليبَ صحيحةٍ يعتبر مبدأً علمياً ما دام يصلح أن يكون علةً للسؤال عن الشيء ولا ريب في أن هذه القاعدة صالحةٌ لأن تكون جواباً عن كل ما يُسأل عنه في اللغة[3].

هل نجح العلايليّ في قول ما يريد قوله في «إصلاحه» اللغويّ؟

إننا نقول إن الشيخ عبد الله العلايلي نجح في دعوته الإصلاحية في اللغة؛ لأنه:

1- ابتعد عن الشخصانية وعصبيتها، واعتمد الجماعية والإجتماعية المغنية عن الفردية.

2- ابتعد عن القطرية والإقليمية ورأى أن العربية هي ملكُ العرب كلهم، وهي كنزهُم الدائمُ الذي لا يغتني ويزداد إلا باستعمالهم استعمالاً يعبرون به عن الحياة بكل تفاصيلها؛ أي يعبرون بها عن حاجاتهم المادية والمعنوية والروحية والفكرية ولا يشركون بها لغةً اخرى أو لساناً آخر.

3- اعتبر متن اللغة مادةً حقيقيةً للفكرة لا أداةً تكشف عنها.

4- أرجع براعة الخيال إلى اللغة في المقام الأول لا إلى الأديب أو الشاعر من دون أن يهمل دوره المنشئ في ذلك.

5- اعتبر اللغة غايةً لا وسيلةً فاللغة لا يحصر دورها في التعبير عن حاجات القوم وأغراضهم لأننا نتكلم كما نفكر ونفكر كما نتكلم ولأن اللغة والفكر توأمان فلا فكر بدون لغةٍ ولا لغة بدون فكرٍ لأننا نفكر بكلماتٍ أو بعبارةٍ أدق بأشباح كلماتٍ....

إن العلايليّ وعى أن اللغة تحكمُ نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الأخرين وإلى الكون وأنها تتحكم في آلية تفكيرنا بل في نتائج التفكير لأنني أظن أنَّ الحقائق تختلف باختلاف اللغات أو الألسن التي يفكر بها الإنسان.

لذلك أخذ الشيخ العلايليُّ العربية بمذاهب الجدِّ فحاول إقالة عثارها لإعدادها للحاضر وتهيئتها للمستقبل فأبقى «في نظريته وفي كتبه» ما ظنه معقولَ العرب ودعا إلى تنقيحٍ لغويٍّ جديدٍ يقومُ على عشرة أسس، هي:

1- حذف السماع إلا على المعنى المبدع الذي قرّره في مقدمته.

2- إباحة صوغ الموازين من الثلاثي والرباعي.

3- تخصيص الموازين، مفردةً أو مجموعةً، بدلالاتٍ قارةٍ ثابتةٍ لا تختلف على اختلاف الموادّ.

4- توحيدُ معاني المشتقات جميعها للمادة.

5- الإستفادة من قاعدة الدوائر بوضع موادَّ جديدةٍ، لم يسبق أن وضعها العربُ أو أنها ماتت بعد وضعها.

6- الإستفادة من سنة الرباعيِّ وما إليه، بزيادة الحرف على الآخر بعد تحرير معاني الحروف الهجائية.

7- المعاقبة أو الإبدال.

8- المجاز والتضمين.

9- الفكُ في محلّ الإدغام لدلالة.

10- التصحيح مع موجب الإعلال لغرض...

إن منهج العلايلي الإبداعي هذا مرتبطٌ بالحياة ومتولدٌ عنها، ويحاولُ أن يردَّ على مطالبِ العصرِ ولشِدِّ ما كان يحفظه «اعتماد لغويينا، اليوم لوحي وجدانٍ استولده التاريخ عندهم على حدوده من المحافظة وهم يشهدون من مطالب العصر على اللغة ما كان واجباً أن يجعلهم يغيرون من هذا الإعتماد وينتقون له وجهاً آخر يكون أكثر ملائمةً للعربية وأكثر انتهاجاً فيها وإنتاجاً عليها».

ويرى العلايلي أنه على الرغم من أننا حيال طغيانٍ على العربية لا تكاد تثبت له «نجد من اللغويين من يجهدُ ناصباً بترقيع أمزاق الماضي على أيِّ وجهٍ وإن كان لا يستقيم» مع الحياة وحركتها الدائمة المتجددة.

ولشد ما يحفظني أنا اليوم تطاول نفرٍ من الذين يطلقون على أنفسهم لقب اللغويين أو الألسنيين ممن لا يفقه شيئاً من علوم اللغة أو مناهج دراستها وبحثها....

فيتكلمون على إنتاج الشيخ من غير أن يفهموا ما يقول ومن غير أن يضعوا إنتاج الشيخ في مكانه من الزمان والمكان باعتماد المنهج التاريخي الذي لا يبيح لهم أن يحاكموا ما قيل منذ سبعين سنةٍ بمعايير الحاضر التي لم يثبت صلاحها المطلق ويركزون على جزئياتٍ وفروعٍ وردت في نص الشيخ المجتهد ويتناسون الأصل الذي التفت إليه العلايلي من دون غيره لأنه كان يرى أن الإصلاح الحقيقي يوجه إلى الأصل أولاً فصحَّ في شيخنا وفيهم قول الحبيب أبي تمام:

مُتَوقّدٌ منه الزمانُ وربَّما

كانَ الزمانُ بآخرينَ بليدا.

وأظن ظناً قوياً أن قول أبي تمام في جزئه الأول ينطبق على العلايلي انطباقه على الشيخ محمد جواد مغنية وعلى مبدعي هذه الأمة في كل زمانٍ ومكانٍ:

هُدِّبَ في جِنسِهِ ونالَ المدى

بنفسِهِ فهو وحدُّه جنسُ

فهل أنصفنا الشيخين: العلايلي ومغنية في هذه الندوة، أم أننا بحاجةٍ الى تأليف لجنةٍ من العلماء المتخصصين لتدرس إنتاجهما اللغويّ، والدينيَّ والسياسيَّ والتاريخيَّ والقوميّ والإنسانيّ فتقدمُ عسلهُ وقمحهُ غذاءً للأجيال القادمة، فلا يجوعون بعدهما [وبعد أمثالهما] أبداً لأنهم يكونون قد تعلموا الصيدَ والسباحة وركوب الخيلِ في كل المجالاتِ الفكرية، كما فهم الشيخ عبد الله العلايلي الحديثَ النبويَّ الشريف؟.

العلايلي السيرة الذاتية

د. فايز ترحيني[4]

اقتضت ظروف دراستي الأكاديمية أن يكون عنوان مشاركتي في هذا المؤتمر:

السيرة الذاتية للشيخ عبد الله العلايلي.

وسأتوقف باختصارٍ عند ثلاثة عناوين وهي:

-  أولاً: بطاقة العائلة:

عندما وضع «الفارابي» أسس مدينته الفاضلة جعل في رئاستها من اجتمع فيه الإستعداد الفطري والإتصال بالعقل الفعال عن طريق الوحي. وهذان أمران لا يتوافران إلا في الأنبياء والمرسلين. ولإن انقطع الوحي بعد الرسول الكريمP اشترط «الفارابي» لنيابة الرئاسة خمس صفاتٍ توافرت تترا في بضعةٍ يعرفهم من يقرأ «الفارابي» جيداً وربما كان العلايلي واحداً من سلالتهم.

أوصلت الهجرات أجداد العلايلي إلى الساحل التركي وامتداداً إلى كريت فاتخذوا لهم مكاناً أسموه «علايا» ثم رحل بعضهم باتجاه المغرب العربي ثم مصر ولبنان. وبين الهجرة والمكوث الجديد أضيفت إلى التسمية أداة «لي» وهي في التركية تختص بالمكان وتجاوزاً بالسكان وفي الحالتين فإن جذور الأسرة ترتبط بالإمام علي بن أبي طالبQ فهي: «[علي+لي] وهذا ما يفسر لقبهم في مصر بالنقباء والأشراف وربما يفسر كثيراً من قناعات الشيخ وآرائه وأفكاره».

- ثانياً: البطاقة الذاتية:

الرجال أيها السادة لا تقاس بالأشبار بل بالأفكار والعلايلي كان أمةً في رجلٍ. ولد عبد الله بن عثمان العلايلي في بداية الحرب وتحديداً في20/11/ 1914م.

يقول كنايةً: كنت أيام الحرب العالمية الأولى أشهد مقصلة الجوع والسغب المنجل... فلا بدع أن تغشتني الكآبة في أعماقي لا كسديلٍ أو ستارٍ بل كقماطٍ يلتفني في أنحائي ويقول في مقابلةٍ أخرى مسجلةٍ «أنحفر عميقاً في سرائري منظر فتىً أنفقت له لقيمة أسرع إليها فمه وللحظته اقتحمه على فمه آخر، والتزاماً عليها لينفكا وكلٌّ في فمه شفة الآخر مشفوعةٌ بدمعةٍ».

ما زال أنين الصبية التي تعاني سكرات الموت جوعاً يصم أذنيه ويسكن نفسه ويبعث فيه مشاعر السخط والنقمة من وجهٍ ثانٍ والمشاعر الإنسانية الصادقة والثورة وتحطيم الأسوار في وجهٍ ثالثٍ.

دخل الصبي الكتاب في بيروت سنة 1919م ثم لم يلبث أن غادرها مع أخيه إلى القاهرة سنة 1924 م، وهنالك شهد الحركات السياسية والفكرية والدينية التي كانت تنطلق من الأزهر.

- ثالثاً: البطاقة الفكرية:

أعتقد أن مسارات الرجل الفكرية نحت نحو النضج وهو في حوالي العشرين أي منذ سنة1936م حتى سنة 1940م تاريخ عودته إلى بيروت. وما أنتج بعد ذلك يندرج في إطار الإغناء والتعميق ويغطي المساحات أو المناحي: اللغوية، الأدبية، القومية، السياسة، التأريخية، السيرية والفقهية. أي كل ما يتعلق بالإنسان فترك فيها حوالي ستين كتاباً وعدداً كبيراً من المقالات والأبحاث والمشاركات الفكرية وجعل لها شعاراً واحداً «ليس محافظةً التقليد مع الخطأ وليس خروجاً التصحيح الذي يحقق المعرفة فلا تمنعني غرابة رأيٍ أظن أنه صحيحٌ في إبدائه لأن الشهرة لم تعد أبداً عنوان الحقيقة» ويضيف: «لست أؤمن بالأسوار هذه قاعدة كل تحركٍ عندي لأن الإيمان بها إيمانٌ بالتحديد والجمود» ولم يهمل التاريخ والسيرة فيقول: «أن ما تعلمناه، ولما نزل نتعلمه بات في حاجةٍ كبيرةٍ إلى معاودة درسه وتجديد تدوينه على وجهٍ يكون أكبر حظاً في باب الصدق وأوفر نصيباً بمعنى الدقة».

شعارٌ استقاه الرجل من مشاهداته ومنطلقاته الفكرية التي تشكلت في وعيه ولا وعيه، فأنتجت خروجاً على التقليد وجرأةً في الدفاع عن الحق والقيم السامية وتحطيماً للأسوار والطواطم ودعوةً صريحةً إلى إعادة تدوين التاريخ بضوابط جمع الحديث النبوي الشريف والصدق والدقة والمنطق. ولإن كان الوقت المخصص لي يحول دون التفصيل أكتفي بالإشارة إلى أمرين اثنين:

الأول: قصة الشيخ الأحمر:

فهم العلايلي الواقع الإجتماعي السياسي والديني والفقهي فهماً جيداً ودعا إلى الثورة على كل شيءٍ في هذا المنطق شارك في معظم الأحزاب التي عرفها لبنان منذ الأربعينات كحزب النداء القومي، وكتلة التحرر الوطني، والحزب التقدمي الإشتراكي، وحزب الكتائب وحزب النجادة وصولاً إلى حركة أنصار السلم والحزب الشيوعي فاتهمته الصحافة في أثناء معركة الإفتاء في الخمسينات بالشيخ الأحمر.

فالرجل لم يكن حزبياً بالمعنى التنظيمي بل كان متعاطفاً مع أفكار تلك الأحزاب الإصلاحية والإنسانية والثورية والتجديدية. وفي مجال حديثه عن الحزب الشيوعي يقول: «أنا لا أنفي المبدأ... وربما ألتقي مع الفكر الشيوعي وبخاصةٍ النواحي الإنسانية كما أختلف بنقاطٍ عديدةٍ معه»، وتهمة الشيخ الأحمر تنفيها سيرة الرجل ورأيه بالإسلام حيث يرى في الدين ضرورةً إجتماعيةً وإنسانيةً معاً وأن البشرية جمعاء مضطرةٌ أن تتصل بالأرض عن طريق محمدٍ وأن الأديان السماوية كلها من نبعةٍ واحدةٍ اتحدت جميعها في الإسلام الذي أضحى حلاً لمشاكل البشرية كافةً».

الثاني: كتابة السير ومحاولة اغتيال عمر:

سألته يوماً: ما الذي دفعك إلى كتابة السيرة وتحديداً سيرة الإمام الحسين؟

أجاب: قادتني الصدفة يوماً وأنا يافعٌ حيث تقيم الجالية الإيرانية في القاهرة مراسم إحياء استشهاد الإمام الحسين فأسرني الآداء وملك نفسي وروحي وعقلي.

فوجدتني بعد حينٍ أمام رجلٍ يحمل الجينات التاريخية للرسول الأكرم. يقول: «علق النبيP حسيناً لأنه رأى فيه ظله وحقيقته فحب النبي له لم يكن بمحض العاطفة فقط، بل بشعورٍ آخر أيضاً وهو الإبقاء على الذات».

فالحسين في رأيه عظيمٌ دونه كل عظيمٍ، وشخصيةٌ أسمى من كل شخصيةٍ، ورجلٌ فوق الرجال مجتمعين، فهو ملتقى عظماتٍ ومجمع أفذاذٍ. وفي هذا المجال يحضرني قول «أبي نواس» في الإمام الرضاQ: [انا لا أستطيع مدح إمامٍ كان جبريل خادماً لأبيه]، ويتعلق بسيرة الحسين وكتابات العلايلي التاريخية محاولة اغتيال الخليفة «عمر بن الخطاب» التي يحملها التاريخ إلى «أبي لؤلؤة» كونه فارسياً.

شهدت الساحة العربية قبل الإسلام انطلاقة الأحزاب السياسية وأشهرها الحزب الأموي بزعامة «أبي لهب» و«أبي سفيان» سعياً لانتزاع الزعامة الدينية من الهاشميين، لكن الله أبى وساد الإسلام.

بَيْدَ أن «أبا سفيان» حملها ووقف بعد وفاة رسول اللهP على قبر حمزة عم الرسول قائلاً بشماتةٍ: «رحمك الله أبا عمارة لقد قاتلنا على أمرٍ صار إلينا»، وأردف متوجهاً إلى عشيرته: «يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثةً».

وبعد أن آلت الخلافة إلى ابن الخطاب، أقبل على الدين بعدلٍ وعقلٍ متبصرٍ، فأخذ يشيد بفضل ابن أبي طالبٍ، واقترن بابنته أم كلثوم وقرب إليه ابن عباس فخشي الأمويون انقلاب عمر فصمّموا على قتله وعهدوا إلى المغيرة بن شعبه مهمة التنفيذ.

قصد المغيرة عمر وحسن إليه صك النقود، فوافق وأصدر إذناً لأبي لؤلؤة غلام المغيرة بدخول مكة لكن الأمويين كانوا قد اتخذوا قراراً باغتيال ابن الخطاب بيدٍ فارسيةٍ.

فأبو لؤلؤة لم يقم بفعلته من منطلقٍ شعوبيٍّ، «فارسيٍّ-عربيٍّ» بل لكونه مأموراً من سيده المغيرة لكن كتب التاريخ والسير لم تنصف.

«شيخنا سلامٌ عليك. ذو الفقار عاد. قم جدد التاريخ، حطم الأسوار وفك القيود».

اللغة والتأصيل عند العلامة العلايلي

المحامي أ. رشاد بولس سلامة[5]

في عجالةٍ محكومةٍ بسطوة الدقائق، لا أرى في باب الإختصار أفضل من الإبتداء بما كان يصلح أن يكون الخاتمة، لذلك أبادر إلى تحية اللجنة التحضيرية لمؤتمر العلامة الشيخ عبد الله العلايلي وفضيلة القاضي الشيخ محمد جواد مغنية، اللذين يحتلان من وجداني، صدر المقام.

ثمة مشتركٌ نبيلٌ، وأكيدٌ، يجمع بين المحتفى بهما وعنوان هذا المؤتمر في نطاق الوحدة الإسلامية. وثمة مشتركٌ آخر يأخذ عندي بعداً وجدانياً حميماً، وهو علاقة كلٍّ من الشيخ محمد جواد مغنية والشيخ العلايلي بوالدي صاحب «عليّ والحسين» و«عيد الغدير».

ولا أخالني الآن مضطراً إلى الكتابة والتأليف... فحسبي الرواية وحدها، أنقل عبرها إلى هذا الحفل ما قاله العلايلي في بولس سلامة، وما قاله بولس في العلايلي، وما كتبه في والدي فضيلة الشيخ محمد جواد مغنية، وهذا كله جزءٌ من صفحاتٍ غير منشورةٍ، محفوظةٍ في مدوناتٍ، أكتفي منها الآن بمقتطفاتٍ تدل على الندى حيث يقع، وعلى العطر من حيث يعبق، وعلى حدائق المودة والصداقة والوفاء، من حيث تنشد الحدائق أجمل أناشيدها.

في العام 1969 م قال «بولس سلامة» في الشيخ العلايلي:

«لم ينقطع عني فضله منذ عشرين سنةٍ إلى يومنا هذا، فكان مرجعي اللغوي الذي يتعدى المعاجم أستشيره في لفظٍ يعترضني فأرتاب في وجوه استعماله فأسأل العلايلي عن القطرة فيأتيني بالغيث. أنشد الساقية فيجودني بالنهر من الينبوع إلى المصبّ، ويقف على العطفات حيناً، ويزيل ما قد لملم العباب على ضفّتيه من طفيليٍّ ويفيّح لي السبل... ذلك أن حافظته العجيبة تمدّ عقله الخلاق، فيشتقّ و يلحق، ويسلك طريق العباقرة في التوليد، يزيد في أوائل الكلام وأواخره، فيهديك الصراط إلى المبتكر، غير واقفٍ عند معاني الحروف التي انصرف إليها صاحب سر اليالي ورصفاؤه، وقد تصدى لها الشيخ في مقدمته إلى لغة العرب، وإن في هذا الضرب من التجديد لثروة للناطقين بالضاد، تكاد لا تنفذ لعمق أغوارها وبعد أبعادها».

وكتب الشيخ العلايلي في صاحب «عيد الغدير»:

«يا أخي بولس: من «تحصيل الحاصل» أن أقول إنك أديبٌ... وأعني أن أقول إنك خالدٌ.

«كلما تمثّلت لي آلامك وكبرياؤك عليها، تراءت لي تلك الشجرة التي اصطلح الناس، وبالأحرى علماء النبات منهم، على تسميتها «بالشجرة الباكية»، ومن خبرها:

أن كل ما فيها يندى وليس كما يندى الشجر، بل كما ينهمر السحاب... فهي أبداً تهطل، وعند جذعها أبداً مثل بحيرةٍ كأنما امتدت لتسبح فيها، وهي ترتسم عليها بعريها حيناً، وبتبرّج أوراقها حيناً كما لو كانت لها مرآةٌ...

إنها «تدمع فيما يراه الناس دمعاً» لتبقى... وتدمع...»فيما يسميه الناس دمعاً» لترقى. أما هي في حس طبيعتها، فتنمو وتشتد وتزدان، من ذوب ذاتها لذاتها.

أي أخي: أنت تقول إننا نكرمك: إننا نعطيك كرامةً، ولكن من الغرور أن نزعم هذا الزعم، فالوطن الوطن بكل ما فيه، إنما يجد الكرامة في الناس بأمثالك.

وإلا، ما الوطن؟ ما امتيازه! ما كبرياؤه؟ إن لم يكن هو هذه الحبّات في سنابله!!»

أيها الإخوة الكرام:

نحن بدورنا نستطيع أن نردّد في تكريم العلايلي ومحمد جواد مغنية ما قيل في بولس سلامة، إذ لسنا نحن من يعطي المكرَّمين في هذا الإحتفال كرامةً لأن الوطن بكل ما فيه إنما يجد الكرامة في أمثالهما.

لقد تلاقى، محمد جواد مغنية، مع الشيخ العلايلي عند محورٍ تقاطع مع بولس سلامة هو«عيد الغدير»، فقال مغنية، في بعض مكرماته:

«وبعد، فهل يبقى مجالٌ للتساؤل: إن سلامة شيعيٌ أو مسيحيٌّ، وهل تسرّبت هذه المعتقدات إليه من الآباء والأجداد؟ أو الجيران والأصحاب؟ أو المدرسة والتربية؟

لقد قطع ألسنة هؤلاء المتسائلين بقوله:

أنا من يعشق البطولة والإلهام

والعدل والخلاق الرضيا

لا تقل شيعةٌ هواة عليٍّ

إن في كل منصفٍ شيعياً

وأضاف:

إن شعر الملحمة جزءٌ من طبيعة الشاعر لا من عاداته، وقطعةٌ من كبده لا من تربيته، وقبسٌ من عقله لا من مدرسةٍ تخرّج منها».

عذركم أيها السادة، فأنا لم أخرج عن سياق التكريم الذي يليق بالعالمين العلمين المقصودين بهذا التكريم، كل ما في الامر أني رأيت أن ثالوث التقاطع بين العلايلي و مغنية وسلامة، يشكّل جواباً واقعياً غنياً على عنوان وحدةٍ إيمانيةٍ وفكريةٍ ووطنيةٍ وعربيةٍ نبيلةٍ، نحتفل بها في رحاب هذا المؤتمر، وأرجو مخلصاً ألا أكون قد أخطأت الجواب.

كافأكم الله جميعاً، والشكر لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ عبد الله العلايلي،
الشخصية وسيرة تكوّنها

د. عبد المجيد زراقط[6]

علمٌ من أعلام العرب الكبار:

الشيخ عبد الله العلايلي علمٌ من أعلام العرب الكبار، في هذا العصر. وقد ذهب بعضهم، مثل الشَّاعر أمين نخلة، إلى حدّ تسمية هذا العصر باسمه، فقال: «نحن يا صاحبي، إنَّما نعيش في عصر عبد الله العلايلي». وقد أثر في الأحداث في غير ميدانٍ من ميادين الحياة، فهو: لغويُّ، عريقٌ، مجدِّدٌ، أديبٌ، مبدعٌ: شعراً ونثراً، فقيهٌ، مجتهدٌ ومصلحٌ اجتماعيٌّ سياسيٌّ، يكاد يصل في رؤيته إلى الثورة التي تبتهج بسقوط قرابين الحُّريَّة، ومن أقواله في هذا المجال:«... ونحن أبناء النِّضال، نصفِّق كلَّما سقطت في الميدان ضحيَّةٌ لأنَّها الإعلان بانتصار قضيَّتنا قضيَّة الحريَّة».

في مجلس الشَّيخ:

تحاول التعرُّف إلى هذا العلم الكبير؛ قبيل وفاته، فتقصده حيث يقيم... نقصده في منزله الكائن في محلَّة «البطركية»، وفي الذِّهن يتردَّد قول الشاعر:

إنَّ الثمانين «وبُلِّغتَها»

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

وتتساءل عن إمكانية إجراء حوارٍ قد يطول مع شيخٍ في الثَّمانين....تصل. يزداد القلق عندما تعلم بأنَّه أبلَّ حديثاً من وعكةٍ صحيَّةٍ، فتبادر إلى الإعتذار راغباً في تحديد موعدٍ آخر لكن محدِّثك يقول: «تفضَّل الشَّيخ يرحِّب بزوَّاره من دون مواعيد ورسميَّات».

تدخل غرفته وتسمع: «أهلاً».... تلتفت فإذا الشيَّخ أمامك يبتسم ويمدُّ يده مصافحاً. تلفتك عيناه اليقظتان ولهاثه المتقطِّع. تسأل عن الصَّحة والنَّشاط، وتسمعه يقول من وراء طاولته الصَّغيرة التي تمتدُّ أمام طرَّاحةٍ يعتقدها:

علَّةٌ اسمها الثَّمانون عاماً

منعتني للأصدقاء القياما

ويضيف: هذا البيت من الشعر لمحمد بن أبي الصَّقر الواسطي.

يشيع اعتذاره غير المباشر، والمحبَّب الألفة، وترى البساطة صفة المجلس، وليس من أنيسٍ سوى الكتب تعلو رفوفاً تغطِّي الجدران، وكأس شايٍ في متناول يد الشيِّخ وكتابٌ مفتوح يتوسَّط رفاقاً له كثراً.

تخطو نحو كرسيٍّ بعيدةٍ فيقول الشَّيخ: «بعُدت المسافة بيننا....»يزداد الجوُّ حميميَّةً، وتجد نفسك قريباً قرابةً تدفعك للجلوس على السَّجادة، وتسند مرفقك إلى الطَّاولة العامرة بصنوف الكتب، وتبدأ الحديث....

يحتاج الكلام على بعض الموضوعات كتباً وأوراقاً فيمد الشَّيخ يده إلى هذا الرَّف، أو ذاك ويُخرِج ما يحتاجه بسهولةٍ. يتصفحه ويتحدَّث عنه بحيويَّةٍ وتركيزٍ ما كنت تظن أن رجلاً في مثل سنِّه، أو في عمرٍ أقلّ بكثير، يتمتَّع بهما.

تطمئنُّ إلى سلامة الذاكرة وحسن تنظيم الأمور وتناولها، فيبدأ الكلام، ويمتدُّ جلساتٍ لم تخلُ من الإستعانة ببعض الكتب والمقالات الصحفيَّة.

أصول الاسرة:

يعرض الشيخ روايتين في شأن أصول أسرة العلايلي وإقامتها في بيروت. تقول الرِّواية الأولى: إنَّ الأسرة قدمت من مصر، في حين تذكر الرِّواية الثَّانية أنها أتت من بلدة «علايا» في لواء الإسكندرونة.

يرجِّح الشَّيخ الرِّواية الأولى، ويقدم أدلَّةً منها أنَّ الكثيرين من أبناء هذه الأسرة يقيمون منذ زمنٍ طويلٍ وحتى الآن في [دمياط والمنصورة والإسكندرية]، وأنَّ المنقِّبين وجدوا في إحدى مدافن بيروت القديمة، شاهد قبرٍ يعود تاريخه إلى عام [1145هـ - 1732م]، يسجِّل وفاة مصطفى العلايلي، ابن أخت عبد الرحمن آغا، الحاكم العسكري للقاهرة في زمن علي بك الكبير. وهذا يعني وجود صلةٍ واضحةٍ بين فرعي الأسرة.

ويذكر الشَّيخ أنَّه التقى، في أثناء إقامته في مصر، الشَّيخ عبد السَّلام العلايلي الذي كان نقيب الأشراف في [دمياط]، واطَّلع منه على ما يفيد أن الاسرة تقيم في مصر منذ أواخر الحكم الفاطميِّ [969هـ -1171م].

ويرجِّح الشيخ أن يكون اسم الأسرة نسبةً إلى الإمام علي بن ابي طالبQ، من طريق إلحاق أداة النسبة التركيَّة «لي» باسم علي. ومن المعروف أنَّ اللغة التركية تعرف أداتين للنِّسبة هما: «جي» «ولي». والأولى تختص بالصِّناعات والثانية بالبلدان، ومن الأمثلة على هذه النسبة «مرعشلي» نسبةً إلى «مرعش» وموصللي نسبة إلى «موصل». وكانت هذه النِّسبة تتمُّ أيَّام كان العرب متأثِّرين بالأتراك في كثيرٍ من شؤون حياتهم. ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ الشيَّخ معجبٌ بالإمام عليQ ويقدِّره بالغ التَّقدير، ولعلَّ هذا ما جعله يُرجِّح هذا التَّعليل لتسمية أسرته.

في طريق حبِّ العلم والإنحياز إلى المظلومين:

عملت أسرة العلايلي، منذ إقامتها في بيروت في التِّجارة، وكان والده الحاج عثمان يملك، شراكةً مع أخوته الاربعة، محلاَّتٍ في «خان الأربعين». وعندما نشبت الحرب العالميَّة الأولى، وبدأت المجاعة تهدِّد الناس، حوَّل الأب الطَّابق الأسفل من منزله مخزناً مكَّنه من مساعدة كثيرٍ من المعوزين، تؤهِّله لذلك حالته المادِّية الميسورة، بوصفه تاجراً وصاحب أرضٍ وعقاراتٍ. ولعلَّ شيخنا تأثَّر بهذه الميِّزة، فنشأ عطوفاً، ينحاز إلى الفقراء والمحتاجين.

اقترن الحاج عثمان، سنة 1894م، بـ «نفيسة الكبِّي» [1874م-1972م] المدرِّسة في مدارس الدَّولة العثمانيَّة. وكانت، آنذاك، من النِّسوة القلائل اللواتي يُجِدن القراءة والكتابة، ويبرعن في الأشغال النِّسويَّة والتَّطريز. وقد أثَّرت الوالدة في أبنائها، فحبَّبت إليهم العلم، وصرفتهم إلى طلب المعرفة وتفضيلها على التِّجارة التي كانت مهنة الأسرة.

ويقول الشَّيخ في تأكيد ذلك: «إن كان الفضول العلميّ يورَّث، فلقد أخذته عن والدتي لأنَّها أخذت بقسطٍ وافرٍ من العلم، فاختارتها الدَّولة العثمانيَّة، وفي ذلك الزَّمن المبَّكر، للتَّدريس في مدارسها النِّسائيَّة فطبعتنا بطابعها».

أنجبت السيِّدة نفيسة ثمانية أبناء: ستة صبيانٍ وبنتين، كان عبد الله أصغرهم، وقد وفر له هذا موقع الإبن المدلَّل: «آخر العنقود»، وبخاصَّةٍ أنَّه وُلِد بعد أربع سنوات من انقطاع الحمل عن والدته.

في العشرين من تشرين الثاني «نوفمبر» سنة ألف وتسعمائة وأربعة عشر ميلادي [20/11/1914م]، ولد عبد الله بن عثمان بن عبد الله العلايلي، وكأنَّه كان على موعدٍ مع الآلام التي خلَّفتها تلك الحرب، ومع المشكلات التي سَّببتها للشُّعوب بعد أن حطَّت أوزارها، فعاش الطِّفل الكثير منها، وواجه الرَّجل القضايا الكبرى التي طرحها واقعه في ما بعد وخصوصاً إقامة الكيانات واستغلالها...

يقول العلايلي في وصف ما عاناه عبد الله الصَّغير آنذاك: «انحفر عميقاً في سرائري، منظر فتىً اتفقت له لقيمةُ أسرع إليها فمه. وللحظته، اقتحم على فمه فمٌ آخر، والتزاماً عليها، لينفكَّا وكل في فمه شفة الآخر مشفوعة بدمعة».

ولا يكون القتل شيئاً بالنِّسبة إلى هذا المشهد ومشاهد أخرى مشابهةٍ، وقد أثَّر الألم في تكوين شخصيَّته المنحازة إلى من يعانون ذلك الجوع الذي لا ينفك يطعنهم، ورهف حسُّه ويقظ وجدانه، وانبرى يؤكِّد: «إنَّ القائد الحقيقي هو من كان ربيب الآلام».

التَّعلُّم:

وفي الخامسة من عمره، أُدخل كُتَّاب الشَّيخ «قاسم كتُّوعة»، ونُقل بعد شهرين، إلى كُتَّاب الشَّيخ «مصطفى زهرة»، ونُقل في السَّنة نفسها إلى كُتَّاب الشَّيخ «نعمان الحنبلي»، ولم يستقرّ به المقام إلا في السَّنة التَّالية عندما انتسب إلى مدرسة المقاصد الإسلاميَّة في «الحرش»، وكانت مدرسةً حديثةً تتألَّف من طابقين.

كان عبد الله الصَّغير ذا حسٍّ مرهف واعتزازٍ بالذَّات، فرفض أساليب شيخ الكُتَّاب في التعليم والتَّأديب، هذا ما يفسِّر سرعة تنقُّله من كُتَّابٍ إلى آخر... ولَّما آنس في المدرسة ما يلائم إحساساته استقرَّ مدَّة أربع سنواتٍ يتعلَّم الحساب ومبادئ العربيَّة، الفرنسيَّة، التاريخ والجغرافيا، على يدِ مربٍّ قدير هو الأستاذ «عزيز مومنة» الذي لا يزال الشَّيخ يذكره بالخير والتَّقدير.

بدت علامات النُّبوغ على الصَّبيِّ، وقد أكمل من العمر عشر سنوات، فقرَّرت الأسرة أن ترسله إلى الأزهر ليتلقَّى التَّعليم على شيوخه الكبار، فاصطحبه، في عام 1924م، أخوه مختار الذي كان قد سبقه الى هناك بعدَّة سنواتٍ معه.

وكانت مصر آنذاك تعرف حركةً فكريَّةً وسياسيَّةً نشطةً، وقد تبلورت هذه الحركة في ثلاثة اتجاهات عامَّة هي: الإتجاه الإسلاميِّ، الإتجاه العربيِّ والإتجاه الوطني المصري بفرعيه الفرعونيِّ والإسلاميِّ. ولم يكن الفرع الأخير بعيداً عن الإتجاه الأوَّل، أي الإسلاميِّ إذ كانا يلتقيان في النَّظرة إلى العديد من الأمور.

لم يكن الفتى الوافد إلى القاهرة بعيداً عن الأحداث وعن التَّأثُّر بها، ويذكر الشَّيخ أنَّ أسماء لفتته في مرحلةٍ مبكِّرةٍ، وأثَّرت فيه، من أمثال جمال الدِّين الأفغاني [1838م-1897م] ومحمد عبده[1850م-1905م] ومصطفى كامل [1874م-1908م]. فقال عن الأوَّل إنَّه «وضع الجذور وغرس النَّوى للنهضة المصريَّة والإسلاميَّة التي أنبتت زعماءَ كباراً من أمثال مصطفى كامل الزَّعيم الصَّادق الحقيقي، بل الزَّعيم الحقُّ الذي عرفه الشَّرق، والكلُّ عيالٌ عليه رغم قصر عمره الذي كان أشبه بالبارقة».

وفيما كان الفتى يتعرَّف إلى عالمه الجديد، لينخرط في دروبه، أتاه نبأ وفاة والده، بعد وصوله إلى القاهرة بأربعة أشهر، فعاد والألم يرسِّخ جذوره في الذَّات التَّائقة إلى المعرفة. لكنَّه لم يكن ألماً مُحبطاً، وإنَّما كان حافزاً إلى طلب العلم وتحصيله، فانصرف إلى دراسته، وتلقِّيه على أيدي علماء كبارٍ، خلبه من بينهم عالمٌ يقول فيه:«... كان أكثر من يخلبني من يمكن أن يزاحم بركبتيه أمثال المبرد وأبي العبَّاس ثعلب، وهو سيِّد بن علي المرصفي».

الكتابة المبكرة:

لم تنحصر اهتمامات الفتى في تلقِّي العلم والإفادة من شيوخه الكبار، ويذكر الشَّيخ أنه كانت له اهتماماتٌ مثل تدوين مشاهداته اليوميَّة والتَّعليق عليها، ابتداءً من عام 1924م حتى عام 1937م، وقد أثمر هذا التَّدوين مخطوطاً اسمه «أعوام في مصر» فضلاً عن شحذ حاسَّة المراقبة لدى الفتى وقدرة الكتابة والنَّظر إلى الأمور بعينٍ متفحِّصةٍ.

يعدُّ فقد ذلك المخطوط خسارةً أدبيَّة وتاريخيَّة، ويذكر الشَّيخ من الأحداث التي سجَّلها بعدما شاهدها، وأثَّرت فيه تلك التظاهرة النِّسائيِّة التي قادتها «هدى شعراوي» [1878م -1947م] ضدَّ المستعمر الإنكليزي، ويذكر أنَّها أجابت الضَّابط الإنكليزي الذي قال لها: «أنتنَّ النِّسوة مقرُّكن البيوت وعملكن إنجاب الأطفال»، بقولها: «أفضِّل أن يُزال رحمي على أن أُنجب طفلاً للإستعمار».

الواضح أنَّ هذا الإنصراف المبكِّر للكتابة أدَّى إلى تمرِّسٍ فيها، ما لبث أن بلور أسلوباً أدبيَّاً متميِّزاً، يتَّصف بالتخَّلص من المحسِّنات البديعيَّة وبدِّقة أداء الفكرة والتأنُّق فيها، وبجماليَّة تمتح من الفنِّية الرَّاقية التي عرفها الكتَّاب العرب الكبار، من أمثال الإمام عليQ في «نهج البلاغة» والجاحظ.

والعلايلي إذ يفعل هذا، يكون قد أسهم، على مستوى العطاء الأدبيِّ، بفعاليَّةٍ في قيام النَّهضة الُّلغويَّة الأدبيَّة ونموِّها، فيعود إلى الجذور ينميِّها نبتاتٍ خضراءَ يانعةٍ تزهر كتاباتٍ تصدر عن عيش هموم النَّاس العاديِّين. وهو بهذا الصَّنيع، إنَّما يحقِّق أنموذجاً في تفاعل الذَّات مع تراثها وحياتها المعيشة.

ويذكر الشَّيخ أنَّه وضع، في هذه الآونة، مخطوطاً أطلق عليه اسم «أدباء وحشَّاشون»، سجَّل فيه صوراً من حياة عددٍ من أبناء الشَّعب العاملين على تحصيل رزقهم. وقد برزت، في هذه الصُّور، رؤيةٌ واقعيَّةٌ إلى مشكلات العيش لا تخلو من سخريةٍ مرًّةٍ. ومن أسفٍ أنَّ هذا المخطوط فُقِد، أيضاً، مثله كثيرٌ من آثار الشَّيخ.

التَّخرُّج في الأزهر:

تمرُّ الأيَّام بالفتى وهو منكبٌّ على التَّحصيل وتكوين الذَّات المتفاعلة مع محيطها، الرَّائية إليه بعين ناقدة.

ولا يلبث أن يتخرَّج، وهو في ميعة الشَّباب، من الأزهر، سنة 1935م، وينتسب إلى كلية الحقوق في عام 1937م، في القاهرة.

الحبُّ والشِّعر:

وتُلقي الأيام في طريقه، وقد غدا شابَّاً، حسناء إغريقيَّة بارعة الجَّمال فيحبُّها، ويعيش معها قصَّة عشقٍ تؤتي شعراً غزليَّاً رقيقاً، لا يزال الشَّيخ يذكر بعضه، ومنه قوله لها، في إحدى القصائد:

تقولين: وجهي ابتسامُ الرَّبيـ

ـعِ، وفي مقلتي جرى كوثرُ

سألتك بالحسن لا توهمي

فقلبُ الرَّبيع غداً يفترُ

ومن ذلك الشِّعر قوله:

حلمٌ أنتِ مثلما الأملُ البكر

بقلبٍ هامت به عذراُء

حلمٌ أنتِ طائفٌ من جمالاتٍ

وأنت الُّلحون والأشياءُ

فعلى السَّفح منك ظلُّ خيالٍ

وعلى الرَّوضِ والضُّحى سيماءُ

في حديثٍ روته بعضُ الدَّوالي

أنتِ روح العنقودِ والأرواءُ

...أنا، في الهيكل المقدَّس قربانٌ

وللحبِّ سرٌّ، والنِّداءُ....

وتنتهي تجربة الحبِّ إلى فراقٍ، تترك في القلب حسرةً، وللشِّعر العربيِّ عطاءً شعريَّاً طوَّع فيه الشَّيخ الأزهريُّ العروض الخليليًّ لأداء حكايات الشَّوق والِّلقاء، مستفيداً من الجوازات الكثيرة.

وتبرز فرادة الشَّيخ في تطويع العروض والُّلغة الشِّعريَّة في تجربة هوىً آخر. يرنو هذه المرَّة إلى التَّسامي والكمال في تأمُّل الكون وعشق الذَّات الإلهيَّة. وقد تجسَّدت هذه الحالة الصُّوفيَّة في قصيدةٍ موحَّدة الوزن والقافية تزيد على ألف وخمسمئة بيت أسماها «رحلة الخُلد». وقد بقيت هذه القصيدة مخطوطةً، ولم يبقَ منها سوى قسمٍ ترجمه المستشرق «أميل درمنغم» إلى الفرنسيَّة. ويذكر الشَّيخ أنَّه نظمها في عام 1938م، عندما ألمَّت به حالةٌ وجدانيَّةٌ فريدةٌ دفعته إلى البوح بما يجده، فقال:

أنا يومي بين أمسٍ وغدٍ

خدعةُ الآمال في بردِ الرَّجاء

وأمانٍ. القلب برقٌ خلَّبٌ

حار إذ شعَّ كضحك في بكاء

... لا تلوموا الصَّبَّ في لوعته

خمرة الله ارتوى منها وناء

ولا يفوتنا أن نلاحظها أنَّ هذه القصيدة كانت وليدة تجربة العشق تلك، ولعلَّ المعاناة كانت ما أطلق عليه الشَّيخ اسم حالةٍ وجدانيَّةٍ فريدةٍ.

التأليف:

لم يستحوذ الشِّعر على الشَّيخ في هذه المرحلة، فيصرفه عن العطاء في ميادين أخرى. إذ نراه يعكف على التَّأليف، ورائده في ذلك أن يكتب «ليقدِّم جديداً أو ليقوِّم خطأً قبله النَّاس وأصبح من المسلِّمات، أو ليضع حلولاً لمشكلةٍ قائمةٍ».

رأى الشَّيخ أنَّ كتب التَّفسير المتداولة متأثرةٌ باختصاصات أصحابها، فأقدم على وضع تفسيرٍ للقرآن الكريم، أسماه «مدخلٌ إلى التَّفسير»، يقع في مجلَّدين، كلٌّ منهما بحجم خمسمئة صفحة، يتناول الأوَّل منهما، وهو «القسم الَّلفظي» الأسلوب، ويتناول الثَّاني، وهو «القسم المعنوي»، نظام الحكم الشَّامل مختلف جوانب الحياة.

بيَّن الشَّيخ، في القسم الأوَّل، أنَّ أسلوب القرآن الكريم لا يختلف بين سورٍ مكِّيةٍ ومدنيَّةٍ كما زعم المستشرقون، وتبعهم في ذلك بعض الباحثين العرب.

وفي المنحى نفسه، من إعادة النَّظر في المسلَّمات راح يتأمَّل التَّاريخ الإسلاميِّ ليعيد الكتابة في بعض نواحيه، فألَّف كتاب «أشعَّة في حياة الحسين»، ويبدو أنَّ دافعه إلى ذلك كان، فضلاً عمَّا ذكرنا، الإفادة من ذلك الحدث التَّاريخيِّ العظيم في مواجهة أحداث الحياة المعاصرة التي رأى أنَّها بحاجةٍ إلى تضحياتٍ جسامٍ ورجالاتٍ كبارٍ.

وكان الشَّيخ، وهو يواصل كتاباته الدِّينيَّة والتَّاريخيَّة يعيش هموم واقعه ويرى إليه بتلك النَّظرة نفسها، فألَّف كتابين: أوَّلهما «فلسطين الدَّامية» بيَّن فيه طبيعة الخطر الصهيونيِّ المُحدق بفلسطين، والثَّاني «سوريا الضَّحيَّة» بيّن فيه خطر الإستعمار الفرنسي وخصوصاً الإتفاقية السُّوريَّة الفرنسيَّة.

وفي غمرة هذا النَّشاط، شرع العلايلي منذ العام 1926م، في تأليف كتابٍ يدرس الُّلغة العربيَّة، تدفعه إلى ذلك الحاجة إلى علاج مشكلات هذه الُّلغة من نحوٍ أوَّل وعقم القرارات التي كان مجمع الُّلغة العربيَّة يتَّخذها، من نحوٍ ثانٍ، وللشيخ كلمةٌ ساخرةٌ تصف بعض هذه القرارات، وهي: «إن حظَّ هذه القرارات من إثراء الُّلغة العربية كحظِّ البخيل من العطاء».

وفي عام 1938م، صدر الكتاب في القاهرة عن المطبعة العصريَّة تحت عنوان: «مقدِّمة لدرس لغة العرب» وهو يتناول ثلاثة موضوعات يصلح كلٌّ منها لأن يؤلَّف فيه كتابٌ كبيرٌ، وهذه الموضوعات هي: الأوزان وتحديدها، نشوء الُّلغة وتطوُّر الَّلهجة، السَّماع والإشتقاق.

الرُّؤية الُّلغوية:

وإن كان الكلام على القضايا والمسائل التي تناولها الكتاب غير ممكنٍ في هذا المقام، فإنَّنا سنشير إلى ما يلقي الضَّوء على رؤية العلايلي الُّلغويَّة. فهو يرى أنَّ مجموعة الألفاظ تنمو، وتموت، وتنمو... في حركةٍ دائمةٍ مرتبطةٍ بحركة حياة النَّاس الذين يستخدمونها، بمعنى أنَّها «تتحرك بقانون الغية لا السَّببيَّة». وإذا فقدت الُّلغة حركة نموِّها الدَّائم»، «ولم تعد تجاري التطوُّر الحضاري» يفقد الإنسان الذي يستخدمها القدرة على التفكير والعطاء؛ الأمر الذي يفرض الحاجة الماسَّة إلى تجدُّدٍ يمكِّنها من أداء وظائف شتَّى هي التَّفكير والتَّعبير والإتِّصال وإثارة الإحساسات الجماليَّة والعواطف الإنسانيَّة باعتبار أنَّ قدرتها على أداء وظيفةٍ تحدِّد طبيعتها.

ويبحث العلايلي، في نشأة الُّلغة، انطلاقاً من هذه الرؤية لها، فيرى أنَّ تلك النشأة تدرَّجت من المقطع البسيط الواحد إلى المقطع الثنائي المركَّب فالمقاطع المركَّبة.

وفي صدد مسألة صعوبة الُّلغة العربيَّة، يرى العلايلي أنَّ ذلك يعود الى أسبابٍ خارجيَّةٍ، ومن أهمِّ هذه الأسباب إهمال استعمالها وفهمها الخاطئ واعتماد نحوها على السببيَّة العقليَّة وطرق تدريسها....، ويقدِّم مقترحاتٍ لتسهيلها وجعلها لغة حياةٍ.

ويتم ذلك من طريق «تهذيب العامِّي القابل للتفصيح وإجرائه على موازين الفصحى» أو بإفساح الفصحى لتبنِّي مفردات العاميَّة التي ترجع الى أصلٍ فصيح ولو محرَّفاً... ويرى العلايلي أنَّ الُّلغة المهذَّبة، ويسمِّيها «المعطيَّة» لتستقيم وتنتشر ينبغي اعتمادها في مراحل التَّعليم المختلفة، وبذلك تقترب من الُّلغة الأدبية الرفيعة وتتَّصل بها صلةً متينةً».

وبعد أن قدَّم العلايلي اقتراحاتٍ لتسهيل الخطِّ العربيِّ، انتهى إلى تأكيد طواعيَّة الُّلغة العربيَّة وديناميَّتها. وهو، وإن كان يفضِّل وضع المصطلحات، ولا يرفض تعريبها وإنَّما اشترط في ذلك شرطين: «أوَّلهما أن يُنقل المصطلح على مقتضى نطق الحروف العربيَّة البحتة، وثانيهما، أن يراعى في المنقول وزنٌ عربيٌّ محفوظٌ لا يزيد على سبعة أحرف، فإذا زاد أُنقص بشكلٍ لا يخلُّ بالعلم».

وفي التَّعريب يقول: «التَّعريب إذا ضمن نقل الفكرة في الُّلغة العربية فإنَّه يعجز أبداً عن نقل خيالها... فلغةٌ تفسح للتَّعريب في وجودها تضمحلُّ أدبيَّاً وتبور زمنيَّاً. ولكنَّه قال في أحد حواراته: «أنا لست ضدَّ التَّعريب، ولكن لا ينبغي أن تملأ لغتنا بكلماتٍ أجنبيَّةٍ معرَّبةٍ من دون رادعٍ».

ودعا العلايلي إلى ضرورة إحياء ما دعت إليه مدرسة الكوفة، وإباحته للمستعمل والواضح، وهو يعني المقولة الآتية: «إنَّ ما قيس من كلام العرب فهو من كلام العرب».

أثارت مقدِّمة العلايلي ردود فعلٍ متباينة....، غير أنَّه لم يتوقَّف عندها، فعمد إلى تطبيق آرائه الُّلغويَّة عمليَّاً بإصدار معجمٍ جديدٍ يفي بأغراض الُّلغة ويراعي مطالب العصر، وكان مقرَّراً لهذا المعجم أن يصدر في أربعةٍ وعشرين مجلَّداً كل منها في أربعة وعشرين جزءاً. لكن لم يصدر من هذا العمل الضَّخم الذي تنوء بإنجازه المؤسَّسات، سوى أربعة أجزاءٍ من المجلَّد الأوَّل، وذلك بسبب الإفتقار إلى التَّمويل. ومن الجدير بالذكر، هنا، أنَّ الشَّيخ رفض عرضاً قدَّمه له المستشرقون السوفيات، ويقضي بطباعة موسوعته الُّلغوية. ويعيد أسباب رفضه إلى ملابساتٍ سياسيَّةٍ تلت مواقف أعلنها في الحفل التَّكريمي الذي أُقيم لعدنان المالكي في دمشق عام 1955، وأُطلق عليه آنذاك لقب «الشيخ الأحمر». وانتظر أن يقدِّم له أحدٌ دعماً ولكن من دون جدوى. ولم يخفِ الشَّيخ ندمه على إضاعة تلك الفرصة التي لن تعود.

لم ينثنِ الشَّيخ عن تنفيذ مشروعه الُّلغوي، فأقدم في عام 1963م، على نشر معجم وسيط، سمَّاه»المرجع»، فلقي ترحيباً، ومنحته «جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان»، في تلك السَّنة، جائزة رئيس الجمهورية اللبنانيَّة تقديراً لعمله اللُّغوي الذي تُوِّج بـ»المرجع». كما نال جائزة سعيد عقل، عن شهر شباط عام 1963م، تقديراً لـ»المرجع».

وفي سياق نشاطه الُّلغوي، شارك في «لجنة البحوث والدَّرس» التي ألَّفها اللواء فؤاد شهاب، وهي الَّلجنة التي وضعت المعجم العسكري.

والواضح أنَّ العلايلي عمل، في إنتاجه بعامَّةٍ، والُّلغوي منه بخاصَّةٍ على تطبيق مبادئ يثبتها في مقدِّمة معجمه، ومنها:«.... فلا تمنعني أبداً غرابة رأيٍ»أظنُّ أنَّه صحيحٌ» من إبدائه، لأنَّ الشُّهرة لم تعد أبداً عنوان الحقيقة... وأيضاً، لا يحول بيني وبين رأيٍ أنَّه قليل الأنصار، لأنَّ الحقَّ لم يعد ينال بالتصويت الغبيِّ، فالإنتخاب من عمل الطَّبيعة، وهي لا تغالط نفسها كما لا تعمد إلى التَّزوير.

العودة من مصر والنشاط السياسي:

سار العلايلي في هدي هذه المبادئ، وإن نكن قد آثرنا تتبُّع إنتاجه الُّلغوي متجاوزين عطاءه في ميادين أخرى، فذلك من أجل التَّركيز فحسب، وإنَّنا سوف نعود الى السِّياق التَّاريخي، فنرى أنَّه عاد في عام 1940م، من مصر ليقيم في لبنان؛ وذلك على أثر اشتداد الحملة الإيطالية - الألمانية على مصر، وقد حرمته هذه العودة من نيل إجازة الحقوق؛ إذ كان عليه أن يمضي السَّنة النِّهائيَّة من سنيِّ الدِّراسة الأربع.

استأنف الشَّيخ في لبنان نشاطه في ميدان الكتابة، غير أنَّ نشاطه السِّياسيِّ بدأ يبرز بوضوح.

كان الشَّيخ، من قبل وفي أثناء زياراته للبنان، قد شارك، في عام 1936، في تأسيس «عصبة العمل القومي» ذات الإتجاه العربيِّ وألقى العديد من الخطب الوطنيَّة في الجامع العمريِّ الكبير، القائم في قلب مدينة بيروت. وكانت هذه الخطب من التَّأثير في درجةٍ دفعت الشَّيخ عبد الرحمن سلام إلى وصفها بقوله: «أنا أستحثُّ نفسي على أن أكون في مقدِّمة الحضور، لا لأستفيد فقط، بل لأرى أعجوبة الله في العلايلي».

ورأى الشَّابُّ العائد من الأزهر إلى وطنه المستَعمر أنَّ واجبه الأوَّل يتمثَّل في مقاومة المستعمِر الفرنسيِّ الذي كان يستبدُّ بالبلاد باسم «الإنتداب»، ورأى أيضاً أنَّ مقاومة الظُّلم والفساد والتخلُّف لا تقلُّ أهميَّةً عن مقاومة المحتلِّ، ويبدو أنَّه رأى أنَّهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، فانبرى يكتب سلسلة مقالاتٍ أطلق عليها اسم «أنِّي أتَّهم». وقد صدرت سبعة أجزاءٍ من هذه السِّلسلة التي كان مقرَّراً لها أن تصدر في أربعةٍ وعشرين جزءاً.

قراءة الوضع والتَّاريخ:

أدرك الشيَّخ صعوبة المرحلة، فعاد، كشأنه في سنواتٍ سابقةٍ، إلى التَّاريخ ليكمل ما كان بدأه. وكأنَّه، وهو يقرأ الواقع والتَّاريخ في آنٍ، يحاول أن يصل الحاضر بالماضي، ويفيد من دروس ما غبر، فأصدر التالي:

- في عام1940م، كتاب «تاريخ الحسين».

- وفي عام 1941م «دستور العرب القوميّ»، الذي بيَّن فيه أسس القوميَّة العربيَّة، وكتب مخطوطة «الكون والفساد الإجتماعيان»، في محاولةٍ لتطبيق نظرياته في المجال الإنساني العام، والواضح أنَّ هذه المؤلَّفات تؤكِّد اهتمامات العلايلي الفكريَّة على المستوى الوطنيِّ والقوميِّ والإنسانيِّ.

- ولم تحل المشاغل دون إجرائه أبحاثاً لغويَّةً أدبيَّةً، فأصدر، في عام 1944م، كتاب «المعرِّي ذلك المجهول»، معتمداً منهجيَّةً معجميَّةً بألفاظه ومصطلحاته.

- في السَّنة نفسها مخطوطة «الفرق بين الأسلوب والتَّركيب»، مبيِّناً أهمية الأسلوب في التَّعبير عن انفعال الكاتب، ووضع مخطوطةً أخرى طريفةً اسمها «السَّاحر» يصف فيها أعمال رجلٍ ذي مهارةٍ بالغةٍ في إدارة ألعابه.

- وفي هذه السَّنة الحافلة بالنَّشاط، وهي السَّنة الثَّانية من عمر لبنان المستقلِّ، وقد بدا أنَّ الوضع مستقرُّ، تزوَّج العلايلي من «بهيَّة مرعي» التي أنجبت له ثلاثة أبناء: «نوار ومحمد خير وبلال»، فواصل الشَّيخ كتابة التَّاريخ فألَّف كتاب «مثلهن الأعلى» الذي يتناول فيه حياة أمّ المؤمنين، السيدة خديجة بنت خويلد التي «رعت نبيّاً وتعهَّدت وصيِّاً»، وأصدر الكتاب عام 1947.

- أصدر، في 1948م،كتاب «أيَّام الحسين»، وهو الحلقة الثَّالثة من سيرة السِّبط، وقد نحا فيه منحىً قصصيَّاً، وكتب مخطوطة «أبو ذرِّ الغفَّاري» و«شهيد القسطل»، [عبد القادر الحسيني]. ووضع مخطَّطاً للتَّعريف بـ«مجموعة من علماء بيروت»، بغية إنصاف رجالٍ أسهموا في تقدُّم مدينتهم، ومن أبرزهم الشَّيخان مصطفى الغلاييني وعبد الرحمن سلام.

وقد لاحظ الشَّيخ واقع النَّقد الأدبيِّ، فوضع مخطوطة «المنهج البلاغي» في النَّقد، وضمَّنها منهجه في النَّقد ورؤيته له، آخذاً على النُّقَّاد القدامى اهتمامهم الزائد بالألفاظ.

النَّشاط السِّياسي:

ولم تلبث الأحداث السِّياسيَّة أن جذبته إليها، وكان ذلك إبَّان ولاية رئيس الجمهوريَّة، الشَّيخ بشارة الخوري الثَّانية، فانضمَّ إلى معارضي الرَّئيس، وانصرف إلى الكتابة، ليكشف واقع البلاد المتردِّي وحال الحكومة الفاسدة، فوضع مخطوطة: «الوجه الكرتوني»، ويعني بذلك وعود الحكومة التي تنهار بسرعةٍ لدى الممارسة العمليَّة، كما أنَّه كتب في الصُّحف كـ»الأديب» و« كل شيء» مقالاتٍ تتناول مختلف شؤون الحياة.

وأيقن العلايلي أنَّ الحزب ضرورةٌ، وبخاصَّةٍ في لبنان القائم على تعدُّد الطوائف والمذاهب والإنتماءات، فأطلق شعاره المعروف:«....الحزب بوتقةٌ تصنع الأمَّة». ولعلَّ هذا الإعتقاد يفسِّر صداقته للحزبين النَّقيضين: الكتائب والنجَّادة.

ولم يكتفِ العلايلي بالدَّعوة، وإنَّما شارك في نشاطات أحزابٍ وكتلٍ وطنيَّةٍ، من أمثال «حزب النِّداء القومي» و«كتلة التحرُّر الوطني النيابيَّة». وشارك، أيضاً، في تأسيس «الحزب التَّقدُّمي الإشتراكي برئاسة كمال جنبلاط، في 17آذار/ مارس1949م.

وخاض الشَّيخ معركة منصب الإفتاء في عام 1952م، فعندما شغر منصب المفتي، بوفاة الشَّيخ محمد توفيق خالد، ارتفعت دعوات ترشِّح الشَّيخ عبد الله العلايلي، فأقدم على التَّرشُّح، وفي ذهنه إصلاحاتٌ ينوي إجراءها، لكنَّ تدخُّلات أهل الحكم ضدَّه، آنذاك جعلته يؤثر الإنسحاب من المعركة.

شعر الشَّيخ، على أُثر معركة دار الإفتاء، بالحاجة الى الرَّاحة. وكان الشَّوق إلى ربوعٍ أمضى فيها سنوات الفتوَّة والشَّباب، يدفعه إلى زيارتها، فغادر بيروت إلى القاهرة. وهناك لمس نقمة الشَّعب على الفساد، وتوقَّع قيام حدثٍ كبيرٍ، سرعان ما سمع به، بعد عودته إلى لبنان، وهو قيام ثورة23 يوليو/ تموز عام 1952م.

وقف الشَّيخ من حركة الضُبّاط الأحرار موقف المراقب في البداية، ولم يلبث أن عارض توجُّهات الحكم، خصوصاً بعد أن أُعدم العامل «مصطفى خميس» الذي كان يطالب مع رفاقه بتحسين الأجور، فرثاه العلايلي بمقالةٍ عنوانها «قارع الأجراس».

وفي لبنان نجحت «كتلة التحرُّر الوطني» في إيصال مرشَّحها كميل شمعون إلى رئاسة الجمهوريَّة، لكنَّ الخلاف ما لبث أن نشب بين حلفاء الأمس. وشعر العلايلي بأنَّ الأمور في البلاد تسير في الإتجاه المضادِّ لمبادئه الوطنيَّة والقوميَّة والإجتماعيَّة، فمضى في المعارضة، وهو يقول في مقالةٍ عنوانها: «أصبحت البلاد هاويةً في انحدار»:

[قطعت للجماهير على نفسي عهداً، وهو أن لن يحبسنا بعد اليوم تورُّع جبانٍ في القول، ولا مداورة هلوعٍ، ولا مصانعةٌ تمسح جبين الرجس والنتن بالعطور.. وشدَّ ما أنا أكره هذا التصنُّع حيال ما هو أقدس من رغباتي ورغباتك، وأخلد من وجودي ووجودك حيال قضيَّة شعبٍ وقضيَّة مصيرٍ].

المفكِّر الانساني:

ذلك أنه دعا الى التمرُّد الإيجابي، على المستوى العالميِّ، فبرز بوصفه مفكِّراً إنسانيَّاً تتلاقى أفكاره مع أفكار «حركة أنصار السِّلم» التي كان بعض أعضائها أصدقاءه، من أمثال جورج حنا ورئيف خوري. وكتب الشَّيخ، في مجلَّة «الطَّريق»، سنة 1954م، مقالةً بعنوان «ذكرى تأسيس حركة أنصار السِّلم»، يقول فيها:«... فأوَّل واجب البنَّائين الذين يعملون، في الأساس، هو إشاعة مبدأ التمرُّد الإيجابي... والنَّفس التي شاعت فيها ثورة الإصلاح تتمرَّد لتتحدَّى كل الأوضاع، وتتمرَّد حتى لتجابه كل الأخطار». وقد سار الشَّيخ مع هذه الحركة في حدود الإلتقاء مع عددٍ من مبادئها، والخلاف في نقاطٍ عديدةٍ معها، لكنَّ هذا لم يمنع صحيفة «النَّاس» الدِّمشقيَّة من القول: «وقام الشيَّخ الأحمر»، «وفجَّر الثَّورة»؛ وذلك عندما ألقى كلمته التَّأبينيَّة في ذكرى عدنان المالكي في الملعب البلدي بدمشق[مكان معرض دمشق الدولي في هذه الأيام].

قائلٌ لا يُسمع:

هاجم الشَّيخ سياسة الحكَّام العرب آنذاك، وفضح أحلافهم العسكريَّة المرتبطة بالإستعمار، وأدرك خطورة المرحلة، فكتب «العرب في المفترق الخطر»، الصادر عام1955م، ونبَّه العرب فيه إلى الأخطار المحدقة بهم. وتسمعه، في هذه الأيَّام يقول: «لقد أسمعت لو ناديت حيَّاً...» ويردِّد مع الشَّاعر العربيِّ:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد[...]

ولا يكمل «إلاَّ في ضحى غدٍ لأنَّهم لم يستبينوه بعد، كما يقول».

كشف حقيقة الحرب اللبنانية:

استمرَّ الشَّيخ في مواصلة نشاطه الثَّقافيِّ ذي الجوانب المتعدِّدة إلى أن قامت الحرب اللبنانيَّة، فسعى إلى كشف طبيعتها، ووجَّه كتاباتٍ مفتوحةٍ إلى السِّياسيين، ولكن من دون جدوى، فقد كانت إرادة مشعلي الحرب أقوى... كانت قدراً حديثاً يشبه قدر الأزمنة القديمة التي لا مردَّ لها. وقد عانى الشَّيخ من آثار هذه الحرب كثيراً خصوصاً، أنَّ منزله كان يقع في «السوديكو»، على خطوط التّماس، فكان يضطرُّ إلى تركه بين أيدي العابثين من قذائف الميليشيا ومسلَّحيها، ففقد الكثير من مقتنياته.

وكأن هذه الحرب كانت «شيطان» شعر، فنظم الشَّيخ «قصائد دامية الحرف، بيضاء الأمل أو من أجل لبنان»، وأصدرها عام 1977م.

وخلال الحرب، بدأ يكتب ما يبيِّن أنَّ الديِّن براءٌ مَّما يدعيه أمراء الإقتتال وأغنياؤه! فكان كتابه «أين الخطأ؟» الصادر عام 1978م، ذروة تصعب الإحاطة بها، وبقي الشَّيخ عبد الله العلايلي يواصل القراءة والكتابة، كما ذكر لنا في جلسةٍ صباح الجمعة 15/ 10/ 1993م، ولم تمنعه السُّنون الثمانون عن ذلك إلى أن توفيَّ.

إنَّنا إذ نُنهي هذه السِّيرة نقول مع الأديب محمد عيتاني: «إنَّ العلايلي ذروةٌ من ذرى العلم والفكر والُّلغة والأدب يصعب الإحاطة بها إحاطةً دقيقةً شاملةً».

ما يُبَلسم البَلوى، ونعمد إلى إجراء قراءةٍ في كتابه «مشاهد وقصص من أيَّام النبُّوة»، بوصفه أنموذجاً لكتابته وبحسبانه صنيعاً يبلسم برحاء بلواه، كما يقول. ولكن هل كان الشَّيخ العلايلي يعاني «بلوى الزَّمان»؟

لندعه هو يُجِب عن هذا السُّؤال. يقول الشَّيخ في كتابه موضوع هذه القراءة:«.... واتفق لي، للآونة، أن رأيت الذين بلوتهم، منذ سنة 1935م، أعاينهم وأعاني معهم إلى أعوامي هذه الأخيرة على حقائقهم. فكانت حصيلة بيادري منهم، في أكبر شأنها زؤاناً إلاَّ بقيةً هي الكرائم من الحبِّ واللباب، شفعت بما كانت اجتمع عندي من أكداس «غرايب سود». وكان في مقدم هؤلاء «الكرائم...» الشِّيخ محمد مهدي شمس الدِّين الذي قال ما معناه: «ما اتفق لي وشهدت ظلماً من ذويه كالعلايلي، ولا رأيت ظلوماً كقومه...»[ص، ح].

ولا يملك المظلوم الذي لم يتعوَّد الزلفى يوماً، وظلَّ طوال العمر يأبى الذُّل أن يردِّد مع شاعرنا العربيِّ القديم لبيد قوله:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

وإن كان من عجبٍ فإنَّه ينقطع كله، وذلك عندما يعي الشَّيخ دروس التَّاريخ، ويجد فيها بلسماً كما يقول: «وينقطع عجبي كلّه أنَّني في مضمار عرض بعض أيَّام النَّبوَّة، وسبقت بأنَّ الحسين من أكبر أيَّامها، فلا بدع أن أبلسم برحاء بلواي بالعظائم من برحاء بلواه التي تحمل في ثناياها العزاء لطائفة المعذَّبين، والطُّمأنينة، كل الطُّمأنينة للمفجوعين المكروبين من دهرهم ما بقي الدَّهر».

كتاب «أيَّام الحسين»:

في ميدان النضال، وهو البلسم الذي تنتصر فيه قضيَّة الحرية....، نشط العلايلي ممارسةً عمليةً وكتابةً وبين أيدينا، الآن، طبعةٌ جديدةٌ من كتابه «أيام الحسين» الذي صدر عام1947م عن دار العلم للملايين. وهو أحد ثلاثة كتب ألَّفها عن الإمام الشهيد Q. والإثنان الآخران هما: «أشعة من حياة الحسين» وتاريخ حياة الحسين: نقد وتحليل». وقد نحا، في هذه الكتب، ولا تخفى أهمية هذا المنحى في تلك المرحلة من الزمن، منحىً يعيد النظر في ما اعتقده بعض المسلمين مسلَّماتٍ تاريخيةً. وراح يتأمَّل التاريخ الإسلامي ليعيد الكتابة في مراحل منه. ويبدو أن دافعه في ذلك، فضلاً عن إعادة النظر، الإفادة من سيرة سيِّد الشهداء في مواجهة الأحداث المعاصرة التي رأى أنَّها بحاجةٍ إلى تضحياتٍ جسامٍ ورجالاتٍ عظامٍ من أمثال الإمام الحسين بن عليQ. فهو يقول في المقدِّمة التي كتبها للطبعة الأولى:«.... فعلينا لذلك، أن نعرف كيف نستثمر التاريخ مثل قوَّةٍ تنصبُّ في شرايينا وعروقنا، وكيف نحوَّل تياره المبعثر في الُّلج الباهت ليزيد حياتنا حركةً وحاضرنا اندفاعاً ومضاءً»[ص. ت].

واستثمار التاريخ يؤدِّي، كما يضيف الشَّيخ، إلى أن يكون جزءٌ من تاريخ تابع النُّبوَّة عقيدةً والجزء الآخر جهاداً، فيكتب الخلود له، ويكتب علينا أن نأتم لنجرِّب إيماننا في الجهاد وجهادنا في الإيمان. يعمد المؤلِّف، في الطبعة الجديدة، إلى تغيير اسم الكتاب، ويسوِّغ ذلك بقوله: «أكبر فصول الكتاب تدور على اسمه المستحدث «مشاهد وقصص من أيام النُّبوُّة». ولم أبعد بالتسمية الحاضرة العقيدة عن تلك القديمة العهد. فالحسينQ، في جوهره وحقيقته، يومٌ من أيام النُّبوُّة. وهكذا أكبر وأرحب وأغنى وأحب»[ص. ز].

ويبدو هذا التَّسويغ الوارد في «منبهة» الطبعة الجديدة، تأكيداً لما ينتهي إليه سياق الكتاب من خلاصة تأمُّلٍ في الأحداث التاريخية، ذلك أنَّ المؤلِّف يقرر قبل أن يختم كتابه:

«أنّ الهجرة الأولى، هجرة رسول الله، كانت، وغايتها البناء. وأنَّ الهجرة الثَّانية، هجرة سبط رسول الله، كانت وغايتها المحافظة على ذلك البناء»[7].

يتألَّف الكتاب من ثلاثة أقسامٍ هي: من أيَّام النُّبوَّة، من أيام العهد الراشدي، أيَّام الحسين السبطQ وينتظم سياقه الفصولَ التي تتفرَّع إليها الأقسام، والتي تبدو كأنَّها مشاهد وقصصٌ غير مترابطةٍ، ليكشف حقيقة أيَّام الحسين وجوهرها بوصفها استمراراً لأيام النُّبوَّة، فيبدو الكتاب كأنَّه سيرةٌ لا تعنيها التفاصيل بقدر ما يعنيها تأمُّل التَّاريخ بغية الوصول إلى جوهر أحداثه وبيان هذا الجوهر جلياً للعيان. ولا يبعد عن دلالة هذا السياق قولٌ يُروى أن عمَّاراً بن ياسر قاله في صفين: «إنَّنا نقاتلكم على تأويله «يقصد القرآن الكريم» كما قاتلناكم على ترتيله، فكربلاء التي ينتهي إليها الكتاب، هي في جوهرها، يوم المدينة، أي يوم بدرٍ الذي يكون به البدء. ومن الملفت أنَّ يزيداً عبَّر عن هذه الحقيقة، وإنَّ من وجهة نظرٍ أخرى، عندما أنشد البيت الآتي بعد معركتي كربلاء والحرَّة:

ليت أشياخي ببدر علموا

جزع الخزرج من وقع الأسل

يقول العلايلي: [إنَّ يوم بدرٍ كان تسجيلاً لظفر الإنسانيَّة الجديدة المحررة على الإنسانيَّة الرجعيَّة العتيقة، إنسانيَّة الأغلال والقيود وإنسانيَّة الإستبعاد الوحشي المنكر][8].

يقول: [إنَّ الحسينQ انطلق إلى كربلاء مودِّعاً الكعبة، بيت الله، حاملاً روحها بين جنبه وشعلتها بكلتا يديه... فإنَّه البقية من إرث السَّماء على الأرض].

وكان انطلاقه من أجل إعادة تسجيل ذلك الظَّفر الذي كاد يُمحى بعدما أراد الآخرون للدُّنيا أن تكون «دنيا من الشَّهوات والرذيلة والأحقاد». ويستمر الخيط النَّاظم في جميع الفصول ليكون الكتاب نسيجاً متماسكاً يكشف رؤية للتَّاريخ تستند إلى حقائقه من نحوٍ أوَّل، وإلى تأمُّلٍ عميقٍ نافذٍ إلى الجوهر من نحوٍ ثانٍ. ويبدو هذا النَّسيج فريداً في الشَّكل الذي يأخذه، حيث تنتظم العناصر المتنوِّعة: قصُّ الحدث فنِّياً، سرد الحقيقة التَّاريخيَّة. وتوثيقها الذي يصل إلى حدِّ الإحالة إلى المصدر[9]، البحث التَّاريخي، التَّأمُّل وتقرير الخلاصات، والوجد الشِّعري الموزون والمنثور... تنتظم هذه العناصر في نظامٍ من العلاقات يرشح بالدَّلالة الكاشفة.

ففي فصل «يوم الغفران»، على سبيل المثال، نرى أنَّ السِّياق ينمو ويتشكَّل في حركاتٍ عديدةٍ يمكن أن نلحظها كما يأتي:

- مشهدٌ تمرُّ فيه على النَّبيP صورٌ متحرِّكةٌ سريعةٌ تعيد غار حرَّاء ومكَّة ودار الأرقم الخ.... ويبدو طيفا أبي طالب وخديجة في خلفية هذه الصُّور بوصفهما المدافعين الحانِيَين...

- تأمُّلٌ يقرِّر شروط نجاح الحركات الخلاَّقة.

- ذكرى الهجرة وجهود تثبت العقيدة، حيث يبرز دور الإمام عليQ.

- تأمُّلٌ يلحظ دور أبي طالب والإمام عليQ.

- اتخاذ النَّبيP قراراً، والإيحاء به لفاطمة ابنته.

وهكذا تنمو حركة اتِّخاذ هذا القرار موظّفةً العناصر، ويستمرُّ هذا النُّمو، في سياقٍ مشابهٍ، إلى أن يصل إلى اكتمالٍ يؤكِّد تكريم البطولة التي لن تنحرف عن النُّبوَّة الجديدة بكل ما نبت فيها... ويصل أيضاً الى أن يمرَّ في نجوى قلب فاطمة ما يأتي:

«إن أبي يقول، في تعبيرٍ آخر، ظهرت حقيقة الخلق في عالم الإبداع الإلهي بمظهرين: مظهر النَّبي الكامل، ومظهر الإنسان الكامل، وحبيبٌ إلى نفسي أن يكون حظي هذا الإنسان»[10].

ويختم العلايلي الفصل المنتظم في سياق «حفظ النُّبوة» بمقطعٍ تأمُّليٍّ شعريٍّ يؤكِّد ما يؤكِّده «فيوم عليٍّ وفاطمة إبقاءٌ لحياة النُّبوَّة على الدُّهور»[11].

إنَّ شكلاً أدبياً يوظّف القصَّ الفنِّي والسَّرد التَّاريخي والتَّأمُّل والشِّعر الخ... لشكلٌ أدبيٌّ جديدٌ يتفرَّد به العلايلي. وهو شكلٌ أتاح لمنشئه أن ينفذ إلى جوهر حركة التًّاريخ ويكشفه، وأن يوصل هذا الكشف إلى المتلقِّي في سياق نصٍّ يوظِّف الخطاب، ولا يعتمده، ويقدم الرؤية الفذَّة ممتعةً. ومن تلك الرؤى التي قدمها العلايلي حديثه عن اليهود وتحديده للعناصر التي تشكِّل روحيتهم[12]، ومن ذلك أيضاً، رؤيته لظاهرة افتداء الإنسان بحيوانٍ، فهو يقول: «افتداه بكبشٍ...، وكان مغزاه أنَّ الإنسانية المثاليَّة السَّامية، أوَّل ما تقوم عليه هو إزهاق النَّزوات الحيوانيَّة ونزعات ضرواتها في حيوانٍ يهراق...»[13]، ومن ذلك أيضاً تفسيره لظاهرة عبد الله بن سبأ[14] ولموقف الخوارج من مرتكب الكبيرة[15] وسخريته من شورى الأمويين[16].

نكتفي بهذا القدر من الأمثلة، لأنَّ الكتاب غنيُّ بها. وإنَّه لمن الفائدة الكبرى والمتعة الفنِّية، أيضاً، أن يعود القارئ إلى الكتاب نفسه، ففيه من ذلك ما لا يستطيع مقالٌ قصيرٌ بيانه.

الشيخ مغنية كما عرفته

الشيخ د. جعفر المهاجر[17]

1. ترجع بدايات معرفتي بالشيخ مغنية الى أواسط سني الطلب في النجف الاشرف في خمسينيات القرن الماضي. يوم ذاك كانت الساحة الشيعية في لبنان قد فقدت اعرف قلمين، ملا الدنيا وشغلا الناس بما الّفا وصنفا. ونجحا نجاحاً باهراً في ان يقدما للقراء حضوراً اصيلاً في المعترك الفكري الدائر انذاك. وذلك بوفاة السيد محسن الامين سنة 1371هـ /1952م، ثم السيد عبد الحسين شرف الدين بعده ببضع سنوات، ولكن السيد شرف الدين وإن يكن قد عاش بعد سلفه، فإنه كان قد انقطع عن الكتابة قبل وفاة السيد الامين بمدة. كانت النفوس عطشى تتطلع الى من يملأ الفراغ الذي نشأ بفقدان ذينك العلمين.

قبل ذلك ببضع سنوات وبالتحديد سنة 1366هـ /1947م، كان عالم عاملي مغمور اسمه الشيخ محمد جواد مغنية قد اصدر كتاباً سمّاه «الوضع الحاضر في جبل عامل»، آثار ضجّة عالية ذلك لأنه تكلم في الممنوع عند الجميع. وتكلم في الممنوع عند الدولة، حينما حمل عليها وحملها مسؤولية تخلف وبؤس جبل عامل وتكلم في الممنوع عند الزعماء السياسيين المحليين «البكوات»، اذا اعتبر سكوتهم على سياسة الدولة ممالاة لها. وتكلمّ في الممنوع عند بعض العلماء، لأنه قال انهم بتبعيتهم لاأولئك الزعماء كانو يوافقون ضمناً على من ويمالون، مما يفقدهم الكثير من صفتهم كمسؤولين عن رعيتهم لقد كان الوضع الحاضر في جبل عامل كتاباً ليس لغير انسان مملوءٍ معرفة وعفةً وشجاعة ان يفكر فيه، فضلاً عن ان يكتبه وينشره. ولقد كان الشيخ مغنية حقاً ذلك الرجل بكامل الجدارة والاستحقاق. هكذا بدأت ألسنة الناس تلهج بذكر عالم دين من طراز غير مألوف. وبدأت شخصية الشيخ الاشكالية تلفت انتباه شريحة واسعة من الناس في وطنه، خصوصاً بين اوساط المثقفين. وبهذا يمكن ان نلخص بداية حضوره بين الناس وتلك هي اجمالاً الصورة التي كانت في اذهاننا عنه، نحن طلاّب العلوم الدينية في «النجف» انذاك.

2. كان اول لقاء لي بنص الشيخ على صفحات مجلة [رسالة الاسلام]، التي كان يصدرها المجكع العام للتقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة بتوجيه ودعم من المرجع الشهير السيد البروجزدي. وكنت يومها ادرس علم اصول الفقه عند احد اساتذتي جزاه الله عني خير الجزاء. ووصل بنا البحث الى الاصل المثبت. وهو فرعٌ من فروع الاستصحاب في الاصول العملية غير ان بين الاصل وفرعه فرق ضئيل. بيد ان هذا الفرق على ضالته، يخرج الاصل المثبت على الحجية الشرعية وشرح لنا اساتذنا الباب بما ارضاه ولكنني خرجت من الدرس غير مرتاح النفس لما فهمته منه وشاءت محاسن الصدف ان اقع في اليوم نفسه على عدد من اعداد [رسالة الاسلام]، عند احد الزملاء وفيه مقالة ضافية عن الاصل المثبت بقلم الشيخ مغنية، اسأذنت زميلي في ان احمله معي الى غرفتي في المدرسة، وهناك قرأته بتمعن وفي اليوم التالي عرضت على استاذي ماأفهمه عن الموضوع فاستحسن ما سمع. وقال ما معناه، انني قد احسنت الإفادة من شرحه بالأمس. فلم املك نفسي عن ان اقول له، بعد ان وضعت مقالة الشيخ امامه: ولكنني استفدت هذا الشرح من المقالة التي امامك ولست انسى كيف بوغت الاستاذ بكلامي لأول وهله. وكيف بدأت الوم نفسي على انني واجهته بما ينسب الفضل الى غيره. غير ان ما ملائني حبوراً بعد قليل، انه بعد ان نظر ملياً في المقالة، رفع راسه وعللى وجهه ابتسامة رضى، وقال ما معناه، حقاً ان هذا البيان هو افضل او من افضل ما قرأته عن الموضوع.

3. اعتقد انه من بين الذكريات الشخصية الكثيرة التي حملها عن الشيخ، فإن القعتين التين قدمت بها تصلحان لمادةٍ يمكن ان تركب منها صورة وافيةٍ له. كان حرية حريّة نسر يملك الاعالي، ويأبى ان يسفّ الى مايسفّ اليه الناس خصوصاً حين تقضي مصالهم بأن يسكتوا عما لاينبغي السكوت عليه، وبأن ينطقو استرضاء لمن رضاهم مغنم. والحقيقةان جزءاً غير قليل من كتابه [الوضع الحاضر في جبل عامل] هو ان وضع مصنّفه نفسه، وهو الذي عانى فقراً مدقعاً في مقتبل حياته في وطنه، بعد ان عاد اليه من «النجف» بحيث انه لم يكن يملك من اللباس الا الضروري الذي يستر جسده. وبحيث اضطر، وهو العالم الجليل، ان يصرف جهده الى الفلاحة والزراعة، شأن البؤساء من اهل «جبل عامل». فزرع «شكارة» [اي قطعة ارض صغيرة مخصصة للزراعة] في غير قرية.

ليس من العسير على القارئ الحصيف للكاتب، ان يرى ان التجربة الشخصية المرّة للكاتب [انوضع الحاضر في جبل عامل] كانت بمثابة الزناد الذي اطلق رصاصة الكتاب. موجهة مباشرة الى من كانوا السبب في بلائه وهو في بلاء وطنه، دونما مواربة، ودونما محاباة. هكذا فعندما غدا الشيخ رئيساً لمحكمة الإستئناف الجعفرية، جاءه احد اولئك الزعماء ليمنى عليه بغباء مايشبه الامر بإصدار حكم في خصومة تنظر فيها المحكمة، لصالح احد المخاصمين. وكأنه لايشك بأن الشيخ بأن الشيخ سيبادر فوراً على اطاعة امره. وربما كان يعتقد انه سيرى في زيارة البيك له في مكتبه شرفاً مابعد شرف. ولكن الشيخ بعد ان استمع الى كلامه افهمه ان مراجعته غير مقبولة، وان حكمه يخضع فقط للأصول القضائية الشرعية. وقد روى لي شاهد عيان ان البيك خرج من مكتب الشيخ صارخاً: «الله لا يخليني يا شيخ محمد جواد اذا خلّيتك رئيس المحكمة» وبالفعل كان للبيك ما أراد، وعزل الشيخ من منصبه. وأنزلت رتبته الى مستشار. ولكنه ظل طيلة مابقي له من العمر، حتى التقاعد، مستنكفاً عن حضوره جلسات المحكمة. وتزاوج كامل بين الفكر والعمل. ودائماً كان المقياس الاخلاقي للفكر يكمن في موافقه العمل.

4. ان يكن الشيخ محمد جواد في حياته العلمية نسراً لايسف، فقد كان في مكتبه كاتباً ومصنفاً على العكس تماماً. ان ميزته الاساسية فيما صنف انه نجح في ان ينزل بأكثر الافكار صعوبة وتعقيداً الى مستوى فهم الانسان العادي. من المؤكد انه لم يكن مبدعاً فيما كتب لا في الاسلوب ولا في المضمون. كان، بمعنى من المعاني، نحلة فكرية، تحسن جني رحيق ازهار الافكار من مكامنها في الحياة وفي الفكر ليقدمها لمن يرغب شراباً سائغاً فيه شفاء للناس. وهذه من اندر المواهب. اكثر الناس لديهم في عقولهم كامن ابداعي. واقلهم من يكتشف في نفسه هذا الجانب. واقل منهم من يوظّف ماوهبه الله تعالى فيما ينفع نفسه وينفع الناس. اما موهبة مزدوجة: قدرة على استيعاب فكر الاخر كما هو، ثم قدرة على تيسيره في قالب لفظي جديد.

اعتقد ان كتابه [التفسير الكاشف] هو خير انموذج لما نقول. ولطالما وقفت فيه على معانٍ في تفسير ايات الكتاب وكأنني اقرؤها لأول مرّة. ولطالما تساءلت، بعد ان اقرأ فهم الشيه لهذه الاية او تلك: لماذا لم يكتشف هذا المعنى احد من قبله؟ وأسوق على ذلك مثالاً، هو تفسيره لقوله تعالى: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ [18].

عامة المفسرين يفهمون الاية بأنها تأمر بترشيد إنفاق الثروة، بحيث يكون قواماً بين التبذير والشّح. وهو معنى قرأني صحيح. نقرأه في غير مورد. ولكن الشيخ وحده، فيما احسب، فهم منها يحق معنى اخر. هو الامر بالإنفاق والبذل حين يدعو الداعي، وعدم حجب المال عن مواضع الضرورة، حتى لو ادى الامر الى كبير نفقة، والى حرمان الناس من التمتع ببعض عوائد اموالهم. وذلك فهمٌ يتناسب تماماً مع سياق ومرمى الآية. حيث وردت في سياق الحثّ على الجهاد بمختلف اشكاله. بدأت بالامر بالإنفاق «في سبيل الله» اي فيما الصالح العام وختمت بالأمر بالاحسان، اي بما هو زائدٌ على الحق. وهذا معنى مختلف. ثم رأيناه في قمّة حضوره مفسراً حين اسهب في تطبيق هذا المعنى على انفاق عواذد النفط اسرافاً وإتلافاً على البذخ والرفاه السطحي. وحجبه عمّا فيه تنمية مقدرات الامة، وما فيه منعتها، وتوفير مختلف المعونات للمنكوبين من ابنائها وعلى قضاياها. مما رأى فيه بحق القاء للنفس في التهلكة، حسب منطوق الاية. هذا فهم صائب وبديع، يتناسب تماماً مع سياق الاية وخطابها. كما انه يتناسب مع نهج ائمة اهل البيتR، الداعي الى اعتماد القاعدة «الجري» في فهم وإعمال القرأن. «القرأن يجري كما يجري اليل والنهار» والى عدم وضع نصوصه في قوالب نهائية بل تطبيقها على ما قد يجد على الناس من مشكلات وقضايا. و[الفسير الكاشف]، من بعد، غني جداً بمثل هذا. في رأيي ان هذا المثال يختصر انموذج الشيخ محمد جواد يوصفه كاتباً انسانياً بامتياز، ومثقفاً منتمياً إلى شعبه، مسكوناً بهمومه. نظر دائماً الى وضع المعرفة وأدواتها موضعها الصحيح في خدمة ثقافة انسانية عضوية منتمية.

من القلة الذين اكتشفوا تلك الصفة النادرة لدى الشيخ في حياته، رئيس الجامعة البنانية انذاك، فؤاد افرام البستاني. حيث طلب اليه تدريس مادة الفلسفة فيها. مع انه لم يكن يحمل اي درجة علمية، مما هو معتمد لدى الجامعات. فاستجاب لطلبه. فكان اول فقيه من مثله يرقى منبر الجامعة. ودرج على هذا زمناً. مما يدل على نجاحه في هذا. وأظن انه وضع كتابه «مذاهب فلسفية» في هذا السياق.

5. في أخريات حياته خطا خطوة غير متوقعة من مثله. فها هو قد استقرت شؤونه، وملك بيتاً لأول مرّة في عمره، يحتوي على مكتبة جيدة، وغدا كاتباً يحظى بمكانة ممتازة. ولكننا رأيناه يترك كل ذلك فجأةّ ويشد الرحال الى «قم». دونما سبب معروف مما يدعو الناس الى الهجرة من أوطانهم.

في «قم» استقبل الإستقبال الذي يليق به. وهيئت له اسباب إقامة مريحة، من منزل وخادم الى مهنالك. لكنه رفض كل ذلك قائلاً انه انما اتى ليعيش كما وانه طالب علم، منصرفاً الى البحث والتدريس. وكان له ماأراد. فنزل في مدرسة من مدارسها، يخدم نفسه بنفسه. وامضى سنوات من حياته فيها على هذا النحة، وهو الذي قاس الفقر الواناً في فتوته وشبابه، ظلّ يحن! الى براءة الفقر، فاختار عيشه الفقراء شيخاً. ووجد فيما اختاره سعادة، اظن انه افتقدها في مضطرب حياته الصاخب في «بيروت».

6. هذه صورة، كأنها قد التقطت من بعيد، فضاعت فيها التفاصيل، لعبد صالح وعالم عامل. تعلّمت منه الكثير في المواطن التي تقاطعت فيها حياتينا. بمقدار مايمكن ان تتقاطع حياة الشاب العشريني مع حياة الشيخ الستيني. وتعلّمت منه حتى وانا استعيد في الهن ذكرياتي معه، تهيئةّ لكتابة هذه المقالة عنه. كان خشناً في ذات الله. وكان خشناً في ذات الناس. وكان خشناً في ذات نفسه. اعطى دون حساب. وأخذ بحساب عسير. دافع بشراسة عن حقوق الناس. وفي هذا السبيل خسر الكثير مما يتنافس فيه المتنافسون. وغمر كل ما كتبه بروحٍ انسانية عذبة في الشكل وفي المضمون.

أرجو أن أكون قد وفيت بما وعدت به في عنوان مقالتي. فقدمت صورة وافية بحق عالمٍ عامل متميز. لم اتعمّد فيها الإطناب، بل ضربت فيها صفحاً عن كثير مما اعرفه عنه. كما ارجو أن لاأكون قد أوجزت فيها الإيجاز المخلّ. والحمد لله.

[1] أستاذ جامعي.

[2] المقدمة، ص: 227، 228.

[3] المقدمة ص315.

[4] أستاذ جامعي.

[5] محام وأستاذ.

[6] أستاذ جامعي.

[7] كتاب أيام الحسين، ص: 285.

[8] كتاب أيام الحسين، ص: 25.

[9][م.ن]، ص.53 مثلاً.

[10][م.ن]، ص.52.

[11][م.ن]، ص.54.

[12][م.ن]، ص: 6.

[13] كتاب تاريخ الحسين: ص: 77.

[14][م.ن]، ص: 124.

[15][م.ن]، ص: 53.

[16][م.ن]، ص: 246-251.

[17] باحث ومؤرّخ.

[18] سورة البقرة، الآية 195.